|
إعادة الاعتبار للعلمانية
الموقع الأصلي:
هذه الأطروحة لم تختبر من قبل كما تختبر الآن، بيد أن النتائج تأتي تباعا مغايرة تماما للتوقعات... فانبثاق التيارات السياسية الدينية وتوسعها، لم يفض إلى تعزيز الوحدة الوطنية أو "وحدة الأمة" على نحو أشمل وأعمق، بل خلق مشاريع فتن وانقسامات بدأت بتفارق أتباع الديانات السماوية المختلفة، وتفاقم مشكلة الأقليات، ولم تنته باتساع الفجوة بين أتباع المذاهب الإسلامية العديدة نفسها. لبنان، قدم النموذج السالب للانقسامين: الديني والمذهبي، بدلالة سجل حروبه الأهلية الطويل، واحتقاناته الطائفية والمذهبية القائمة حاليا. والعراق، يقدم اليوم أنموذجا أكثر دموية، خصوصا لجهة الانقسام المذهبي البالغ ضفاف الحرب الأهلية، فـ"الدين" في العراق، قسم الناس حين دخل معترك السياسة، أكثر مما فعلت السياسة ذاتها، بدلالة أن الانقسام المذهبي (سنة وشيعة) في العراق أعمق وأخطر وأكثر دموية من الانقسام القومي (عرب وأكراد) أو الانقسام الديني (مسلمون ومسيحيون). أما في مصر، فلا يكاد يغلق ملف حتى يفتح آخر، أمس أثارت اجتهادات الدكتور حسن حنفي حول الإسلام ووجوهه المتعددة، جدلا بلغ حد تكفير الرجل وإلحاقه بقائمة نصر حامد أبو زيد، واليوم تدخل مصر في "مشروع فتنة" إثر ما تسرب من تصريحات منسوبة للشيخ يوسف القرضاوي، حمل فيها على محاولات تغلغل الشيعة في مصر واتهم الشيخ حسن نصر الله بالتعصب، سيما بعد ما أثارته تلك التصريحات من ردات فعل، وما كشفته من صراعات بين مدارس صوفية متحولة إلى "الشيعية" من جهة ومدارس أهل السنة والجماعة من جهة ثانية، مع كل ما يصاحب هذه الصراعات من تدخلات إقليمية (إيران والسعودية) وتداخلات أمنية. تسييس الدين أو "تديين" السياسية، تجربة اختبرت وما زالت تختبر في كثير من الدول والمجتمعات العربية، فكانت نتائجها كارثية، سيما حين يكثر رجال الدين من خطاباتهم السياسية، أو حين يبالغ الخطاب السياسي للتيارات الدينية في التدثر بلبوس العصمة والقداسة. وإذا كانت الوحدة الوطنية قد عنت في المنقلب الأول من القرن الفائت، وحدة المسيحيين والمسلمين في مواجهة الاستعمار والحقبة الكولونيالية، فإنها اليوم تعني شيئا آخر مختلف تماما من نوع: وحدة السنة والشيعة، الإخوان والسلفيين، الصوفيين وبقية المذاهب، الزيدية والشيعية (الحوثية)، إلى آخر ما في قائمة المذاهب والمدارس الطويلة من مسميات. والمؤكد أنها ليست صدفة أبدا، أن نجد الأوطان والمجتمعات المهددة بالتقسيم والصراعات الطائفية والحروب المذهبية، هي ذاتها الأوطان والمجتمعات التي تتحصن فيها السياسة بالدين: لبنان وحروبه الأهلية المتعاقبة، العراق وحربه الأهلية الجارية، اليمن والحرب المفتوحة على "الحوثيين" ومصر بأقباطها ومسلميها، بسنتها و"فاطمييها" و"صوفييها"، و"الحبل على الجرار". وبخلاف الحملة "المكارثية" التي يقترح الرئيس أحمدي نجاد شنها ضد "العلمانيين والليبراليين" في الجامعات الإيرانية، فإننا نعتقد أن تجربة العقود الثلاثة الماضية، تكشفت عن درسين اثنين: الأول، أن العلمانية بما هي فصل بين الدين والسياسة والدين والدولة، هي المقاربة الأمثل لمعالجة أزمات التعدد والتنوع الطائفي والمذهبي، شريطة أن تكون ديمقراطية، والثاني: أن تسييس الدين و"تديين" السياسة، لم يأتيا بالوحدة بل عززا الانقسامات الأهلية على مختلف أنواعها ومستوياتها. - مفتاح 8/9/2006 - http://www.miftah.org |