|
جدل الداخل والخارج
الموقع الأصلي:
التشديد على الـمواقف الجذرية الصارمة كان يعبر عن القلق الفلسطيني الحقيقي من خطر شطب الحقوق والقضية ويعبر في الوقت نفسه عن الأزمة العميقة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في كل مكان. هذه الأزمة التي تتفاعل وتتعمق داخل فلسطين على وقع حرب التدمير اليومية التي تحاول كتم أنفاس السواد الأعظم من الشعب وتدّفعه ثمنا باهظا لتواجده في وطنه. واينما تذهب خارج فلسطين تتلـمس أزمة تثقل بكاهلها على أكثرية الفلسطينيين. الأزمة في الداخل والخارج تحتدم على وقع السياسة الإسرائيلية الكولونيالية العنصرية الـمدمرة للحياة وللحلـم، تلك السياسة الـمحتضنة والـمؤيدة من اميركا، والـمتواطأ عليها دوليا، والـمسكوت عنها عربيا. يتوحد الفلسطينيون في الأزمة ويختلفون في عناصرها، لتصبح أكثر تعقيدا وصعوبة في الداخل كما الخارج على حد سواء. الصمود النابع من قدرة متجددة على الاحتمال والصبر هو عنصر التماسك في الداخل. والـمواقف الجذرية غير القابلة للصد والرد هي عنصر التماسك في الخارج. الخارج يحلـم بفلسطين ولا يرى مجريات الواقع وتفاصيل الطوفان الذي يعمل على محو الحقوق على الأرض ويجرف معه الأساس الـمادي للحلـم. إن اية مواقف متشددة لا تترافق مع خطة ما لتحقيقها، ومع عمل دؤوب لبناء الـمقومات الضرورية للصمود، ولإحراز تقدم تلو الآخر يقترب من الهدف الأخير، هذه الـمواقف بلا مقومات ولا موازين قوى يقتصر تأثيرها على أصحابها ومحيطهم الضيق. الفلسطينيون في الخارج وتحديدا النخب السياسية والثقافية واقعيون حيثما يعيشون ويلتزمون بقواعد وجودهم وعملهم ويتقنون فن الالتزام بها. لكنهم يتعاملون مع قضيتهم على الأرض الفلسطينية بمثالية ولا يعترفون بقواعد الصراع على أرض الواقع، يغمضون عيونهم عن الواقع ويحلـمون بوطن غير منقوص. وتقودهم واقعية التعاطي مع الـمكان ورومانسية الـمطالبة بحق غير منقوص الى توازن داخلي يجعلهم راضين عن دورهم ووجودهم. هناك عدد لا بأس به من القادة والزعامات لا يريدون أن يتلوثوا بمواقف التنازل عن أي شيء من الحق التاريخي كما يراه الفلسطيني بمعزل عن الصراع والعلاقات الدولية وميزان القوى، يريدون صفحتهم ناصعة البياض طوال حياتهم. وهذا الـموقف يحترمون عليه كأفراد مخلصين أوفياء لكنه يبتعد بهم عن دائرة الفعل السياسي إذا لـم يقترن عمليا ونظريا بالـمقومات والقدرات الـمتوقعة في أحسن الاحوال. الفلسطينيون في الداخل واقعيون في معرفة الـممكن وغير الـممكن ويدركون أنهم لا يستطيعون القفز عن حاجتهم الضرورية للبقاء على أرض الوطن، لا يمكن إرجاء ذلك أو وضعه في مصاف الحلـم، لكنهم غير واقعيين في التعاطي مع حاجة أبناء جلدتهم في الخارج الى وطن. إن تصويب الـمسألة يتحقق بشطب السلبية وبتبادل الواقعية ما بين داخل وخارج في إطار النظرة الواقعية الأعم للعالـم وتحولاته القائمة والـمنظورة ولنتعامل مع قوانين الصراع في هذه الـمرحلة كما تتعامل قوى بوزن روسيا والصين والهند وغيرها وعلينا ان لا نضع رؤوسنا في الرمال. وتبادل الواقعية يحتمل وجود رأيين وسياستين متعايشتين يحتملان الصواب والخطأ ويخضعان لحالة جدال واستقطاب وأكثرية وأقلية بدون تخوين واتهامات تطلق جزافا. ان العنصر الاهم في الأزمة هو افتقاد الشعب الفلسطيني لاستراتيجية تنظم صموده ومقاومته وتطرح مطالبه وحقوقه. وغياب الاستراتيجية يعني تراجع دور الـمرجعية "م.ت.ف"، وفي ظل افتقاد الاستراتيجية والـمرجعية يتجزأ الشعب بين داخل وخارج وبين داخل وداخل وخارج وخارج ويغَني كل طرف على ليلاه، ويسود التقدير الخاص والفردي والـمزاجي ويتحول النضال الى مشروع فردي لا يخضع لـمعايير واحدة ولا لناظم واحد. ولا يتم التعامل مع الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده كميزان قوى واحد يخوض الـمعارك الـمختلفة وفقا للأولويات والأهمية الـمحكومة بالـمصلحة الوطنية العليا للشعب الـموحد. لقد نجحت منظمة التحرير في توحيد الشعب وقيادة نضاله عندما طرحت إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة وحق العودة، وتعاملت مع أشكال النضال بواقعية، فعندما كانت الحدود العربية مفتوحة كان الشكل الرئيسي للنضال هو الكفاح الـمسلح، وعندما أغلقت الحدود العربية صارت الانتفاضة الشعبية هي الشكل الرئيسي للنضال، واستقوت بسلاح الشرعية الدولية والعربية. وفرضت الحضور الفلسطيني على جميع الأجندات. وبقيت الـمنظمة ممسكة بهذا التوازن الضروري حتى التوقيع على اتفاق أوسلو الذي أخاف الخارج وجعله متوجسا من احتمال شطب حقوقه، وجاء تطبيق أوسلو الذي أكد طغيان الـمفهوم الإسرائيلي التوسعي الإقصائي، وقدم نموذجا لسوء الأداء في الـمفاوضات وسوء الأداء في إدارة وبناء مؤسسات السلطة، وإهمال منظمة التحرير وتهميش دورها بما في ذلك عدم تطوير مؤسساتها التي أصابها الشلل، كل هذا أدى الى ضعضعة علاقة الداخل بالخارج وبداية تفكك عناصر النضال ومكوناته. حدث ذلك بدون اعتراض، بدون محاولة تصويب الوضع قبل استفحاله وتحوله الى أزمة عميقة. والآن هل يمكن الخروج من حالة التفتت والانفصال بين الداخل والخارج وبين الداخل وداخل الداخل في الـ 48 وتجاوز حالة الارتجال وفقدان الاتجاه والعودة للتعامل مع الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده كوحدة واحدة وميزان قوى واحد من أجل مهمة إنهاء الاحتلال كمهمة مركزية للجميع وبدون استثناء. - الأيام 12/9/2006 - http://www.miftah.org |