سقوط نظرية <<الكيان الصيهوني الأمن>>
بقلم: المحامي خليل بركات
2006/9/13

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5985


قامت النظرية الصهيونية على أساس، أنه ليس هناك مكان آمن لليهود في العالم، سوى قيام كيان خاص بهم، يكون ملجأ ليهود العالم، يحميه جيش قومي متفوق على كل من حوله من جيوش.

وانطلاقاً من نظرية الأمن هذه، جهدت << اسرائيل>> في كل حروبها مع العرب، بعد العام 1948، على أن تكون المعارك خارج الكيان الصهيوني، بحيث يشعر اليهود، داخل الكيان، أثناء تلك الحروب، أنهم في أمان، وان حياتهم عادية أو شبه عادية .

وفعلاً ، استطاعت << اسرائيل>>، أن ترسخ هذا الشعور لدى اليهود في العالم، فكانت هجرتهم الى الكيان الصهيوني تزداد عقب كل حرب، من تلك الحروب، وباتت القناعة راسخة لديهم بان جيش << اسرائيل>> لا يقهر.

ولكن نظرية << الكيان الآمن>>، التي دامت منذ العام 1948 ، تلقت ضربة موجعة في العام 2000، حين اضطر الصهاينة، وبإجماع آرائهم السياسية، الى التسليم بالانسحاب من جنوب لبنان، الذي وصفوه << بالمستنقع>>، بطريقة مهينة ومذّلة، من دون تفاوض، تحت ضغط ضربات المقاومة الاسلامية، فتكرّس شعور جديد لدى اليهود بان نظرية << الجيش الذي لا يقهر>> قد اهتزت كثيراً، وان <<الأمن>> في الكيان الصهيوني، لم يعد مضموناً.

كما كان لإنتصار المقاومة الذي تحقق في العام 2000، الأثر الكبير أيضاً على معنويات الأمة العربية في كافة اقطارها، حيث ثبت انه بالامكان تحرير الأرض العربية، من الاحتلال الصهيوني، دون تفاوض أو اعتراف ودون تقديم تنازلات للعدو، فاعطى ذلك دفعاً معنوياً كبيراً للمقاومة في فلسطين ، واعتبر آنذاك احد الاسباب الرئيسية التي ادت الى انتفاضة الاقصى عام 2000.

لقد ادرك العدو الصهيوني، خطورة ما جرى في العام 2000 فأخذ يعد العدة، للانتقام مما حصل، واعادة عقارب الساعة الى الوراء، باعادة اثبات ان جيشه لا يقهر، وأن أمن مواطنيه سوف يكون راسخاً، وذلك بتوجيه ضربة ساحقة للمقاومة تؤدي الى << اجثثاتها>> من الجذور، على حد تعبيره، بالاتفاق مع الادارة الاميركية، التي رأت في ذلك فرصة لتحقيق ما يسمى << الشرق الآوسط الجديد>>، على حد ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس، وظناً من << اسرائيل>> وامريكا، بان الفرصة مؤاتية أيضاً داخل لبنان، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما افرزته عملية الاغتيال هذه من زلزال شهدته الساحة اللبنانية وتأزم سياسي ومذهبي، استغلته قوى كانت كامنة، واصوات كانت ملجومة، في حملة ليس على سورية فحسب، وإنما على المقاومة أيضاً، في عملية تحريض داخلي وخارجي عليها، محللة دمها، على حساب شعار << السيادة والاستقلال والحرية>> التي جعلت منه ستاراً لحملتها المستمرة على المقاومة ، ومطالبة بسحب سلاحها.

وهكذا، شن العدو الصهيوني الحرب في 12 تموز الماضي، مدعوماً بقوة وبصورة علنية وواضحة من الولايات المتحدة الأميركية وبتواطؤ أوروبي غربي بصورة عامة، وتشجيع من بعض الأنظمة العربية، التي صرح القادة الصهاينة، انهم نالوا موافقتها على الحرب، مستخدمين في حربهم كل أسلحة التدمير، حيث أعلن متحدث باسم الجيش الاسرائيلي إن نحو 130 ألف قذيفة اطلقت على لبنان خلال الحرب التي استغرقت 33 يوماً.

لقد اعتقدت "اسرائيل" ان هذه الحرب لن تستغرق سوى أيام، ولا تتجاوز الاسبوع، تسحق فيها المقاومة، ويتم النخلص منها. فإذا بحسابات <<البيدر>> مختلف تماماً عما تمناه العدو ومن معه .

فالمعارك التي خاضتها المقاومة ضد العدو، كانت بطولية حققت اثناءها وبنتيجتها انتصاراً وصف بالمعجزة لجهة عدد القتلى والجرحى في صفوف جنوده وضباطه ( 347 قتيلاً و 650 جريحاً استناداً الى ما ذكرته صحيفة اميركية ، ولجهة عدد الدبابات ( ميركافا ) والآليات التي دمّرت واعطبت ( حوالي 160)، ولجهة السفن الحربية التي احرقت واصيبت باضرار جسيمـــة، ( بارجتان وزورق ) ولجهة منعه من الوصول الى اقرب نقطة من نهر الليطاني التي لا تبعد عن حدود فلسطين أكثر من سبعة كيلومترات، حيث تحولت كل بلدة وقرية أمامية، حاول العدو دخولها، الى ملحمة بطولية خارقة، كما حصل في مارون الرأس وبنت جبيل وعيترون وعيتا الشعب والطيبة والقنطرة والغندورية والخيام 000 وغيرها.

لقد كشف أحد قادة العدو للاذاعة الاسرائيلية، أن معركة << وادي الحجير>>، التي ارتكزت على هجوم بالدبابات عبر محور القنطرة وانزال في الغندورية، كان الهدف منها تحقيق انتصار، لتقديم البرهان بان الجيش الاسرائيلي قادر على الحاق الهزيمة بالمقاومة، وانه سيد الموقف، وعلقّ أحد الجنود الذين راجعوا من المعركة، بقوله: << لقد أرسلونا كي نجلب صور مخربين قتلى أو رافعي الأيدي وبدلاً من أحراز انتصار نفسي واحتلال وعي الأخر تلقينا العكس كيداً مرتداً وقاتلاً>>.

وهكذا تحولت معركة << وادي الحجير>>، الى مجزرة لدبابات الميركافا، التي وقعت صيداً ثمنياً لصواريخ المقاومة، وتحولت قرية << الغندورية>> فخاً لقنص الجنود الصهاينة .

وإذا كان انتصار عام 2000، قد أحدث هزة في قناعة اليهود، بالنسبة الى نظريـــة << جيشهم الذي لا يقهر >> واهتزت معه نظرية << الكيان الصهيوني الآمن>>، فان الانتصار المعجزة الذي تحقق في حرب 12 تموز 2006 أحدث زلزالاً في القناعات.

فلأول مرة يقصف عمق الكيان الصهيوني، ثلاثة وثلاثين يوماً، بعمق وصل الى 80 كلم، بحيث شمل حيفا والعفولة وطبريا، فضلاً عن عكا وصفد وكل المستعمرات في الجليل، وادى الى نزوح يزيد عن مليون ونصف مليون عن مساكنهم الى اماكن أخرى، وكانت تطلق يومياً ، وباستمرار صفارات الانذار فيهرع الصهاينة الى ملاجئهم وتتعطل الاعمال ويهرب السياح ويحل الدمار في الممتلكات والطرقات والمنشاءات العامة، ما لم يشهده الصهاينة في أي حرب من حروبهم منذ نشوء الكيان الصهيوني في العام 1948.

لقد اثبتت حرب 12 تموز 2006، بان الجيش الصهيوني يمكن أن يقهر، إذا ما توفرت الارادة الصلبة، والاستعداد للتضحية,كما جسدت ذلك المقاومة في تصديها للعدو, وكما اثبتت من خلال القصف اليومي لعمق الكيان الصهيوني, سقوط << نظرية الكيان الآمن>> ليهود العالم. وهذا سوف يكون له تأثير على صعيد الهجرة، حيث ستزداد الهجرة من داخل الكيان الى الخارج، وتقل الهجرة من الخارج الى الداخل، الأمر الذي يطرح مشكلة أمن <<اسرائيل>> كما أشـار بن غوريون التي تعادل << مشكلة بقاء الشعب اليهودي بأكمله 000 فأما ان تزول ( اسرائيل ) وأما ان تبقى 00>>. - مفتاح 13/9/2006 -

http://www.miftah.org