الوحدة قبل حكومة الوحدة
بقلم: عوني صادق
2006/9/14

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=5990


بعد فوز حركة (حماس) في انتخابات المجلس التشريعي وتكليف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة الفلسطينية، تحدث هنية عن رغبته في أن تكون الحكومة (حكومة وحدة وطنية) تضم كل الفصائل والاتجاهات الوطنية. لكن موقف حركة (فتح) جاء على الفور وقبل أن يتم أي لقاء مع هنية، رافضا المشاركة في (حكومة حماس)، فجاء ذلك أقرب ما يكون إلى ترديد ما كانت تقوله الدوائر المعادية للشعب الفلسطيني- التي كانت قد أعلنت قبل إجراء الانتخابات أنها لن تعترف بحكومة تشارك فيها حركة (حماس) - ثم بدأت (فتح) تضع شروط مشاركتها والتي بدت مأخوذة أيضا من تصريحات معادية رسمية تحولت إلى شروط للجنة الرباعية، بوصف الأخيرة تمثل ما يسمى (المجتمع الدولي)، وهي: (الاعتراف ب “إسرائيل”، ونبذ العنف، والالتزام بالاتفاقات الموقعة مع “إسرائيل”).

هكذا كان موقف حركة (فتح) منذ اللحظة الأولى من حكومة هنية قبل تشكيلها، تلك المواقف كلها انطلقت من فكرة عدم تمكين حركة (حماس) من تشكيل الحكومة، لكن (حماس) أصرت على تمسكها بما اعتبرته تكليفاً من الشعب الذي أوصلها بالانتخابات إلى ما وصلت إليه... وتم تشكيل الحكومة. بعد تشكيل الحكومة بدأ العمل، من الجهات ذاتها، على محاصرتها لإظهار فشلها وعجزها وإجبارها على الاستقالة والرحيل، فكان الحصار الذي لم ينته بعد، بكل ما حمل معه من مشاكل وأزمات تجسدت في الصراع حول الصلاحيات، وحول تشكيلات الأجهزة الأمنية، وما جره ذلك من اشتباكات وفلتان أمني، وانتهت إلى الإضرابات التي لا تزال مستمرة والتي اقتربت من العصيان المدني، وشملت المرافق والوزارات الحكومية.

في هذه الأثناء خرجت (وثيقة الأسرى)، ثم فكرة الاستفتاء على الوثيقة، ثم أعلن عن التوصل إلى (توافق) على الوثيقة بعد (تعديلات طفيفة) على بعض بنودها وستكون أساس تشكيل حكومة الوحدة. وأوقفت عملية (الوهم المتبدد) لبعض الوقت الصراع الدائر حول الحكومة وتداعياته. ولحقت بعملية (الوهم المتبدد) عملية (الوعد الصادق) التي نفذها حزب الله في لبنان، ثم كانت الحرب الأمريكية- “الإسرائيلية” التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان، فسرقت من المشهد الفلسطيني القليل الذي كان عليه من الأضواء.

وكما في لبنان، حيث تصرف فريق 14 آذار اللبناني وكأن لبنان لم يشهد حرباً ضروساً استمرت 33 يوماً واجهت أمريكا و”إسرائيل” وحلفائهما المحليين والإقليميين فيها الهزيمة، وأسقطت الكثير من الأوهام والأساطير، وأعادت الاعتبار إلى المقاومة الوطنية... تصرف فريق 14 آذار الفلسطيني، فعاودوا الحديث عن وضع الحكومة الفلسطينية وكأنهم هم الذين انتصروا في الحرب ! وعاد معهم الحديث عن ضرورة تشكيل (حكومة وحدة وطنية) وفق الأسس والشروط ذاتها التي كان الحديث يدور عليها قبل تلك الحرب.

اللافت هنا هو حجم النفاق السياسي الذي ينطوي عليه هذا الحديث الدائر عن (حكومة الوحدة الوطنية) من كل الأطراف المعنية في ضوء المواقف المتناقضة والتي لم تتغير على الجانبين. فبداية لا يمكن الحديث عن حكومة وحدة وطنية قبل وجود (موقف وطني واحد) تتفق عليه كل الأطراف التي يفترض فيها أن تشكل هذه الحكومة. في الحالة الفلسطينية لا يوجد مثل هذا الموقف، وإذا كانت الأطراف لم تتهم بعضها علنا حتى الآن بالخيانة (ليس من باب اللياقة أو الموضوعية ولكن أيضا من باب النفاق السياسي)، فإن الخلافات- وليس الاختلافات - على الأسس والمنطلقات، ومن ثم القواعد التي سيقوم عمل الحكومة على أساسها ووفقا لها هي أكبر وأوسع وأعمق من أن توصل إلى (توافق)، ولا أقول إلى اتفاق عليها. وما يطرح من أفكار بين حين وآخر، مثل تشكيل (حكومة تكنوقراط) أو (حكومة مستقلين) أو ما يشبه ذلك، لن يوصل لا إلى الوحدة الوطنية ولا إلى حكومة الوحدة الوطنية.

ليس المطلوب (حكومة وحدة وطنية) في الظروف التي تسود الآن الوضع الفلسطيني، لأن هذه الظروف نفسها لا تسمح بقيام هذه الحكومة، وإن قيل في وقت لاحق إنها قامت بهذا الاسم فستكون بالتأكيد اسما بلا مسمى، وستكون في الحقيقة (حكومة محاصصة فصائلية). المطلوب (حكومة وطنية) تقف على أرضية الموقف الوطني الصحيح، وتتمسك بالثوابت الوطنية، وترفض الخضوع للإملاءات والشروط “الإسرائيلية” والأمريكية، وتواجه قوات الاحتلال وتقاوم اعتداءاته، وتنشر ثقافة المقاومة بدلا من ثقافة الاستسلام التي يريد البعض لها السيادة.

لقد ذهب الرئيس محمود عباس إلى غزة ليستأنف حواره المتقطع مع رئيس الحكومة إسماعيل هنية، بعد لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. وفي مؤتمرهما الصحافي الذي عقداه في رام الله بعد اللقاء، أعلن عباس أنه سيشكل حكومة وحدة وطنية (بعد تسريبات ظهرت بطرق مختلفة على لسان أكثر من مسؤول في حركة فتح بأنه على وشك أن يقيل الحكومة- عزام الأحمد، ماهر مقداد، نبيل شعث). المهم أن عباس ذهب للقاء هنية وهو يحمل رسالة بلير التي رد بها على عباس قائلا: إنه والآخرين سيعترفون بأية حكومة فلسطينية تلتزم بشروط اللجنة الرباعية! فماذا تغير في الموقف، وكيف يمكن أن ينتهي حوار عباس- هنية إلى توافق أو اتفاق؟ وكيف يمكن أن يتحقق توافق أو اتفاق بشأن حكومة الوحدة بعد إعلان هنية أن حكومته باقية لأربع سنوات؟ أين هي عناصر التوافق أو الاتفاق في كل المواقف المعلنة على ألسنة المسؤولين في حركتي (فتح) و(حماس)؟ أين هي فرص حكومة الوحدة الوطنية؟ - الخليج الاماراتية 14/9/2006 -

http://www.miftah.org