ضحك الجوزة بين حجرين
بقلم: زكريا محمد
2006/10/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=6125


أريد أن أحكي لكم ورطتي.

أريد أن أرى كم من الناس يعيشون مثل هذه الورطة.

لقد وضعت، أيها السادة، بين فتح وحماس. وعلي أن أميل إلى معسكر أحدهما. كل يوم أقرأ أو أسمع الحجج التي تهدف إلى إقناعي بأن أغادر موقفي المتردد وأن ألتحق بمعسكر أحد الطرفين. لكنني غير قادر على فعل ذلك، غير قادر على فعله، أقول لكم.

لذا فأنا أضحك مثل جوزة بين حجرين، كما يقول المثل العربي! أي أنني أطحن بين حجري فتح وحماس.

لقد قضيت عمري كله في منظمة التحرير، أدافع عنها، وعن قرارها المستقل، وعن روحها العلمانية التعددية. وهذا ما يجعلني في شك عميق تجاه الروح التكفيرية المتعصبة التي تجتاح التيارات الدينية، وتجتاح حركة حماس. كما أن الخوف يملأني من لهجة حماس، واستعداها لتخوين الناس وتكفيرهم، ومن قدرتها على اللجوء بسهولة إلى السلاح. كما يذعرني أن بعضها أخذ يعلن أن حماس وكيل الله في فلسطين.

كل هذا يجعلني في صف فتح بلا شك. ففتح ليست وكيل الله في فلسطين. لقد حصلت على وكالتها من رصاصتها الأولى، ومن معركة الكرامة، ومن تراث ياسر عرفات. وهي حين تدعي أن لها الحق أن تحكم الناس، أو أن تعود على الحكم من جديد، بعد أن أسقطها الناس، فإنما استندا إلى هذا فقط.

من أجل هذا، فأنا أشعر مع فتح أنني في بيتي. أما عند حماس فأشعر أنني غريب تماما. بل إنني اشعر أنني غريب خائف ومنبوذ.

مع ذلك فأنا لا ألتحق بمعسكر فتح ومن معها. لماذا؟ لأنني أشعر أنه لم تعد لفتح قضية. القضية الفعلية الوحيدة هي مصلحة كادرها في الصفوف العليا. قضية العودة إلى الحكم. ولأنه لا توجد لديها قضية، فليس لديها سياسة. السياسة الوحيدة التي تمتلكها فتح الآن هي انتظار رحمة أمريكا، لا غير. هذا يعني أن أي شيء يدعى مقاومة لم يعد مسألة مطروحة في فتح. لا أقصد المقاومة العسكرية بل المقاومة السياسية بعناها الشامل.

انتهت فكرة المقاومة في قمة فتح بغياب الرئيس عرفات. لم تعد مطروحة على جدول الأعمال. وهذا ما يجعلني في هذه النقطة أقرب إلى حماس. لا أقصد أنني أوافق على تكتيكات حماس في المواجهة، بل اقصد أنني أرى أن روح المقاومة قد انتقلت إلى صفوفها منذ زمن. وأنا من نشأت على فكرة مقاومة دولة إسرائيل من أجل إرغامها على القبول بحقنا، لا أستطيع أبدا أعتبر أن هذا الفرق بين وحماس فرق صغير. إنه فرق يرتبط بأعمق أعماق روحي.

وهكذا، لا أستطيع أن اصطف مع حماس، لأن حماس تهدد حريتي، وتشكل خطرا على عقلي. ولا أستطيع أن أقف ضدها في الوقت الذي انتقلت روح المقاومة إليها. أريد حريتي وأريد أن تستمر المقاومة في اللحظة ذاتها.

لذا لا أقف مع حماس ولا أقف ضدها. جزء من نفسي مع حماس، وجزء آخر عدوها.

ولا أستطيع أن أقف مع فتح لأنني مقتنع أن روح المقاومة غادرت قيادتها، ولأن كتلة لا باس بها من صفوفها العليا باتت تحلم بالتساوق مع الحلول الخطرة المطروحة. كما لا أستطيع أن أنسى أنني مع فتح في بيتي ومع عقلي.

لذا لا أقف مع فتح ولا أقف ضدها. نصف روحي مع فتح ونصف روحي ضدها.

أعطوني تركيبا من نصف حماس المقاوم ونصف فتح العاقل العلماني المتعدد المتسامح. عندها سترونني أسير وراءه من دون حساب لي شيء. أما غير ذلك فلن أقبل به.

لن أسير مع فتح ولا مع حماس نحو الحرب الأهلية، حتى لو وضعوني مثل جوزة وطحنوني بين حجريهما.

هذه هي ورطتي.

ولا بد أن هناك الكثيرين ممن يعيشون مثلي في هذه الورطة. وأنا احلم أن يتم جمع هؤلاء لعلهم يشكلون التركيب النادر الذي أبحث عنه.

http://www.miftah.org