حكومة الوحدة الوطنية وخطورة التصدع الداخلي
بقلم: د.رياض المالكي
2007/3/25

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=6833


وكأن حكومة الوحدة الوطنية بخير وليس أمامها تحديات تذكر، وكأن تلك الحكومة ينقصها مزيد من الإشكاليات الداخلية، إضافة لـما يحيط بها من إشكاليات خارجية تهدد قدرتها على العمل وعلى تمثيل الشعب الفلسطيني داخل الوطن السليب. ربما من الأفضل لهذه الحكومة، التي جاءت نتيجة لـمخاض عسير، واستغرق تكوينها والاتفاق على شخوصها وتحديد برنامجها كلـمة كلـمة تلك الأشهر الكثيرة، أن يتم التعامل معها إمّا أبيض أو أسود، ودون الدخول في تعددية الألوان والأشكال والأسماء والانتماءات الحزبية. مجرد القبول بعملية التمايز الداخلي وعملية التمييز بين وزير وآخر بناءً على انتمائه الحزبي سيكون الـمسمار الأول والأخير في نعش تلك الحكومة، حتى قبل أن تعطى الفرصة لإثبات ذاتها وتحديد توجهاتها وقدرة وزرائها الـمقبولين والـمرفوضين مـن قبل الإدارة الأميركية والبريطانية وغيرهما بإثبات قدراتهم وامتلاك الـمهارات الـمطلوبة على الـمستوى الـمهني والسياسي لإدارة وزاراتهم، والخروج بشكل جماعي من كافة الـمعيقات الداخلية والخارجية التي وقفت في وجهها، قبل أن تتشكل وتقف في وجهها منذ لحظة تشكيلها والإعلان عنها.

الجميع يتوقع إشكاليات إدارية في الـمحافظة على جسم متناسق داخل الحكومة بسبب الـمواقف الـمسبقة للوزراء الـمنتمين لاتجاهات حزبية مختلفة، والجميع يتوقع لها العديد من الإشكاليات السياسية مع كل جلسة أسبوعية بسبب عملية التهجين السياسي الذي أفرز مكوناتها، وخمّر برنامجها السياسي، والجميع يتوقع لها انقسامات عمودية مع كل فكرة تطرح ومع كل رأي يناقش ومع كل قضية تضاف إلى جدول الأعمال، ومع كل عملية تصويت تتحدد. ذلك الانقسام العمودي سيصبح الواقع الجديد الذي سيشكل آلية عمل الحكومة، لدرجة أنها ستنقسم إلى حكومتين متوازيتين؛ حكومة تمثل مواقف حركة حماس، وأخرى تمثل مواقف حركة فتح، وبينهما تقف بقية الأحزاب الصغيرة، التي ستحاول الـمجموعتان جذبها إليهما، مع اعتبار تلك الـمواقف الـمبدئية، التي قد تحدد مواقف كل فصيل صغير عند عملية التصويت. ما هي إلاّ عملية حسابية صغيرة وغير معقدة سيلجأ إليها كل فريق لحساب عدد الأصوات الـمؤيدة لـموقفه أو الـمعارضة قبل عملية التصويت لتحديد الخطوة التي قد تلي عملية التصويت أو ما قبلها. لهذا السبب تشكلت الوزارة أصلاً من خمسة وعشرين وزيراً، ولهذه الأسباب احتفظت حماس بثلاثة عشر وزيراً، ولهذه الأسباب أصرت حماس على اختيار مستقليها لضمان تصويتهم الأوتوماتيكي معها، بغض النظر عن القضايا الـمطروحة ومنطقيتها، بهدف السيطرة على عملية التصويت وضمان الأكثرية. ولهذا السبب أيضاً أرادت فتح أن تضيف وزارات أخرى للأحزاب الصغيرة الـمنضوية داخل منظمة التحرير لكسب تأييدها مع كل عملية تصويت، ولهذا السبب أصرت فتح على الاحتفاظ بالوزارات الثماني الـمعطلة، والتي في حال هددت بالاستقالة، فستؤدي إلى سقوط أوتوماتيكي للحكومة؛ أي أن معادلة الحكومة الحالية والتي على أساسها تشكلت تحمل عناصر التهديد والـمواجهة الداخلية وليس عناصر الصمود والتقوية الذاتية، وكأن الجميع في تفكيره الباطني قد استبق مثل هذه الإمكانيات وأخذها بعين الاعتبار لضمان أغلبية في التصويت أو فيتو معطل.

قد يعتقد البعض، ومنهم الإدارة الأميركية والبريطانية، أنهم يقدمون خدمة جليلة للحكومة الجديدة عند الإعلان عن استعدادهم التعاطي فقط مع الوزراء من خارج حركة حماس، أي مع فتح والـمستقلين الـمسميين عليها، إضافة إلى ممثلي الأحزاب الأخرى الصغيرة، بينما تتم مقاطعة وزراء حركة حماس في الحكومة، لكنهم لا يعلـمون، وقد يعلـمون تماماً، أن مثل هذا الإجراء من شأنه تعميق الفجوة بين الجهتين الـمركّبتين للحكومة الجديدة عبر إضافة عنصر خلافي جديد قد يعصف باستقرارها وتماسكها. من الطبيعي ألاّ يرحب أحد من حركة حماس بمثل هذا التمييز، رغم أنه يشكل تقدماً نوعياً عن الـموقف السابق من حكومة حماس العاشرة، ويجب أن ينبع الرفض بسبب انتقائيته من جهة، وبسبب فرضه واقعاً تمييزياً بين أعضاء الحكومة الواحدة من جهة أخرى. ومن الطبيعي أيضاً ألاّ يرحب به أي من وزراء فتح ومستقليها أو وزراء الأقليات الحزبية، لأن مثل هذا الإغراء السياسي سيعقّد أمور عمل الحكومة، ويبرز على السطح مجمل الخلافات التي يحاول الجميع تلاشيها أو تجنبها أو تجاهلها. والسؤال الوجيه الـمطروح هو: هل سيقع الوزراء غير الحمساويين في هذا الفخ، بحيث ستجذبهم إغراءات اللقاء مع الـمسؤولين الأميركيين والبريطانيين، أم سيتكاتفون ويتضامنون مع زملائهم من حماس في رفض هذا العرض الانقسامي والتجزيئي لتركيبة الحكومة ولوحدتها؟. من الـمؤكـد أن يخرج هؤلاء الوزراء عن الانسجام السطحي، الذي نفترض وجوده داخل الحكومة وبين وزرائها رغم كل ما ندّعيه عكس ذلك، وسوف يبدأ هؤلاء الوزراء بالترويج لـمزايا اتصالاتهم السياسية مع كلتا الإدارتين بحجة أنها ستشق حالة العزلة والحصار الدولي الـمفروضة على الشعب والحكومة الفلسطينية، وتساعد في تخفيف الضغط عليها لـمصلحة الشعب الفلسطيني عامة.

الرئاسة الفلسطينية خرجت عبر الـمتحدث باسمها رافضة ذلك القرار ومعلنة أن كافة الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية هم معينون من رئيس السلطة الفلسطينية، وينفذون سياسته باعتباره رئيساً للسلطة التنفيذية، وأن التصنيف بحد ذاته مرفوض كونهم ينفذون برنامج الحكومة السياسي وليس برنامج أحزابهم أو تنظيماتهم السياسية. والتحدي الأكبر الذي سيواجه الحكومة والرئاسة معاً هو في كيفية التعامل مع هذا التصنيف وليس في إطلاق فقط التصريح السياسي الرافض له؛ فالتصريح السياسي لا يغير في الأمر شيئاً، والـمطلوب تحديد موقف عملي على الأرض يُلزم جميع الوزراء، بمن فيهم أولئك الـمميزون إيجاباً من قبل الإدارتين الأميركية والبريطانية، وقد تلحق بهما حكومات غربية أخرى. فهل سيلتزم وزيرا الشؤون الخارجية والـمالية تحديداً بضرورات الـمساواة بين الوزراء، ويرفضان لقاء نظرائهما في الإدارة الأميركية والبريطانية تضامناً مع زملائهما من حركة حماس في الحكومة، أم سيجدان نفسيهما مضطرين للقاء نظرائهما بسبب حساسية الحقائب الوزارية التي يحملونها، وبالتالي يتم إعطاؤهما استثناءً خاصاً من قبل الحكومة والرئاسة معاً، بينما نفس الاستثناء لن يعطى لوزراء حركة فتح وبقية وزراء الأقليات الحزبية؟.

الـمَخرج الوحيد للحفاظ على وحدة وتماسك الحكومة الجديدة هو في إعطاء الاستثناء فقط لوزارتي الخارجية والـمالية، بينما يُطلب من بقية وزراء فتح والأقليات الحزبية في الحكومة إظهار التضامن والانسجام مع قرارات الحكومة، التي من الـمرجح لها أن تصدر تباعاً لتؤكد رفضها هذا التصنيف والتمييز. هل سيقبل وزراء فتح تحديداً مثل هذه القرارات التي ستصدر عن أغلبية حماس في الحكومة على حساب أقلية فتح فيها، أم هل سيتمرد هؤلاء الوزراء على هذا القرار ويقومون بالاتصال مع نظرائهم الأميركيين والبريطانيين كل على حدة؟. يبدو أن هذه الأزمة، رغـم فقدانها مقومات الأزمات، ستمثل أول اختبار حقيقي لتماسك وانسجام وتضامن ووحدة هذه الحكومة، التي تحمل اسم حكومة وحدة وطنية. هل سنشهد حالة تصدع داخلي آني في هيكلية الحكومة الجديدة أم سيعمل الجميع على تجنب الفشل في أول اختبار عملي لـمدى تماسك حكومة الوحدة الوطنية؟! هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، قبل الانتقال لفتح ملفات أخرى.

http://www.miftah.org