|
عام 2008 عام الدولة الفلسطينية المستقلة
الموقع الأصلي:
هذه التهنئة ليست فقط لكل فلسطيني، بل هي أيضا لكل عربي ولكل مسلم ومسيحي، ليس فقط بسبب قدوم العام الميلادي الجديد، وفي بضعة أيام حلول العام الهجري الجديد، بل أيضا بسبب عيد الانطلاقة الثالث والأربعين، لميلاد الثورة الفلسطينية المعاصرة، في العام خمسة وستين. درجنا عادة في فلسطين، أن نحتفل بهذه المناسبة، طيلة عمرنا وندعوها هكذا، بهذا الاسم والوصف البسيط والمختصر، كنا نسميه عيد انطلاقة الثورة، وفي عنفوان قوة اليسار الفلسطيني بجميع أجنحته وفصائله، كان الرفاق يسمونها معنا هكذا، انطلاق الثورة! نادراً ما خرج اللفظ إلى التوصيف الفصائلي، نادراً ما استخدمت عبارة 'انطلاقة فتح' ، كانت دوما بالنسبة للفتحاويين كما بالنسبة لأي فلسطيني، عيد الثورة الفلسطينية المعاصرة وانطلاقتها، وكان الناس يتبادلون التهنئة، ويسعدون هذا اليوم على هذا الأساس. ترى هل كان في هذا ترجمة مباشرة وخطية، للوعي بالمعنى المقابل تاريخيا وسياسياً، وذلك أكثر من كونه يحيل إلى البعد الزمني فقط؟ ظني أنه كذلك، ليس لأن الحقيقة الواضحة تقول، بأن هذه الانطلاقة كانت فعلاً بداية العمل الوطني الفلسطيني السياسي والقتالي الممنهج، والمستند إلى تخطيط ورؤيا وبرنامج متكامل، انتزاعاً للحالة الفلسطينية العامة، من بوابة وكالة الغوث الدولية، إلى بوابة مقاتلي الحرية، تلك التي نتذكر الشهيد ياسر عرفات وهو يكررها حاملاً بندقيته على كتفه، خارجاً من مغارة في غور الأردن. مع ذلك كانت ' فتح' بعد هذه الانطلاقة، أحرص الناس على الطيف الوطني الكفاحي ووولادته، وددت لو تذكر الناس وذكروا شعار ' فتح' الأكبر،' فلتتفتح ألف زهرة في البستان من أجل فلسطين وعلى دربها' ، نعم هذه هي عظمة هذه الحركة التي كان بامكانها، لو أنها رأت نفسها فصيلاً ضيقا، ومنذ البداية، أن تمنع هذه البراعم من الجذور، هذه الحسابات التي تساوي حسابات تجار المفرق الصغار، لم تكن في ذهن ' فتح' ، ولا قبلت يوماً على أي مستوىً عندها. يأتي الزمان الذي تمنع فيه الجماهير الفلسطينية، وليس فقط جماهير هذه الحركة العظيمة، من أن تقيم أبسط شكل من أشكال امتنانها لهذا اليوم الذي أوصل وقاد الحالة الفلسطينية، عبر ممر الأشواك الطويل، إلى أن يأخذ هذا الذي تجرأ على منع هذا الحدث قراراً بمنع هذا الاحتفاء. ماذا يعني هذا؟ المعاني الحقيقية المختفية خلف هذا الفعل الناقص كبيرة، إنها في أول المستويات تعني إعتراضاً مباشراً على القيمة الوطنية لهذا الحدث، إنها تعني ليس فقط انسلاخاً من الوعي الجمعي الفلسطيني المباشر، بل إنها تعني أكثر من ذلك، إنها تساوي بالضبط ذات الإجراء الذي طالما اتخذه العدو الصهيوني، حاظراً ومانعاً هذا الاحتفال والذي كان بدوره ينجح في خرق هذا الحظر، ويقام فوق كل منصة فلسطينية في كل مؤسسة فلسطينية، رغم هذا الحظرالصهيوني. قرار قيادة حركة 'حماس' المنقلبة على النظام السياسي الفلسطيني، بمنع هذا الاحتفال في قطاع 'غزة' المحتل من العدو الصهيوني خارجاً، والمختطف من سلطة الأمر الواقع في حركة 'حماس' ثانياً، هو قرار بالانقلاب على التاريخ الوطني الفلسطيني المعاصر، وقرار بالذهاب إلى مرحلة الانتحار، وفي الطريق انقلاب على القيم الفلسطينية، ولا يمكن ترجمته أبسط من هذا خاصة وإن اقترن بممارسات غير أخلاقية ولا منضبطة، مارستها أذرع هذه الحركة الانفصالية الانعزالية، آخرها اغتيال شعر رأس وشارب واحد من أنقى الرجال الوطنيين في فلسطين، ومن أكثرهم حرصاً على المعاني الكلاسيكية التي طالما رسختها حركة ' فتح' ونادت بها، في تكريس الوحدة الوطنية الفلسطينية، هو السيد إبراهيم أبو النجا. أفعال لا تخرج عن دائرة الصغائر، هذه الصغائر التي لا يمكن أن تخرج إلا عن همم ونفوس صغيرة بدورها، ذات آفاق محدودة وكئيبة وملتبسة، فإن أضيف لذلك كتابات خرجت لتطحن في بيدر العدو الصهيوني، بالتطاول على حركة ' فتح' ماضياً بالذات، من قبل بعض نساخي حركة 'حماس' يمكن التيقن أن هذا القرار الطفولي لم يكن وليد ردود فعل، ولا هو كما تمت محاولة تسويقه 'حرصاً على عدم وقوع إشكالات'، الأمر يذهب أبعد من ذلك. ظني أن حركة ' حماس' هي في وارد الصراع ليس مع الحاضر فقط، بل هي تفتح صراعاً بأثر رجعي مع الماضي، إنها تريد محاكمة الماضي الوطني الفلسطيني الذي دشنته انطلاقة ' فتح'، فهي تذهب إلى تلك المرحلة لكي تكيل لها من خزعبلات النفث في العقد طويلاً، ومثل هذا لا يفهم إلا على أنه محاولة ليس فقط لممارسة التشويه المتعمد والمبرمج، على التاريخ الوطني الفلسطيني، بل على الوعي الجمعي الفلسطيني نفسه، إن إسقاط هذه الوعي أصبح بالتأكيد مهمة حمساوية في أعلى الأولويات، ترى هل حركة 'حماس' جاهزة بعد هذا لتقديم برنامج وعي جديد تنسب فيه بداية العمل الوطني الفلسطيني لنفسها؟ الردود الرعناء الأولى التي ردت بها ' حماس' وزهارها، على دعوة الرئيس محمود عباس هي واحدة من الدلائل على مستوى الاستهانة الذي وصل بهذا النفر أن يكون عليه، إنها تساوي محاولة الاتجار بقضية حجاج غزة المحتلة ومعاناتهم على المعابر، ولاحقا محاولة سرقة ثمرة دخولهم أرض فلسطين بقرار مصري وطني وقومي من الطراز الأول ، أخذ بتمنيات القيادة الفلسطينية عليه أن يأخذه ، هذا المستوى الأرعن في التعامل والاستجابة للمتاح والممكن هو ليس فقط تجاه مسألة إعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية، بل حتى بما هو أخطر وأبعد ، إنه يشير إلى العقلية والمنهجية والمسلكية التي تقود واقع غزة هذه الأيام ، وهو بهذا سيكون ماراً بالقطع في الدم الفلسطيني نفسه، والمستقبل الفلسطيني القادم! إنه مجال لطرح الأسئلة المكلفة ولكنها الأخطر. ماذا تريد حماس بالضبط ؟ حتى السيد محمود عباس نفسه ،لا يملك وهو في أعلى هرم القيادة الفلسطينية أن يقبل حوار حماس من نقطة الأمر الواقع، لا ' فتح' تقبل ولا أي فلسطيني عاقل يجب أن يقبل هذا، إن ضرورة إلغاء الأمر الواقع والعودة عنه في مسألة انقلاب ' حماس' ، تساوي بالضبط مسألة إلغاء العدو الصهيوني الأمر الواقع المتمثل في الاستيطان، والعودة عنه تمهيداً للحوار والمفاوضات ، لأن واحدتها سيربطها هذا المفاوض بالأخرى، فلو أذعنت القيادة الفلسطينية في مسألة الأمر الواقع الحمساوي، فعليها أن تعلم بأنها تحضر نفسها لتجبر على ضغط الإذعان للأمر الواقع الاستيطاني! نحن نعلم علم اليقين أن هذا المفوض استفاد من وضع الانقلاب، على الأقل في الجولات التي سبقت ولو أنها كانت تمهيدية، وسبق وأن توقعنا هذه الاستفادة في حينه وحذرنا منها، ونعلم أن الولايات المتحدة والغرب والعدو الصهيوني على قناعة أيضا، بأن قوانين الصراع لا تتجه إلى تحكم أكبر بيد هؤلاء لعدة اسباب، أهمها واقع الديموغرافيا الفلسطيني، وواقع الاقتصاد المنعكس عنه، ومن هنا جاء هذا السخاء الغريب في مؤتمر باريس، المهمة أيها السادة باختصار، الوصول للدولة الفلسطينية خلال عام 2008 بوضع مريح لحكومة 'إسرائيل'، أو مواجهة الحقيقة الصاعقة القادمة : دولة ثنائية القومية مع أدوات وقوانين صراع جديدة، إنها الفرصة الأخيرة التي لا يمكن تضييعها، إنهم يحتاجونها أكثر بكثير من حاجة الشعب الفلسطيني لها، مع أنها ستكون معركة شرسة وصعبة، لكننا نثق في انتصار المفاوض الفلسطيني أخيراً، خاصة إن تراجعت ' حماس' عن غيها، لأن هذه هي الثغرة الوحيدة الأخطر أمام استحقاق دولي أصبح بالقطع مطلباً دوليا اسمه الدولة الفلسطينية المستقلة، عندها سيكون احتفال يناير القادم هو احتفال الاستقال الذي صنعه هذا الشعب المناضل. - مفتاح 5/1/2007 - http://www.miftah.org |