خطوة في طريق إنقاذ الوعي والأمل
بقلم: د. هاني الرويشي
2008/2/25

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=8789

لم يتفاجأ المراقب للمشهد الفلسطيني بما أُثير حول موافقة رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية والتنسيق معه بخصوص دمج الدائرة السياسية للمنظمة – أو إلحاقها – بوزارة الشئون الخارجية للسلطة الفلسطينية. وبغض النظر ما إذا كانت تلك الموافقة والتنسيق صحيحاً أم هو من صنع إعلام السلطة الفلسطينية فإن النتيجة واحدة ، ألا وهي استمرار السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في ابتلاع منظمة التحرير ومؤسساتها شيئاً فشيئاً. لقد فقدت مؤسسات منظمة التحرير وجودها ودورها لصالح السلطة الفلسطينية التي أصبحت اليوم تهيمن على جميع مفاصل المنظمة بما في ذلك رئاسة المنظمة ولجنتها التنفيذية. كما أصبحت مؤسسات منظمة التحرير - التي لا زالت قائمة – تنتظر اعتماداتها المالية وميزانياتها ومصاريفها الجارية من السلطة الفلسطينية التي استحوذت على الدعم العربي الرسمي والدعم العالمي عامة ، مما جعل مؤسسات المنظمة تتبع وتخضع للسلطة الفلسطينية المحدودة بشكل مباشر أو غير مباشر.

لقد أفرزت التجارب السياسية في العالم – وعبر قرون من الصراعات والطغيان والاختلافات والنجاحات والفشل – نظماً للحكم أثبتت نجاعتها في العقود الماضية وإلى وقتنا الحاضر. ومن أهم تلك الاستنتاجات ما أصبح متداولاً تحت مسمى الفصل بين السلطات ، الذي هو الآن مبدأً دستورياً هاماً من مبادئ الحكم الصالح الذي ينادي به المنشغلون بإصلاح الوضع العام ، وهو أيضاً ما تم التأكيد عليه في جميع النظم السياسية الحديثة في العالم ، بما في ذلك القانون الأساسي الفلسطيني. إلا أن الانفصام بين النظرية والتطبيق كان وما زال من أهم ملامح النظم الفاشلة في العالم الثالث الذي تغلب عليه الديكتاتورية والمركزية واحتكار المؤسسات. وللأسف الشديد فقد عانى النظام السياسي الفلسطيني ما عانته الأنظمة الفاشلة - في محيطه الإقليمي ومحيط علاقاته الخارجية – من عدم الوضوح وتغليب مصالح الطبقة الحاكمة ومحاربة أي دور فاعل ومؤثر ومركزي للمؤسسات.

ومن أهم أوجه التشابك بين السلطات في المؤسسات الفلسطينية ما نراه في أحادية رئاسة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من قبَل شخص واحد. ولا أعتقد أنه يمكن للعقل السليم أن يتخيل كيف يمكن لرئيس منظمة التحرير المسئول عن جميع المؤسسات بما في ذلك محاسبة رئيس السلطة الفلسطينية التي أنشئت بقرار سيادي من المنظمة أن يشغل المنصبين في نفس الوقت ، إذ كيف سيحاسب نفسه!!. هذا بالإضافة إلى ما يلحق بالقضية من ضرر وضعف عندما يتم احتكار المنصبين من قبل شخص واحد وما يمنحه ذلك من قوة تفاوضية تزيد من حجم الضغوط عليه ، بدلاً من مساعدته. فما بالنا إذا كنا نعيش ضمن منظومة شمولية لا تحكمها مؤسسات ديمقراطية ، وما بالنا إذا كان رئيس السلطة مستفيداً من موقعه ومكانته في غياب دور فاعل وواضح لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها!!. من الواضح أن الشعب الفلسطيني في هذه الحالة قد فقد الديناميكية والقدرة على الانسجام كون أرفع مؤسساته فقدت الشفافية وقدرتها على المحاسبة ، وهذه أولى دوافع ومؤشرات الفساد والفشل. ومن المنطق أن نتصور أن رئيس السلطة الفلسطينية يقوم بتقديم التقارير إلى رئيس منظمة التحرير لعرضها على المؤسسات المعنية لمناقشتها وإقرارها أو تقديم اقتراحات ، وإذا لم يقم رئيس السلطة بهذا الدور فمن واجب رئيس المنظمة تنبيهه إلى ذلك كون المنظمة هي المسئولة المباشرة عن السلطة الفلسطينية وهي صاحبة الاتفاقات مع إسرائيل. وما يزيد الطين بلة أن رئيس السلطة – بالإضافة إلى رئاسته للمنظمة – يرأس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي لم يتم انتخابها منذ عقود ويقوم الرئيس بإضافة أعضاء جدد ، كما يشاء كما يتلقى أعضاؤها رواتبهم من السلطة الفلسطينية، مما يشل قدرة تلك اللجنة على المحاسبة والقيام بدورها في متابعة أعمال السلطة الفلسطينية. فهل من الإنصاف الإقرار بشفافية العملية الإدارية والمواقف السياسية لتلك اللجنة ، وأنها لا تستخدم كغطاء للشخص الأقوى ورؤيته.

لقد كان واضحاً في أحيان كثيرة – بما يتعلق بالعملية السياسية وإدارة الوضع الداخلي – أن السلطة الفلسطينية قد زجت باللجنة التنفيذية والمجلس المركزي واستخدمتهما في الصراعات الداخلية بدلاً من أن تلعب تلك المؤسسات دورها كحكم وموجه. وللأسف سأجد من يشكك في هذا الطرح كما هي العادة ، لذلك أجد من الضروري التذكير بحوادث ومعالم واضحة تدلل على تلاعب السلطة الفلسطينية بمؤسسات منظمة التحرير بما يخدم مصالحها. فمن المعلوم أن الدائرة السياسية لمنظمة التحرير تمثل الشئون الخارجية لدولة فلسطين ، وكانت الدعوات توجه اليها لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب وما شابهها. إلا أننا لاحظنا أن الخلافات الشخصية بين الرئاسة الفلسطينية ورئيس الدائرة السياسية دفعت الأول إلى تكليف وزراء خارجية السلطة الفلسطينية لتمثيل فلسطين. وعند فوز حماس في الانتخابات عاد الرئيس ليشرح للعالم أن رئيس الدائرة السياسية للمنظمة هو وزير خارجية فلسطين وبذلك تم استبعاد الزهار من أكثر من اجتماع وزاري. أما اليوم فقد عاد الرئيس ليكلف وزير خارجية السلطة لتمثيل فلسطين وهلم جر. وهنا لا بد أن نتساءل عن كيفية تفسير تلك الأحداث وهل يوجد لها أي تأويل سوى استخدام مؤسسات المنظمة والتلاعب بها خدمة لرؤى ومصالح السلطة الفلسطينية ورئيسها على وجه الخصوص؟ وفي نفس السياق أصبح عادياً أن يشارك وزراء السلطة الفلسطينية في الاجتماعات الدولية نيابة عن فلسطين ، فهل يعني ذلك اندثار مؤسسات المنظمة وانحسار تمثيلها؟ وماذا لو تفككت السلطة الفلسطينية – وهذا محتمل ضمن السياقات الموضوعية وتعنت إسرائيل – فهل يعني ذلك تفكك المشروع الوطني الفلسطيني والبدء من الصفر مرة أخرى؟ لذلك من الأهمية بمكان في ظل القناعة بضرورة إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أن يتم الفصل بين رئاسة السلطة والمنظمة وبين مؤسساتهما أيضاً ، بما يتماشى مع منهجية الفصل بين السلطات بمقتضى النظم الإدارية السليمة ، وكذلك وضع اللوائح والقوانين التي تضمن الانسجام والتكامل بين المؤسسات المختلفة عوضاً عن الصراع.

إن اجتماع المجلس الوطني يجب أن يكون فرصة هامة للنظر بجدية في المشاكل التي يواجهها المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات. ففي الداخل مئات آلاف العاطلين عن العمل وجيوش الموظفين – الذين تم تعيينهم وترقيتهم لدوافع حزبية خالصة - مما يشكل عائقاً هاماً أمام أية مشاريع تنموية في المستقبل. وكذلك دراسة المشاكل الناجمة عن الحصار والتضييق وانعكاساتها على التعليم والصحة وكافة مناحي الحياة الأخرى.

كما أن على المجلس الوطني أن يدرس بجدية أوضاع اللاجئين والمشاكل التي تواجههم ومستقبلهم في ظل الأوضاع السياسية السائدة والمتوقعة في المستقبل. ومن الأهمية بمكان إعادة دراسة وتقييم السياسات التي تحكم وجود هؤلاء المشردين والمشاريع والسياسات الواجب اتخاذها لتحسين أوضاعهم ودعم صمودهم ، إذ لا يُعقل أن يستمر اللاجئون في العيش في ظروف تحد من إبداعاتهم ونهضتهم ، خاصة وأن حل قضيتهم – للأسف – لا يبدو قريباً على الإطلاق.

وليس واضحاً بعد إذا ما كان المجلس الوطني سيكتفي بإصدار بيان استنكار لقيام إسرائيل بتكثيف الحفريات تحت المسجد الأقصى والبلدة القديمة ، إضافة إلى توسيع الاستيطان وتسريع وتيرته وبالذات في القدس الشرقية ، واستمرار خنق أهلها عبر الإجراءات الظالمة التي تمارسها إسرائيل كمنع التراخيص وهدم البيوت وسحب الهويات وفرض الضرائب ، وما إلى ذلك من تغيير الواقع الديمغرافي والعمراني للمدينة المقدسة.

كما نتمنى أن يشكل اجتماع المجلس الوطني فرصة لإعادة تقييم الوضع السياسي على الأرض في قطاع غزة وذلك بعد إجبار المقاومة لإسرائيل على الإنسحاب وتفكيك المستوطنات فيه منذ سبتمبر 2005. فقطاع غزة اليوم خال من المستوطنات وليس فيه جندياً ولا موقعاً عسكرياً إسرائيلياً واحداً. كما أن حدوده المشتركة مع مصر كاملة التحرير وحدوده البحرية طويلة ومفتوحة. فهل من الحكمة أن نستمر في الادعاء إن قطاع غزة لا زال محتلاً؟ وهل من الحكمة أن يُترك القطاع لقدره تتنازعه الاختلافات وعلى أرضه عشرات الأذرع المسلحة وعشرات آلاف قطع السلاح ، وما لذلك من انعكاسات على مناحي الحياة وانتظاراً للتحرير الشامل الذي لا يبدو أنه في متناول اليد في الأفق القريب؟ هل من الممكن النظر في أوضاع القطاع الجديدة ومكان ذلك من المشروع الوطني أم ان سيطرة حماس عليه ستؤجل النظر في ذلك لعشر سنين أخرى؟ لقد كتبت سابقاً أنني لا أفهم أن يكون قطاع غزة الذي تبلغ مساحته حوالي 360 كم2 وله حدود بحرية وبرية مشتركة مع أكبر دولة عربية وليس فيه جندياً إسرائيلياً واحداً قطاعاً محتلاً أو غير صالح لإقامة نواة الدولة الفلسطينية بكل مؤسساتها على أرضها كاملة السيادة. أما القول بأن إسرائيل تحاصر القطاع بحراً وجواً فبالرغم من صحته إلا أن دولاً متجبرة عديدة تفعل ذلك بدول أخرى والعراق وليبيا وكوبا وغيرهم خير مثال ، ومع ذلك لم يدع أحد أن العراق (1991-2003) أو أن ليبيا محتلة. وإذا كان هذا الأمر متاحاً الآن فإنني أخشى أن تنطوي التطورات في السنوات القادمة على مستجدات قد تجعل من ذلك أمراً مستحيلاً ، حتى ينطبق علينا قول القائل: إن الشعب الفلسطيني هو الشعب الأول في ضعف القراءة وإضاعة الفرص. ولا بد من التذكير هنا أن الاستقلال ليس إعلاناً تجارياً أو كلمة تقال ، بل هو ضرورة وطنية وحق من حقوقنا يجب انتزاعه لأن خصمنا لن يمنحنا ذلك. أما من يحكم غزة فتح أم حماس فهذا لا يهم على المستوى الوطني ، حيث ان ما يهم هو ممارسة شعبنا لحقه في الحرية وتقرير المصير على أي جزء من أرضه المحررة وامتلاك هويه وطنية وجواز سفر حقيقي ، وهذا ما سيضعه على الخارطة الجغرافية والسياسية الحقيقية وبدرجة مكافئة لكل شعوب الأرض. ومع ذلك فهذا لا يغني عن ضرورة التوصل إلى توافق وإجماع وطني على قاعدة الثوابت الوطنية والتمهيد لانتخابات حرة ونزيهة.

لقد تطرقت في مقالين سابقين حول اجتماع المجلس الوطني القادم وأجندته قبل وأثناء الاجتماع ، آملاً أن تكون تلك المشاركات إيجابية فيما تم طرحه من موضوعات ورؤى تشكل في مجملها إطاراً عاماً ومرجعية للتعامل مع أهم القضايا والتحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا في هذه المرحلة على كافة الأصعدة.

http://www.miftah.org