|
الانهيار! قراءة في تقرير لجنة التحقيق (الحلقة الثانية)
الموقع الأصلي:
تحت بند (المسؤولية في النطاق السياسي ) تحدث التقرير عن: انعدام الرؤية السياسية وسوء التقدير، وغياب الاستراتيجيا الناجعة لحماية الشرعية والمشروع الوطني، وانعدام رؤية خاصة بالتعامل مع الحركات الدينية ومليشياتها ومؤسستها الامنية المحددة العقيدة والهدف. التشخيص هنا يتوقف عند العنصر الأهم وهو الاستراتيجية التي يعتمدها أصحاب المشروع الوطني، فعندما تفتقد اي قوى سياسية لاستراتيجية واضحة ومحددة الاهداف وناظمة للنضال، وقادرة على استقطاب قطاعات واسعة من الشعب، عندما يفتقد التنظيم او الجبهة الوطنية لتلاحم سياسي (استراتيجيا) يوحد ويدمج مصالح الناس او السواد الاكبر من المنكوبين بالاحتلال، فمن المنطقي حدوث تفكك في البنية التنظيمية وفي علاقة التنظيم مع القاعدة الجماهيرية العريضة. انعدام الرؤية السياسية او الاستراتيجيا لا تقتصر في مجال الصراع مع "حماس"، بل تشمل الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي وموقع الشعب الفلسطيني في المعادلات الدولية والاقليمية. لقد فقدت "فتح" والمنظمة الرؤية السياسة ولم تبادر الى وضع استراتيجية منذ ان اغلقت ابواب الحل السياسي بعد "اوسلو". كان فشل الحل السياسي وانقلاب المجتمع الاسرائيلي على "اوسلو" بعد مقتل رابين يستدعي وضع استراتيجية جديدة والبحث في تعديل بنية السلطة والمنظمة، بدون طبعا قلب الطاولة والمقامرة بالانجازات الوطنية بعد ان أصبحت المنظمة داخل قبضة أمنية اسرائيلية. كان من شأن الاستجابة للمتغيرات الجديدة تعزيز العلاقة مع المواطنين والسعي لاشراكهم في الدفاع عن مصالحهم وأرضهم وحريتهم. لم يحدث مثل هذا التغيير، بقي شعار السلام خياراً استراتيجياً في الوقت الذي يتضاعف فيه الاستيطان ونهب الاراضي وتقويض مقومات الاستقلال والدولة المستقلة. ان فشل الحل السياسي والاخذ بنقيضه "الاستيطان" المترافق مع تضييق سبل العيش وتدهور اقتصادي وتقييد حرية الحركة، هو نقيض برنامج المنظمة والسلطة الذي فازت في الانتخابات على اساسه. لم تتوقف القيادة السياسية عند هذا التناقض الحاد بين البرنامج وما يجري في الواقع، بقي البرنامج والاستراتيجية على حالهما، وبقي النموذج البيروقراطي يمارس اشكالاً من الفساد في مؤسسات وأجهزة السلطة، لينجم عن ذلك أزمة ثقة بين السلطة والشعب. وشيئا فشيئا بدأ يحدث نوع من الانفضاض والانفصال الشعبي عن حركته الوطنية التاريخية. مقابل ذلك ادى انسداد الحل ونموذج السلطة البيروقراطي الفاسد الى استقطاب شعبي لمصلحة المعارضة الاسلامية التي تتصدرها "حماس". وكان لشعار مقاومة الاحتلال، وشعار رفض الفساد دور ملموس في خلق استقطاب من نوع جديد. الانتفاضة الثانية التي فجرتها وحرضت عليها السلطة لتحسين شروطها، سرعان ما تحولت الى انتفاضة مسلحة رجّحت كفة "حماس". وفي غياب استراتيجية وطنية وعلى وقع الضربات الاسرائيلية بدأت السلطة بالتفكك والضعف وصعدت "حماس" لتحتل تدريجياً موقع الصدارة. غياب الرؤية السياسية دفع "فتح" للتنافس مع "حماس" على شعاراتها ومواقفها وأساليبها في المقاومة بما في ذلك العمليات ضد المدنيين في العمق الاسرائيلي، لتكون المنافسة ربحاً صافياً لمصلحة "حماس". الافتقاد لاستراتيجيا وطنية جعل السلطة والمنظمة أسيرة الاستراتيجيات الاخرى، وفي مقدمتها الاستراتيجية الاميركية الاسرائيلية التي تتحدث عن حل سياسي بمفهومها واستناداً لميزان القوى المختل بشكل ساحق لمصلحة اسرائيل. وصار جلياً ان الحل الذي تطرحه اسرائيل بدعم اميركي على طاولة المفاوضات مع السلطة هو الحل الذي تسعى اسرائيل لفرضه من طرف واحد، هو حل الفصل العنصري "أبارتهايد جديد". كما جعل قاعدة "فتح" والمنظمة عرضة لاستقطاب استراتيجية الاسلام السياسي. وإذا كان الاستقطاب الجماهيري في استراتيجية الحل الاميركي متعذراً لافتقاده اية مصداقية، فان نصيب السلطة من الاستقطاب الجماهيري يبقى محدوداً ومقتصراً على نخب ضعيفة ومعزولة. أما استقطاب الجماهير ضد اسرائيل وأميركا الذي تطرحه "حماس" فهو سهل المنال وسريع الانحياز، هذا ما تقوله استطلاعات الرأي للشعوب العربية التي ترفض بأغلبيتها الساحقة السياسة الاميركية المنحازة بشكل سافر لاسرائيل. هل تشكل الموافقة على خارطة الطريق ورؤية بوش استراتيجية فلسطينية؟ لا بالتأكيد وبكل المقاييس، ولكن طالما لم يتم طرح استراتيجية وطنية، فان الاستقطاب في اوساط الشعب الفلسطيني سيكون لمصلحة استراتيجية الاسلام السياسي (حماس) الاستراتيجية الوحيدة المطروحة ضد الاستراتيجية الاميركية. السؤال كيف يمكن لتنظيم "فتح" ان يتماسك في غياب استراتيجية ورؤية سياسية وطنية تشكل ناظماً لنضاله؟ الافتقاد لاستراتيجية وطنية عامة هو جذر المشكلة الذي ولد الافتقاد لاستراتيجية ورؤية حول مشروع الاسلام السياسي. من المنطقي ان يترتب على غياب السياسة غياب القيادة وغياب الارادة القادرة على المبادرة والفعل وتحمل المسؤولية، وحدوث انهيار معنوي والتعامل بدونية وإذعان بل وفقدان المناعة الوطنية. القيادة هي التي تضع السياسة والبرامج وتصنع التماسك. أين القيادة ولماذا تصرفت على هذا النحو الانهزامي؟ لماذا توقفت عن انتاج السياسة الوطنية؟ لماذا انفصلت عن القاعدة التنظيمية والجماهيرية ؟ تجربة غزة كما يرويها تقرير لجنة التحقيق تجيب على كل هذه التساؤلات من خلال نماذج قيادية في مقدمتها مستشار الامن القومي محمد دحلان. يسجل التقرير عليه ما يلي: تسلم موازنة من الصندوق القومي واستنتج التقرير ان بعض الاحتياجات لم تكن عبر القنوات الصحية، ولم توضع بالمواقع الصحيحة والاشخاص المناسبين، ما يستوجب المساءلة كما يطالب التقرير. ويضيف: تأخرت عملية البدء بإعادة هيكلة وتأهيل المؤسسة العسكرية التي كان مقرراً ان تجري من خلال المستشار. اعطى المستشار صلاحيات واسعة للاخ توفيق ابو خوصة على كافة الاجهزة الامنية، تتعارض مع انه ليس رجلاً عسكرياً وتتعارض مع قوانين المؤسسة الامنية ولا تتفق مع مهمة مستشار الامن القومي ذات الطابع الاستراتيجي. ويضيف إن دحلان أحدث تغييرات هيكلية تم استحداثها على مستوى الامن الوطني كان لها اثر سلبي على أداء الامن. بعد شهر ونصف من تكليفه الرسمي غادر في رحلة علاج وبقي محتفظاً بصلاحياته، ما أثار تذمر القيادات التنظيمية والعسكرية. ان العودة للخطاب الذي كان يقدمه دحلان قبل الانقلاب كان الاكثر تشدداً والأكثر ثقة بقدرة السلطة و"فتح" على الصمود ورد الصاع صاعين. السؤال هل يتحمل دحلان مسؤولية عن الانهيار بمثل ما يتحمل آخرون. الجواب: نعم بحكم مسؤوليته وموقعه في الهرم الامني وباعتباره قائداً سابقاً لأكبر جهاز أمني انهار بسرعة فاقت كل التقديرات. وبحكم الاخطاء التي عرضها التقرير. المفاجئ هو تصرفه وكأن شيئاً لم يكن، وعودته كما كان في السابق قائداً سياسياً. لقد اكتفى بتقديم استقالته كمستشار، واكتفت اللجنة والقيادة بهذا الإجراء الذي لا يتناسب مع المخالفات المطروحة في التقرير
http://www.miftah.org |