|
من يفتش على عمل السلطة الفلسطينية ؟!
الموقع الأصلي:
يتعاظم في العصر الحديث وفي كل الدول والأنظمة السياسية دور السلطة التنفيذية. وبالمقابل يتراجع دور السلطتين التشريعية والقضائية في الدولة الحديثة. بل إنه مع وجود الحزب الحاكم في السلطة التنفيذية ممثلا بوزرائه وبنوابه في السلطة التشريعية، فقد غدا مبدأ الفصل بين السلطات أحيانا وهما أو محض خيال. وأصبحت السلطتان في يد واحدة. وهذا الأمر ليس بعيدا عن سلطتنا الفلسطينية العتيدة الوليدة، والعكس هو الصحيح. فقد شهدنا ذلك في الماضي القريب, حيث كان المجلس التشريعي من لون واحد وهو ذات اللون الحاكم في إطار السلطة التنفيذية. ونشهده هذه الأيام حينما اعتزل جزء من المنتخبين لعضوية المجلس التشريعي الحياة الديموقراطية وتم فرض جمود مطلق على المجلس التشريعي وجلساته وسن تشريعاته وإجراءات محاسبته وطرق رقابته, وغدت السلطة التنفيذية المتاح لها حرية العمل الجماهيري تسن القوانين المؤقتة وتنفذ سياساتها دونما رقيب أو حسيب. ومن يستطيع الحديث مع السلطة التنفيذية أو ينتقدها وهي التي تملك المال والموظفين وأجهزة الأمن!! وفي ظل عدم وجود تشكيل فعلي خاص بالمحكمة الدستورية الفلسطينية، رغم صدور قانونها منذ ثلاث سنوات لتراقب صحة مراسيم الرئاسة الخاصة بالقوانين المؤقتة من عدمها أثناء غياب المجلس التشريعي, يبرز ضوء خافت ولكنه هام في نهاية النفق لديوان الرقابة المالية والإدارية. وذلك عبر تقريره المالي والإداري لعام 2006 والذي للأسف مر مرورا صامتا, ولم يخلق صدى كافيا في وسائل الإعلام ولا في الأجهزة الرسمية ولا في الرأي العام. ويبدو أن الأجهزة الرسمية أجهزت عليه ولم تذكره ببنت شفة. دعونا نقرر أن القانون الأول لهيئة الرقابة العامة كان قد صدر قبل إنشاء المجلس التشريعي الأول عبر مرسوم رئاسي حمل الرقم 17 لسنة 1995. وبعد ذلك قننه القانون الأساس الفلسطيني في المادة 96 حيث قرر إنشاء ديوان للرقابة المالية والإدارية على أجهزة السلطة كافة. وقد شملت رقابته المالية والإدارية بما في ذلك تحصيل الإيرادات العامة والإنفاق منها في حدود الموازنة, الرئاسة والحكومة والوزارات والنقابات والمؤسسات العامة والهيئات والجمعيات والإتحادات بجميع أنواعها ومستوياتها. وشمل ذلك البلديات والمجالس القروية وحتى المؤسسات الخاصة والشركات التي تساهم فيها السلطة أو تتلقى المساعدة منها أو من المؤسسات التي رخص لها باستغلال أو إدارة مرفق من المرافق العامة للسلطة. أضف أن القضاء والنيابة العامة وأعضاؤها يخضعون لرقابته. وما لبث أن أعيد إصدار قانون جديد لديوان الرقابة المالية والإدارية حمل الرقم 15 لسنة 2004. وما ديوان الرقابة المالية والإدارية إلا شكل من أشكال الرقابة على السلطات الثلاث في السلطة الفلسطينية والمؤسسات التي تحمل الطابع العام وتهدف للصالح العام. ويتخذ تسميات مختلفة في الدول فهو المراقب العام تارة وهو الأمين العام تارة أخرى. وبغض النظر عن التسمية والتي هي موضوع شكلي, فقد اتخذ هذا الموضوع جدلا حادا حينما تم إقراره في المجلس التشريعي وبخاصة قضية تعيينه ومرجعيته وصلاحياته ومدى تنفيذ ما ورد في تقريره تماما كما هو الحال في الدول الأخرى نظرا لخطورة الموضوع والصلاحيات والآثار. وتم حل الموضوع عندنا بشكل عشائري حينما تم الإتفاق على أن يقرر القانون الأساس أن يتم تعيين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية بقرار من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وبمصادقة المجلس التشريعي, أي أن لا تحتكر تعيينه جهة واحدة حتى لا يكون تابعا لها ويفقد استقلاليته. أما تقريره فقد تقرر أن يخلو من أي طابع إلزامي, وذلك حينما قررت الفقرة الثانية من المادة 96 وبشكل ضعيف وركيك أن يقدم ديوان الرقابة المالية والإدارية لكل من رئيس السلطة الوطنية والمجلس التشريعي تقريرا سنويا أو عند الطلب عن أعماله وملاحظاته وخلا النص من أي إلزام أو الجهات التي يجب أن تعلم بمضمون التقرير. لقد مارس الديوان ورئيسه دوره الهش والهام في ظل ظروف صعبة وبالغة التعقيد والحساسية, ونحن أحوج ما نكون إليه في ظل غياب الرقابة التشريعية وبشكل يسجل له. بل قام الديوان بعمل متميز في ظل الإنقسام الحالي بين الضفة والقطاع, وفي ظل نقص لوجستي لعدد الموظفين لديه , وفي ظل أزمة مالية طاحنة عصفت بكيانه, بل في إطار رفض بعض الجهات المتخيلة أنها فوق القانون لإستقبال مندوبيه, أو استيلاء البعض على مقر ديوانه في قطاع غزة, أو رفض البعض تزويده بالبيانات المطلوبة أو الوثائق الموجودة. فضلا أن الكثيرين لم يردوا على أسئلته واستفساراته, مع ملاحظة أن الرافضين هي أجهزة رسمية أو شبه رسمية. ورغم كل ذلك خلص التقرير إلى نتائج بالغة الخطورة ودلالاتها أخطر على القطاع الإداري والمالي الفلسطيني وأن علاجا ناجعا يجب أن يبادر إليه. المشكلة أن ذلك الخطر عام وشامل لمعظم أجهزة السلطة الفلسطينية حيث حصل أكثر من نصف المؤسسات الفلسطينية 52% على درجة ثقة ضعيف في نظام الرقابة الداخلي, في حين أن 6% قد حازت على درجة ممتاز, و 11% حازت على درجة جيد, و 31% حازت على درجة متوسط. أي أن 94% من هذه الأجهزة لديها ممارسات خاطئة متفاوتة, فالسوس قد نخر عظمها أو يكاد. المؤلم أن هذه الأجهزة الرسمية تشترك في معظم المخالفات المالية والإدارية في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية, كما يقول التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية والإدارية لعام 2006 و تنحصر في أن معظم التعيينات والترقيات تمت خلافا لأحكام القانون؛ وفي عدم إقرار الموازنة لعام 2006؛ وعدم إعداد ونشر الحسابات الختامية للسلطة الوطنية الفلسطينية؛ وعدم تنفيذ عمليات الشراء وفق الأصول لمعظم المؤسسات؛ وضعف الإلتزام بالحصول على فواتير ضريبية وشهادة خصم مصدر؛ وعدم تزويد ديوان الرقابة المالية والإدارية بتقرير حول الحسابات الموحدة التمهيدية للمعاملات العامة؛ ضعف الإلتزام بنظام العطاءات و الإتفاقيات مع الموردين؛ استخدام المركبات الحكومية بطريقة مخالفة للقانون؛ المبالغة في نفقات الهاتف؛ ضعف التزام أغلب الوزارات بتزويد وزارة المالية بتقارير الإنفاق الشهرية والمواقف المالية. معلوم أن ديوان الرقابة المالية والإدارية لا يستطيع في ظل إمكانياته الحالية أن يمد رقابته إلى أنشطة كثيرة ومؤسسات كثيرة إلا في نطاق ضيق. لذلك فإن كثيرا من المخالفات لم يتم اكتشافها أو سجلها الديوان على استحياء مثل عدم دفع الضرائب, ودفع مصاريف شخصية لا تخص العمل الوظيفي، ووجود أموال وهمية أو عدم تحصيل أموال عامة, أو مخالفة قانون الخدمة المدنية في تكافؤ الفرص, أو تجاوز الموازنة, أو ضعف التقيد بالعمل وساعاته, أو عدم تطبيق نظام الأبنبة والإنشاءات, أو ضعف في إدارة الأموال غير المنقولة للبلديات, أو عدم إجراء الإنتخابات الدورية في الموعد المحدد لمجالس الإدارة, أو عدم الإلتزام بالأصول المحاسبية في عمليات الصرف, أو خلل في تطبيق النظام المالي وضعف في الإلتزام به. هل يعقل أن تشمل هذه المخالفات الجوهرية السلطات الثلاث مجتمعة دون استثناء كما ذكر تقرير الديوان؟ وإذا كان الأمر ممكنا في قطاع السلطة التنفيذية التي تعودت خرق القانون في جميع أنحاء العالم, فكيف يمكن أن يكون ذلك الأمر حقيقيا في السلطة التشريعية وهي التي أنيط بها سن التشريعات ومحاسبة الحكومة, والسلطة القضائية التي تكفلت بحل المنازعات؟ يحار المرء في كل التصريحات السياسية التي أصمت آذاننا وأعمت عيوننا عن مبادىء الشفافية والإنتماء والعدالة والنزاهة والمحاسبة والأمانة والمصداقية وضمان سلامة العمل وخدمة المواطن!!لا يجب أن تشكر أية جهة رسمية مهما علت على موافقتها على استقبال مندوبي ديوان الرقابة الماية والإدارية فهذا واجبها الأولي بموجب القانون, بل عليها أن تعدل عملها بما يتفق مع استنتاجاته وتوصياته وملاحظاته فالإنسان أو الهيئة لا يمكن أن يكون خصما وحكما في آن واحد. فالقانون هو الحكم وهو الذي يحتوي قواعد عامة مجردة ويجب أن لا نختلق العلل والأعذار والأسباب لتبرير عدم الإمتثال له, ورسالة الديوان كشف أوجه الإنحراف المالي والإداري بما فيها حالات استغلال الوظيفة العامة فحسب الحكيم كلمة واحدة فصديقك الحق هو الصديق الذي يقف إلى جانبك في الشدائد أو يسعفك عند الحاجة ومن ثمارهم تعرفونهم.
http://www.miftah.org |