ظاهرة ثقافية / ثقافة واحدة أم ثقافات: عقل واحد أم عقول؟!
بقلم: د. فيحاء عبد الهادي
2008/5/5

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9261

في مدينة رام الله، في مقر المركز الثقافي الألماني الفرنسي، وبتاريخ 16 نيسان 2008؛ التقت مجموعة من ممثلي بعض المؤسسات الثقافية في فلسطين، مع وفد من البرلمان الألماني/ شؤون الثقافة والإعلام، من خمس كتل برلمانية مختلفة (الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والحزب اليساري، وحزب الخضر، والحزب الليبرالي)؛ من أجل نقاش أسئلة "الثقافة والمجتمع"، في فلسطين.

نوقشت العديد من القضايا: مفهومنا للثقافة؟ دور المؤسسات الثقافية الفلسطينية؟ تأثير الاحتلال الإسرائيلي على البنية الثقافية؟ العلاقة مع الثقافة الإسرائيلية؟ هل هي علاقة تعاون أم تطبيع أم تعرُّف؟ هدفنا من تنظيم الفعاليات الثقافية؟ لكن النقاش لم يمتدَّ؛ ليجيب على بقية الأسئلة التي أثارها الوفد الضيف؛ الأمر الذي يدعوني إلى استكمال النقاش، مع المهتمات والمهتمين من شعبنا، من خلال هذه الزاوية.

كيف نعرِّف الثقافة الفلسطينية؟ وهل هي ثقافة ممتزجة بالسياسة؟ وماذا تعني لنا العروض الثقافية؟

ما دور المؤسسات المانحة؟ هل تأتي إلينا بخطط جاهزة؟ وإذا كان ذلك صحيحاً: إلى أي مدى يعيق هذا التدخّل، العمل الثقافي؟

ما هي محرَّماتنا (Taboos)؟ وكيف نتعامل معها؟ ما هو دور عنصر الضحك في أعمالنا الفنية؟

هل هناك تأمين اجتماعي للفنانين والمثقفين الفلسطيني؟

سوف أبدأ بالإجابة عن بعض الأسئلة المطروحة، وأترك للقراء الإجابة عن بعضها؛ أملاً في إرساء ثقافة الحوار المعمَّق، حول قضايانا الثقافية.

*****

أبدأ بسؤال الثقافة المطروح على شعوب العالم دون تمييز؟ هل تكتفي الثقافة بذاتها؟ هل تنحصر الثقافة في شعوب معيَّنة متحضِّرة، وفي نخبة متعلِّمة من البشر؛ فتهيمن وتسيطر وتستعلي؟ أم يتّسع مفهوم الثقافة، ليعبِّر عن مجموع السمات الروحية، والمادية، والفكرية، والعاطفية، للمجتمعات كافَّة، فيشتمل على الفنون والآداب، وطرق الحياة، وحقوق الإنسان، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات؛ فيتحاور وينفتح ويرسِّخ مبدأ التعددية، وحقّ الاختلاف، وفهم الآخر؟

وماذا عن الثقافة الفلسطينية؟ هل هي منفتحة على الثقافات الأخرى؟ أم هي منكفئة على ذاتها؟ تأتي الإجابة؛ ليس من خلال تنظيم "مهرجان الرقص المعاصر"، في رام الله، فحسب؛ بل من خلال العروض المسرحية، والسينمائية، وعروض الفيديو، ومن خلال تنظيم المؤتمرات الأدبية، واللغوية، والندوات الثقافية، ومن خلال معارض الفن التشكييلي، والتَّصوير الفوتوغرافي، ومعارض الحرف اليدويَّة، في المدن والقرى والمخيَّمات الفلسطينية، في أرجاء الوطن، كافة.

ما الذي تعنيه العروض الثقافية لنا؟ ما هي الوظيفة التي تؤديها في حياتنا؟ ولماذا ننظِّمها أساساً؟ أو نشارك فيها؟ أو نشاهدها؟

هل هو تجسيد الهوية الفلسطينية؟ هل هو تجسيد وجهنا الحضاري والثقافي؟ هل هو تكامل أشكال النضال؟ هل هو توفير أسباب الصمود؟ تحقيق المتعة الفنية؟ أم هي مجموع هذه العناصر؟

*****

لنقرأ معنى تنظيم العرض الثقافي: "مهرجان رام الله للرقص المعاصر"، بأصوات بعض من تحاوروا، عبر الشبكة الإليكترونية:

"نسعى للحياة ما استطعنا إليها سبيلا؟! أيّ سعي هذا الذي يستدعي عمل مهرجان للرقص على دماء أطفال غزة؟! أية حياة هذه التي تستدعي الرقص مع راقصين دنماركيين، نحن في أشدّ مقاطعة تاريخية لهم قيادة وشعباً ومنتجاً، أيّة حياة هذه التي تستدعي الرقص، ونحن نغرق في شلال من الاتقسامات؟!". إيناس سلمي

"الفنون بأشكالها، ومن ضمنها الرقص، جزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية. ان المهرجانات الثقافية والفنية تبث فينا الحياة من جديد، وتعطينا بارقة أمل لمستقبل أفضل وأجمل. إن ما يحصل في غزة مؤلم، لكلّ فلسطيني يعيش على هذه الأرض. لا يمكن لأحد أن يحتكر هذا الحزن، او يدَّعي أنَّه حريص أكثر من غيره". لبنى غنايم

"الرجاء الخوض في النقاش، بأسلوب حضاري عريق، يليق بشعب ينتج الثقافة، وينتج المقاومة كفعل ثقافيّ تاريخي متجذر.

الرقص فن انساني، لا يمكن النظر اليه بالغرائز، ولا الجدل حوله وكأنه هزّ خصر .. لذا فليترك نقد الثقافة لمن ينتجونها، وليترك الحديث عن المقاومة، لمن يبتكر أساليب وصولها إلى أهدافها الحقيقية؛ وليس إلى هذا العبث المجنون بوجهيه: في رام الله وغزة". خالد الغول

"بأجساد برونزية صقيلة بالشمس والزيت، ورقصاً لبعل أو لديونيسيوس؛ كان قدماء هذه البقعة الجيوروحية، في مثل هذا الوقت من كل عام، يعبِّرون عن غبطتهم بالحياة، وهي تبعث في الأرض من جديد. والآن، وبما تبقّى من دفقة الحياة، نعبِّر نحن الناجين، وإن لم ننج تماماً، بالرقص، عن غبطتنا بما لم يَنلْ الاحتلال من ريش عنقاء روحنا. وبالرقص أيضاً، يشاركنا من العالم أصدقاء نثمِّن تلبيتهم دعوتنا، في الوقت الذي تعمل فيه الدعاية الصهيونية، على تغييب وجهنا الحضاري والثقافي؛ لتجد ما يبرِّر لها ما ترتكبه يومياً من جرائم بحقِّنا، ولتجعل دفاعنا عن حقِّنا يبدو عنفاً وإرهابا". سرية رام الله الأولى

*****

هل تتداخل الثقافة والسياسة أم تتخارج؟

ماذا يعني أن تلبي بعض الفرق الفنِّيَّة، من النرويج، وصربيا، وإيطاليا، وسويسرا، وفرنسا، والبرتغال، وبلجيكا، وفنلندا، وألمانيا، وإسبانيا، دعوة "سريِّة رام الله الأولى"، للمشاركة في نشاطات "مهرجان رام الله للرّقص المعاصر: 17/4-5/5 2008؟

وماذا يعني أن يشارك متضامنون أجانب، من النرويج، والسويد، وإيطاليا، وإسبانيا، وأمريكا، وألمانيا، والبرتغال، أهالي قرية بلعين، في مسيرتهم الأسبوعية ضدَّ جدار الفصل العنصري؟ وضدّ القمع، ومصادرة الأراضي، وضدّ الحواجز؟

ألا تتكامل الثقافة والسياسة بشكلٍ جليّ، عبر هذه المسيرات الشعبية، وعبر المشاركة في الفعاليات الثقافية؟ ألا يشكِّل تبادل الخبرات والتجارب، وتطوير القدرات والإمكانات؛ تضامناً ودعماً لصمود الشعب الفلسطيني؟

*****

في كلِّ مرَّة يتعرَّض فيها الفكر التنويري إلى هجوم؛ نستشعر الخطر، ونبادر إلى التحرك؛ لكننا مطالبون: كتّاباً، ومثقفين، وفنانين، وديمقراطيين، بالتحرّك اليومي، لترسيخ ثقافة التنوير، وفتح النوافذ على الثقافات الأخرى، وتعميق الحوار، حول حقلين: الثقافة والسياسة، محذِّرين من نقل الواقع، الذي يعني التكرار، دون أن نضطَّرَّ للمجاملة والتبرير، أو تحميل المقاومة عبئاً أكبر من احتمالها.

هلاّ نعمل معاً للحفاظ على المكتسبات، التي أرستها الثورة الفلسطينية المعاصرة، في ميادين الحياة كافَّة: في السياسة والاجتماع والثقافة، وعلى رأسها: رسوخ دور المرأة الشريك، وسقوط زمن الوصاية الأبوية؟!

http://www.miftah.org