|
الانقسام الفلسطيني على طاولة العرب
الموقع الأصلي:
يبدو أن الوقت أمام الفلسطينيين المنقسمين والمتصارعين قد أخذ ينفد بعد أن نفد صبر الجماعة العربية، التي يرتفع صوتها أكثر فأكثر إزاء المخاطر التي تترتب عن استمرار هذا الانقسام الذي استعصى على الفلسطينيين تجاوزه، رغم مرور نحو خمسة عشر شهراً على انقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة.
وكان المسئولون العرب يقولونه في الغرف المغلقة، خرج بعض منه إلى العلن، فوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يرى بأن الانقسام الفلسطيني لم يعد محتملاً، وأنه ينطوي على مخاطر جمة على القضية الفلسطينية. أما أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، فإنه يرى بأن الانقسام يعرض للخطر القضية التي ناضل من أجلها العرب أكثر من ستين عاماً، ولذلك فإنه يمهل الفرق الفلسطينية المتناحرة شهرين إلى ثلاثة كحد أقصى، قبل أن يضطر العرب لاتخاذ عقوبات وقرارات صعبة، بما في ذلك تسمية الطرف الفلسطيني الذي يتحمل مسؤولية فشل الحوار الذي تتوسط فيه وترعاه القاهرة. وإذا كان وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم في القاهرة، الثامن من الشهر الجاري، قد ناقشوا بتركيز شديد الوضع الفلسطيني الذي كان على رأس جدول أعمالهم، دون أن يتخذوا قرارات حاسمة، فإنهم منحوا القاهرة فرصة لا تزيد عن ستة أسابيع، حتى تقدم لهم، ورقة عمل واضحة ومحددة، تشكل أساساً لاتخاذ مواقف حازمة. القاهرة بدأت عملياً حواراتها الثنائية مع عدد من الفصائل لاستقصاء المواقف، وهي بصدد دعوة الطرفين حماس وفتح كل على حده قبل نهاية شهر رمضان، بأمل أن يوفر ذلك أرضية لحوار جماعي شامل بعد عيد الأضحى يمهد الطريق أمام العرب لاتخاذ قرارات إما لدعم وحماية اتفاق وإما لتقرير مستوى مرتفع ومؤثر من الضغط، واتخاذ مواقف عملية أكثر حزماً وجدية مما عرفناه حتى اللحظة. تطور الاهتمام العربي بالانقسام الفلسطيني إلى المستوى المتقدم له ما يبرره بعد أن فشل الفلسطينيون في إنهاء انقسامهم الذي يدرك العرب ما تحققه إسرائيل من إنجازات بسببه (الانقسام)، وما ينطوي عليه استمراره (الانقسام) من مخاطر ليس فقط على الحقوق الفلسطينية، وإنما أيضاً على الوضع العربي خصوصاً الدول المحيطة والمجاورة للأراضي المحتلة. ومثلما يدرك العرب المراهنات التي يعقدها البعض على إمكانية تطوير حاله الانقسام بالاستفادة من انكفاء الإدارة الأميركية لسبب الانتخابات الرئاسية، فأنهم أي العرب يسعون لالتقاط الفرصة ذاتها من أجل إنهاء هذا الانقسام بمعزل عن القيد الأميركي الذي لا يرى فرصة لإشراك حماس في النظام السياسي الفلسطيني قبل أن توافق على شروط الرباعية الدولية، وإلا ظلت غزة تخضع للحصار، بل ربما يتسع الحصار ليشمل الضفة في حال جرى فعلاً توحيد الفلسطينيين بدون تحقيق شروط الرباعية. وفي ضوء فشل مفاوضات التسوية وهو ما أصبح يعترف به الجميع، بغض النظر عن التخريجات التي يجري بحثها لتجنب إغلاق خيار المفاوضات، فإنه لا سبيل أمام العرب سوى حماية الساحة الفلسطينية التي يؤدي انقسامها، وتشظيها إلى تبديد الحقوق الفلسطينية وتعريض الأمن القومي لبعض الدول العربية للخطر. من واقع الحوارات التي أجرتها القاهرة مع عدد من الفصائل خلال الفترة الماضية، يمكن تلخيص مواقف الأشقاء المصريين بصورة أولية على النحو التالي: أولاً: لقد لمست الوفود الفلسطينية جدية غير مسبوقة لدى المسئولين المصريين إزاء توجههم للحوار ومواصلة العمل بكل قوة من أجل إنهاء الانقسام. ثانياً: يدرك الأشقاء المصريون أن إسرائيل تعمل على إبقاء حالة الانقسام مستغلة انقسام الفلسطينيين وصراعهم، وأيضاً قرب انتهاء ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش. ثالثاً: تتأسس الرؤية المصرية الأولية لإنهاء الانقسام على جملة من الاقتراحات والحلول: 1. تشكيل حكومة تكنوقراط، أو مستقلين بدون مشاركة الفصائل، ستكون قادرة على رفع الحصار أكثر من حكومة تتشكل من الفصائل، وتقوم بالإضافة إلى ذلك بمعالجة الملف الأمني وإعادة بناء الأجهزة على أسس مهنية، والتهيئة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة. 2. ضرورة الاتفاق على وثيقة فلسطينية مرجعية، أو ميثاق يتضمن إنهاء الاحتلال الذي وقع عام 1967، وحل قضية اللاجئين، وإنهاء الانقسام، وفي الواقع فإن مختلف الأطراف الفلسطينية تعتقد بأن وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) مع أو بدون بعض التعديلات يمكن أن تشكل مثل هذه المرجعية المطلوبة. 3. لا يجوز وقف المفاوضات الجارية رغم ما يعتريها من فشل، ومهمة المفاوضات ينبغي أن تظل في إطار صلاحيات منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس محمود عباس وتستند إلى وثيقة المرجعية التي يتم التوافق عليها. 4. يتحدث الأشقاء المصريون عن ضرورة تواجد قوات عربية ودعم مالي من أجل الإشراف على الوضع الأمني وعلى عملية بناء الأجهزة. بعض الفصائل قدمت بديلاً لفكرة إرسال قوات عربية، بالحديث عن هيئة وطنية فلسطينية تشرف على الأمن وإعادة بناء الأجهزة، بما لا يمنع الاستفادة من خبرات عربية في هذا المجال. 5. إزاء معبر رفح يؤكد المصريون أن فتحه يتطلب قراراً متفقاً عليه بمشاركة أطراف أخرى بما في ذلك إسرائيل (أي ربما العودة إلى اتفاقية المعابر لعام 2005). 6. يمكن القول إن الموقف إزاء منظمة التحرير ومشاركة بقية الفصائل فيها، ينطوي على قدر من التحفظ بينما تطرح الفصائل القيام بذلك استناداً إلى اتفاقية القاهرة بهذا الشأن والتي تم التوصل إليها في مارس 2005. في هذه الأثناء أدلى الرئيس محمود عباس بتصريح يوضح الأمر، حين قال إن غزة ستعود إلى حضن الشرعية الفلسطينية قبل نهاية هذا العام، فإذا كان هذا الوعد ينسجم مع توجهات الجهد العربي، فإن الواقع الفلسطيني يشهد على تصاعد واتساع حالة الصراع والانقسام، فهل يصدق وعد أبو مازن أم أن الأمور أكثر تعقيداً من أن يجري تعليقها على وعد غامض؟ ثم هل ستقبل القاهرة خوض مغامرة فاشلة، وكيف لمصر أن تعبر عن غضبها في حال كان الفشل مصير محاولاتها؟ عن صحيفة البيان الاماراتية http://www.miftah.org |