|
تفعيل م.ت.ف .. المهمة الصعبة
الموقع الأصلي:
بداية اود ان اقول بانه لو لم تكن هناك منظمة تحرير فلسطينية لكان من الواجب ايجادها، ذلك لان "م.ت.ف" بوجودها تعتبر انجازا وطنيا فلسطينيا تجسد الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، ووحدته في الداخل والشتات وتطلعاته الوطنية للتحرر والاستقلال واقامة دولته المستقلة على ترابطه الوطني فوجود "م.ت.ف" هو ضرورة وحاجة، ولا يجوز لاحد ان يقلل من اهميتها او يحاول تهميش وجودها.
ورغم ان ايجاد "م.ت.ف" جاء بقرار رسمي عربي للتصدي لامكانية ظهور حركة وطنية فلسطينية ثورية او اسلامية بعد ان بدأت انشطة حركة "فتح" بالظهور في النصف الاول من الستينيات والمخاوف من ان تكون لها امتدادات ذات صلة بحركة الاخوان المسلمين، الا ان هذه المنظمة سرعان ما تحولت بعد نكسة حزيران عام ١٩٦٧ الى وعاء ضم بداخله كل الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية، وقاد المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني معيدا الثقة للانظمة والشعوب العربية التي اصيبت بالصدمة اثر هزيمة حزيران 1967. واستطاعت "م.ت.ف" ان تلعب دورها باعتبار ان المجلس الوطني هو برلمان الشعب الفلسطيني واعتبار اللجنة التنفيذية حكومته وبناء الهياكل والاجسام المتفرعة عنهما، وتوزيع الصلاحيات والمهام عبر دوائر ومؤسسات "م.ت.ف". ولكن هذه التجربة الرائدة لم تحظ بالنجاح في جميع الاحوال، فقد ظلت الفصائل والقوى المشاركة في "م.ت.ف" تمارس عملية شد الحبل كلما سنحت الفرصة لتحقق لنفسها بعض المكاسب السياسية الفصائلية داخل "م.ت.ف" ومع ذلك فقد استطاع الرئيس الراحل ياسر عرفات ان يظل يمسك دائما بشعرة معاوية ونجح في معظم الاحيان في الحفاظ على وحدة "م.ت.ف" رغم بعض حالات "الحرد" التي كانت تقع من حين لاخر، والتي اسهمت الى حد ما في استمرار تزايد اعضاء المجلس الوطني الى ان بلغ عددهم في اخر مجلس وطني انعقد في نيسان ١٩٩٦ اكثر من ثمانماية. ولقد قادتني "الظروف" الى تونس ذات يوم بعد انطلاق مفاوضات واشنطن مع عدد من الاخوة من الداخل لنفاجأ بأن عددا من اعضاء اللجنة التنفيذية يرفضون تلبية الدعوة لحضور اجتماع لها لدرجة انهم استطاعوا تعطيل انعقادها لفقدان النصاب لذلك. وقد حاولنا بقيادة المرحوم الاخ فيصل الحسيني القيام بزيارات مكوكية لاقناع عدد من الاعضاء بحضور الجلسة ونجحنا اخيرا في ذلك. وقد شاهدت بعيني كم الاوراق التي كانت تمرر الى ابوعمار لتوقيعها، وكان جزء منها ثمنا للحضور الى الاجتماع!. لم تكن مهمة ياسر عرفات في قيادة "م.ت.ف" سهلة ولكن وجوده على رأس "م.ت.ف" وحركة "فتح" والسلطة الفلسطينية فيما بعد ادى الى خلط الحدود الفاصلة بين كل منها. ولا شك ان تجربة العملية السياسية التي انطلقت من مدريد ثم عبرت من البوابة الخلفية لاوسلو جعلت الرئيس عرفات يحاول ابقاء كل الاوراق بيده وعدم اعطاء دور لاحد، وقد استصدر قرارا بتخويل صلاحيات المجلس الوطني للمجلس المركزي "لصعوبة" انعقاد المجلس الوطني، واستطاع بحنكة بالغة ان يضمن بأن تنتهي كل النقاشات الساخنة الحادة في المجلس المركزي بتأييد وتمرير القرارات التي اراد ان يمررها بعد ان يعطي الفرصة ليقول الاعضاء ما يريدون ومن ثم يحصل هو على ما يريد. لقد شهدت الفترة من ١٩٨٨ حتى اليوم انعقادا واحدا للمجلس الوطني في نيسان ١٩٩٦، واسفرت تلك الدورة عن صدور القرار بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني بشطب كل ما يتعارض مع عملية السلام، ولما كانت معظم مواد الميثاق الوطني الفلسطيني تحتوي امورا تتعارض مع الاعتراف باسرائيل بشكل او بآخر، فان الملفت للنظر بأنه لم تحدث بعد ذلك اية محاولة حقيقية لاعادة مراجعة وصياغة جميع بنود الميثاق وتصويبها لتتفق مع قرار التعديل الذي اتخذ بحضور الرئيس الاميركي بيل كلينتون كجزء من الوفاء بالتزامات "م.ت.ف" في اطار عملية السلام التي كانت تحاول ان تقلع آنذاك. ويمكن القول اليوم بأنه لم يحدث تعديل حقيقي للميثاق وان كل بنوده بقيت كما كانت عليه، او القول في المقابل بانه طالما لم تتم اعادة صياغة بنود الميثاق وفقا لقرار المجلس، فان الامر اصبح عائما ولا يوجد هناك ميثاق وطني؟ وهنا يمكن لكل مرء ان يختار التفسير الذي يريده ويلائمه..!! واكثر من ذلك ومنذ تأسيس السلطة الوطنية فقد توقفت مؤسسات "م.ت.ف" تدريجيا عن عملها وذاب بعضها في مؤسسات السلطة، وظهرت خطورة ان تنصهر المنظمة في سلطة فلسطينية ليست هناك اية ضمانة بان تستمر في الوجود اذا ما تحقق الفشل النهائي للجهود الرامية الى ايجاد حل سياسي للصراع، وقد بدأت ملامح ذلك بالظهور. ومدى انعكاس ذلك سلبياً على وجود "م.ت.ف". ومن هنا فإن من الممكن القول بأن استمرار سلب دور "م.ت.ف" وتهميشها سيعني اذا ما انهارت السلطة الفلسطينية اختفاء كلتاهما: السلطة والمنظمة، وهذا هو اخطر ما يمكن ان يحدث للعمل الوطني الفلسطيني من اجل استرداد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وتحرير ارضه واقامة دولته. اذن، فالمصلحة الحقيقية للشعب الفلسطيني تكمن في الفصل بين م.ت.ف والسلطة الفلسطينية وتأكيد دور "م.ت.ف" باعتبارها المظلة التي يستظل تحتها كل ابناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، والهوية الوطنية والاطار الشرعي لاستمرار المسيرة النضالية حتى تتحقق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. والمشكلة اليوم ليست في "م.ت.ف" وانما في الطريقة التي تم التعامل بها مع "م.ت.ف" والتي ادت الى تفريغ مؤسساتها من مضمونها وشل دورها وتحويلها الى اطر وهياكل فارغة. والمطلوب اليوم، واكثر من اي وقت مضى، اعادة الدور والمضمون للمنظمة ومؤسساتها المختلفة. فهل يمكن ذلك؟ يتمسك الكثيرون بالدعوة الى اعادة تفعيل "م.ت.ف" واصلاح مؤسساتها وبنائها على اسس وطنية موضوعية. وهذه الدعوة هي حق، ولكن المشكلة هي في ضرورة توفير امرين: الاول، الارادة الحقيقية في اعادة تفعيل م.ت.ف واعادة بناء مؤسساتها، والثاني هو الالية اللازمة لذلك واذا افترضنا جدلاً ان هناك النية لتفعيل "م.ت.ف" واعادة بناء مؤسساتها، فاننا نظل بحاجة الى الآلية اللازمة لذلك. واول ادوات هذه الالية، هو اعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني باعتباره برلمان "م.ت.ف" واذا صلح فإن كافة مؤسساتها ستصلح. ليست هناك وسيلة افضل من الانتخابات لاعادة تشكيل المجلس الوطني، فهل يمكن اجراء انتخابات في الشتات وخاصة في مناطق بالغة الحساسية كالاردن مثلا؟ واذا لم يمكن اجراء الانتخابات فكيف يمكن ضمان كون الاعضاء الذين سيتم اختيارهم يمثلون فعلاً وحقيقة توجهات القطاعات التي جاؤوا منها؟ وتساؤل آخر: ما هو مصير الكوتا التي كانت ممنوحة لبعض الفصائل وهل لا تزال هذه الكوتا تعكس مدى وجود هذه الفصائل على الارض ام ان بعض هذه الفصائل قد شاخت واصبحت عبارة عن جنرالات بدون عساكر؟ واذا اصرت فصائل الجنرالات بدون عساكر على التمسك بحصتها في الكوتا فهل سيتيح ذلك ضخ دماء جديدة الى شرايين "م.ت.ف". واكثر من ذلك، هل يمكن المساواة في الاصوات والتصويت بين اولئك الذين يعيشون في ظل الاحتلال يقارعونه يومياً ويدفعون الثمن من حريتهم ودمهم واملاكهم ولقمة عيشهم وكرامتهم، وبين اولئك في منافي الرخاء كأوروبا وامريكا؟ كيف يمكن ذلك ونحن نقول: "اللي تحت العصا مش مثل الي بيعد فيها"؟ اعادة الدور لـ م.ت.ف. اليوم وفي ظل اليقين بفشل العملية السياسية هو امر في منتهى الضرورة والاستعجال. واعادة بناء وتفعيل م.ت.ف. هي ايضاً كذلك. واذا كان بالامكان اجراء انتخابات في الداخل فإنه لابد وبأسرع وقت ممكن من تشكيل جسم او مجموعة من ذوي الكفاءة والخبرة والمصداقية والاختصاص لوضع المعايير الواجب اتباعها لاختيار ممثلي الشتات في المجلس الوطني المرتقب والذي ستناط به مهمة اختيار لجنة تنفيذية جديدة واعادة تشكيل وتفعيل كافة مؤسسات "م.ت.ف". عن شبكة أمين http://www.miftah.org |