نعم نستطيع محاكمتها‏..‏ لكن أين الإرادة؟‏!‏
بقلم: صلاح الدين حافظ
2008/10/8

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9793

نعود اليوم مرة أخرى إلي مناقشة بل فضح المواقف الصامتة والسياسات المتواطئة‏، تجاه ارتكاب إسرائيل جرائم حر،‏‏ ضد الشعب الفلسطيني‏،‏ دون مساءلة أو محاكمة،‏ بحكم الحماية الامريكية الاوروبية المتوافرة لها‏.‏

قلنا في المقال الماضي متي تحاكم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب؟ عن التقرير الدولي الذي أقره المجلس الدولي لحقوق الانسان التابع للامم المتحدة‏,‏ قبل أيام قليلة‏,‏ وأدان فيه إسرائيل بارتكاب جريمة حرب ضد الفلسطينيين في بيت حانون إنه قد جاء للعرب هدية ثمينة علي طبق من ذهب‏,‏ وتساءلنا هل نستطيع أن نستغل هذا التقرير الدولي‏,‏ لتقديم إسرائيل إلي محاكمة دولية‏,‏ وهل نتحرك في الوقت المناسب‏,‏ وما هو دور الحكومات والمنظمات العربية المسئولة‏..‏ أم ان الاهمال سيسود لان الارادة غائبة؟‏!‏

وقد سعدت بعدد من الرسائل الجادة تعليقا وتشجيعا علي ضرورة اثارة فتح هذا الملف‏,‏ وقد اخترت رسالة بل هي دراسة قانونية مختصرة بها مقترحات محددة‏,‏ أعدها الأستاذ الدكتور فؤاد عبدالمنعم رياض القاضي السابق بالمحكمة الدولية لجرائم الحرب‏,‏ صاحب الرأي الصائب والخبرة الدولية في هذا المجال يقول فيها عزيزي‏..‏ تعبيرا عن عميق تقديري لما جاء في مقالكم السابق‏,‏ أري من واجبي موافاتكم ببعض الامور المتصلة علي النحو التالي‏:‏

أعدت لجنة تقصي الحقائق الدولية حول قصف إسرائيل لبيت حانون في قطاع غزة برئاسة الأسقف ديزموند توتو تقريرا يدين القوات الإسرائيلية بارتكاب جرائم حرب‏,‏ كما اتهمت اللجنة الحكومية الاسرائيلية بعدم اتخاذ الاجراءات اللازمة لملاحقة المسئولين عن هذه الجرائم‏,‏ كما تقضي بذلك قواعد القانون الجنائي الدولي‏,‏ وقد تبني المجلس الدولي لحقوق الانسان التابع للامم المتحدة هذا التقرير في‏25‏ سبتمبر‏2008‏ بأغلبية ساحقة‏,‏ ويثور السؤال حينئذ عن الخطوة التالية التي يتعين اتخاذها والتي دعا اليها مقالك المنشور في‏2008/9/24‏ متي تحاكم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب؟‏.‏

ولاشك أن تقرير الأسقف توتو الذي تبناه المجلس الدولي لحقوق الانسان يدفع نحو اللجوء إلي القضاء الجنائي الدولي‏,‏ والواقع أن هذه المسيرة كان يجب أن تبدأ من أمد ليس بقريب كما حدث بالنسبة لجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المرتكبة في يوغوسلافيا السابقة‏,‏ وفي رواندا في أوائل التسعينات‏,‏ والتي حدت بالامم المتحدة إلي تأسيس محاكم جنائية دولية‏,‏ لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب‏,‏ وغني عن البيان أن الجرائم التي تم ارتكابها في الاراضي المحتلة منذ انشاء دولة اسرائيل لا تقل بشاعة وانتهاكا للقانون الدولي الانساني والمواثيق الدولية‏,‏ عن نظيراتها التي أدت إلي انشاء هذه المحاكم الجنائية الدولية‏,‏ كما تشهد بذلك منظمات حقوق الانسان الدولية‏,‏ كمنظمة الصليب الاحمر‏,‏ ومنظمة العفو الدولي‏,‏ ومنظمة مراقبة حقوق الانسان‏,‏ والعديد من المؤسسات الدولية الاخري‏,‏ بل ان هذه الجرائم كانت من الوحشية بحيث دفعت وزير العدل الإسرائيلي تومي ليبيد إلي أن يعلن عقب المذابح المرتكبة في جنين ورفح في مايو‏2004‏ بأن هذه المذابح تذكره بالهولوكوست الذي تعرضت له جدته‏,‏ علي يد النازيين بألمانيا‏.‏

نعم لقد جاء تقرير المجلس الدولي لحقوق الانسان ليؤكد أن المذابح المرتكبة في بيت حانون ترقي إلي جريمة حرب‏,‏ وليؤكد مسئولية القادة الإسرائيليين عما يرتكب بالاراضي المحتلة رغم انكار إسرائيل كل ذلك‏,‏ وهذا التقرير هو تدعيم للرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية بلاهاي في‏9‏ يوليو‏2004‏ بشأن الجدار العازل‏,‏ والذي حرصت فيه المحكمة علي الكشف عن الانتهاكات العديدة المرتكبة من جانب إسرائيل بالاراضي المحتلة‏,‏ مطالبة إياها بالالتزام بأحكام القانون الدولي الانساني والمواثيق الدولية باعتبارها عضوا في الجماعة الدولية‏.‏

وفي ضوء هذه المعطيات والأدلة القاطعة لاشك في أن الوقت قد حان للتحرك الحاسم واتخاذ الخطوات اللازمة لرفع الأمر للقضاء الدولي‏,‏ بالنسبة لمذابح بيت حانون‏,‏ بل وبالنسبة لغيرها من جرائم إسرائيل بالاراضي المحتلة ولايخلو الأمر في هذا المقام من سبيلين‏,‏ أولهما الاختصاص القضائي العالمي الذي سبق أن قررته اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الاشخاص المدنيين في وقت الحرب سنة‏1949,‏ وأعملته العديد من الدول مثل‏:‏ ألمانيا‏,‏ بلجيكا‏,‏ أسبانيا‏,‏ انجلترا وغيرها‏,‏ وهو المبدأ الذي يعطي الحق لأية دولة في محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الابادة الجماعية أمام محاكمها الوطنية أيا كانت جنسية مرتكبي الجرائم وأيا كانت جنسية الضحايا أو محل وقوع الجريمة‏,‏ وقد أدي ذلك بالفعل إلي إقامة دعاوي ضد العديد من قادة إسرائيل أمام محاكم هذه الدول‏,‏ ويجدر عدم الاستهانة بهذا المبدأ الذي يزداد انتشارا يوما بعد يوم‏,‏ رغم ما تتعرض له الدول التي تطبقه من ضغوط سياسية‏,‏ والبحث عن مدي إمكان اللجوء إلي القضاء الوطني لدي أي من الدول التي أعملت هذا المبدأ فعلا‏.‏

أما السبيل الثاني وقد حان وقت سلوكه كذلك فهو اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية‏,‏ وتختص هذه المحكمة بالجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجريمة الابادة الجماعية طالما كانت هذه الجرائم قد ارتكبت بعد دخول اتفاقية روما لانشاء هذه المحكمة حيز التنفيذ عام‏2002,‏ ويشترط أن تكون تلك الجرائم قد ارتكبت في اقليم دول منضمة إلي هذه الاتفاقية أو من أحد مواطني دولة عضو في هذه الاتفاقية أو أن تتم احالة الأمر للمدعي العام للمحكمة من جانب مجلس الأمن‏.‏

وإذا كانت إسرائيل قد امتنعت عن الانضمام إلي الاتفاقية المنشئة لهذه المحكمة‏,‏ كما امتنعت عن ذلك أغلب الدول العربية‏,‏ فان السبيل الوحيد الذي يمكن طرقه هو مطالبة مجلس الأمن بابلاغ المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية‏,‏ بهذه الجرائم علي النحو الذي تم بالنسبة لرئيس دولة السودان‏.‏

ولايخفي أن هذا السبيل تحيطه بعض المخاطر إذ يخشي لجوء بعض الدول لحق الفيتو‏,‏ إذا رفع الامر لمجلس الأمن للمطالبة بطرح انتهاكات بيت حانون إلي المحكمة الجنائية الدولية‏,‏ غير أنه في وجود الادلة الدامغة المتمثلة في قرار المجلس الدولي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة‏,‏ باعتبار قصف إسرائيل للمدنيين في بيت حانون في قطاع غزة خلال نوفمبر‏2007‏ جريمة حرب‏,‏ فضلا عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بلاهاي‏,‏ الذي أدان جرائم دولة إسرائيل بالاراضي المحتلة‏,‏ بالاضافة إلي التقارير العديدة للمؤسسات الدولية‏,‏ ثمة كل مايسوغ اللجوء إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة في حالة فشل مجلس الامن في اتخاذ قرار بسبب الفيتو‏,‏ وذلك إعمالا للمبدأ المعروف باسم الاتحاد من أجل السلام‏,‏ هو المبدأ الذي سبق إعماله بمناسبة النزاع الكوري وكذلك بمناسبة الاعتداء الثلاثي علي مصر عام‏1956.‏

ومن ثم يتعين علي الدول العربية السعي بشتي الطرق إلي تهيئة المناخ بالجمعية العامة للامم المتحدة‏,‏ فضلا عن مجلس الأمن‏,‏ تمهيدا لاحالة جريمة الحرب في بيت حانون إلي المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية‏,‏ بل إحالة جميع الجرائم المرتكبة بالاراضي المحتلة منذ ممارسة المحكمة الجنائية الدولية لاختصاصها في عام‏2002,‏ وهي جرائم ثابتة بالعديد من الأدلة‏.‏

وللأسف الشديد برغم عقلانية رأي الدكتور فؤاد رياض وحجته القانونية‏,‏ فإن اللعبة السياسية تظل هي الحاكمة‏,‏ سواء كانت بالحماية الأمريكية ـ الاوروبية لإسرائيل‏,‏ أو كانت بسبب التواطؤ والتساهل العربي وفقدان الارادة المستقلة لمواجهة جرائم الحرب الإسرائيلية‏.‏

هذه هي مأساتنا‏..‏ غياب الإرادة وتهاوي القرار السياسي‏,‏ حتي وإن جاءتنا الهدية علي طبق من ذهب‏!‏

عن صحيفة الأهرام المصرية

http://www.miftah.org