تحوّلات وتصدّعات الخريطة الفصائلية الفلسطينية
بقلم: ماجد كيالي
2008/10/9

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9795

منذ انطلاق الفصائل الفدائية، في ستينيات القرن الماضي، انطبع الزمن الفلسطيني بتاريخ هذه الفصائل، التي هيمنت على السياسة والمجتمع الفلسطينيين. اللافت أن تاريخ الهيمنة هذا (بمعنييه الإيجابي والسلبي) لم يقتصر على مرحلة الازدهار، وإنما شمل مرحلة الركود، أيضا، التي شهدت فيها هذه الفصائل حالا من الترهّل والانحسار في دورها النضالي ضد العدو.

وفي مكانتها في المجتمع. والواقع فإن هذه الفصائل لم تزدهر ولم تستمر بفضل دعم شعبها واحتضانه لها (على الرغم من وجود هذا الدعم والاحتضان في المراحل السابقة)، وإنما هي استمرت أساسا بفضل الدعم المادي الخارجي (العربي ثم الدولي) الذي أغدق عليها، وبفضل المداخلات العربية الداعمة والموظّفة لها.

بل إنه يصحّ القول بأن هذه الفصائل هي التي قدمت، ومازالت، الدعم المادي لشعبها، من خلال تشكيلها نوعا من «سوق عمل» استوعبت في مراحل معينة ألوف النشطاء والعاملين (المتفرغين)، ما كوّن قاعدة مجتمعية للعمل الفلسطيني. وأيضا من خلال إقامتها شبكة مؤسسات اجتماعية وتعليمية وصحية، في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، التي قدمت من خلالها العون للفلسطينيين.

وفي كل ذلك فقد أوجدت الفصائل مجتمعا سياسيا، على هامش المجتمع الفلسطيني، يحمل سمات خاصة به، ضمنها عدم ارتباطه بعلاقات الإنتاج والعمل والعيش السائدة، ووجود تراتبية «بطركية» له، تتمحور حول قيادات الفصائل، وتختلف في معاييرها عن التراتبية المعروفة في المجتمعات الفلسطينية؛ والتي تستند إلى علاقات القرابة أو إلى المنزلة الاجتماعية أو التعليمية أو المالية.

وكانت الساحة الفلسطينية عرفت فصائل كثيرة، في تاريخها، من «فتح»، إلى الجبهات: الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة والنضال والتحرير، إضافة إلى طلائع حرب التحرير الشعبية ـ الصاعقة (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث في سورية)، وجبهة التحرير العربية (تابعة لتنظيم فلسطين في حزب البعث العراقي).

وقد حافظت الساحة الفلسطينية على خريطتها الفصائلية تلك حتى لحظة إنهاء الوجود العلني لمنظمة التحرير في لبنان (بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982)، إذ حصلت تصدعات في هذه الخريطة، في الثمانينيات، مع ظهور حركتين سياسيتين تعبران عن التيار الإسلامي، الأولى وهي «الجهاد الإسلامي»، والثانية «حماس». كذلك شهدت هذه المرحلة قيام الحزب الشيوعي (حزب الشعب)، والانشقاق في «فتح» 1983، الذي ظهر بموجبه ما بات يعرف بحركة «فتح الانتفاضة».

وفي التسعينيات شهدت الخريطة الفلسطينية تصدعات أخرى، ناجمة عن عملية التسوية، وقيام الكيان في الضفة والقطاع، حيث خرجت «فدا»، من الجبهة الديمقراطية (التي خرجت في أواخر الستينيات من الجبهة الشعبية)، وانقسمت كل جبهات: النضال والتحرير والعربية، إلى فصيلين! وشهدت هذه المرحلة تراجع مكانة منظمة التحرير، في القيادة والمرجعية والصفة التمثيلية، لصالح السلطة، كما شهدت تبلور المكانة القيادية لحركة حماس كمرجعية منافسة وبديلة.

هكذا فإن التحولات الحاصلة حدثت بفعل ضغوط خارجية، بينما استمر زمن الفصائل بالرغم من تراجع دورها وانحسار مكانتها، كونها ظلت تستمد شرعيتها ودعمها، على الأغلب، من الواقعين العربي والدولي، وليس من مجتمعها.

ويمكن تفسير هذه الحالة الشاذة (استمرار الفصائل برغم تراجع قدراتها ودورها ومكانتها) بضعف الحراك الداخلي، وغياب العلاقات المؤسسية والديمقراطية، وانعدام روح المساءلة والنقد، وتفشي علاقات المحسوبية. وبمعنى آخر فإن هذا الثبات ليس دليل عافية، وإنما هو تعبير عن الجمود.

وهذا يفسر، أيضا، كيف أن «الطبقة»، التي أنشأت الفصائل، مازالت باقية على الأغلب، تعيد تجديد ذاتها وشرعيتها، بشتى السبل، بل إنها تعيق توليد حالات جديدة، داخلها أو خارجها، خصوصا بتمسكها بنظام المحاصصة «الكوتا»، في إطار منظمة التحرير.

وإذا تجاوزنا تفسير ثبات الجسم القيادي في الفصائل إلى البحث في معنى تعددية الفصائل، في واقع يحتوي 17 حالة تنظيمية وسياسية! فيمكن ببساطة تلمّس أن تعددية الفصائل هي، على الأغلب، كميّة ومصطنعة، وليست تعددية نوعية، ولا تعكس واقعا حقيقيا، بقدر ما تعكس مصالح شخصية أو فئوية أو إقليمية. هكذا فثمة فصائل ليس ثمة مبرر سياسي، أو فكري، لها كونها لا تعبر عن تيار بعينه، فضلا عن أن ثمة فصائل لم يعد لها وجود يذكر، لا على المستوى الشعبي، ولا على مستوى الصراع ضد إسرائيل، ولا حتى على المستوى الذاتي.

وقد بينت نتائج الانتخابات التشريعية، مثلا، بأن الفلسطينيين منقسمون إلى تيارين: تيار الوطنية الفلسطينية وتمثله «فتح»، وتيار الوطنية الإسلامية وتمثله «حماس»، أما الجبهة الشعبية فحازت في الانتخابات على ثلاثة مقاعد، في حين حاز ائتلاف الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب و«فدا» على مقعدين، وحصل تيار المبادرة الوطنية (مصطفى البرغوثي) على مقعدين، وتيار الطريق الثالث (فياض وعشراوي) على مقعدين أيضا، في حين لم تحصل الفصائل الأخرى ولا على مقعد (حركة الجهاد قاطعت الانتخابات). ويمكن اعتبار نتائج هذه الانتخابات عينة، أو نموذج، لشعبية كل فصيل في مختلف تواجد الشعب الفلسطيني، ولدرجة كبيرة.

اللافت أن هذه الفصائل، ورغم وضعها هذا، لم تتجه للاندماج أو للاتحاد مع بعضها، فلا أحد يعرف مثلا الفوارق بين الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وفدا؟!

ولا أحد يدري من أين جاء مفهوم التطابق الكامل بين منتسبي الفصيل الواحد؟! أيضا، لا أحد يدرك حجم الفوارق بين جبهتي النضال والتحرير، ثم بينهما وبين الجبهتين الشعبية والديمقراطية؟ كما لا احد يفهم ما يميز بين الجهاد وحماس، وهما تنظيمان ينتميان للتيار الإسلامي؟ وإذا كان ثمة خلافات فقهية بينهما، فهل ثمة مجال لذلك في مرحلة التحرر الوطني؟

على أية حال يبدو أن الظروف والتحولات الذاتية والموضوعية تؤشر إلى انتهاء المرحلة الفصائلية، بانتهاء مرحلة العسكرة ونظام التفرّع، وبمغادرة أعداد كبيرة من الكوادر لفصائلهم، هذا فضلا عن العوامل المتعلقة بالتحولات المجتمعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع الفلسطيني، والمحددات والمعيقات الخارجية.

عن صحيفة البيان الاماراتية

http://www.miftah.org