|
مستنقع الحوار وواقع الحال الفلسطيني «المتشائل»!
الموقع الأصلي:
أرضية الدعوة إلى عدم التسرَع في إشاعة أجواء التفاؤل بالنسبة الى مستقبل العلاقات بين «فتح» و»حماس»، لا تستند فقط إلى التجارب السابقة التي كانت تبدأ بالإعلان عن الاتفاق المشفوع بالعناق وتبويس اللحى، وتنتهي بالقتل وإراقة الدماء والتصفيات العلنية وبناء وتكريس الأجهزة والمؤسسات البديلة، وإنما كذلك إلى واقع تنابذ الرؤى والتوجهات والممارسات الفعلية على الأرض، ناهيك عن لغة التسريبات الفضفاضة «حمَالة الأوجه».
ومع أن من الخفة استباق نتائج سجالات القاهرة التي ستغرق، خلال الأسابيع المقبلة، في ثنايا التفاصيل المحروسة من الشيطان، إلا أن واقع الحال يفيد بأن حركة «حماس» التي استكملت إطباقها على قطاع غزة، عبر جولاتها «الجهادية» الأخيرة ضد عائلتي «حلَس» و»دغمش» ومن تسمَيهم «الخارجين عن القانون» من «الفتحاويين» وكل من لا يوافق هوى الحركة الإسلامية ورؤاها المستجدة في الساحة الفلسطينية، لم تبق أي ستر يدثَر مشروعها الإنقلابي على الحركة الوطنية الفلسطينية، وذلك بعد أن أسقطت، بيدها، كافة الذرائع والحجج التي كانت تستخدم تحت يافطة القاعدة الشرعية «الضرورات تبيح المحظورات». ولأن تفسير وترجمة كل بند من البنود السابقة «حمالة الأوجه»، ناهيك عن إمكانيات التطبيق وآلياته، يحتاج إلى صولات وجولات من النقاش والجدل السفسطائي الذي يمكن أن يرضي الغرور والرهانات النظرية، دون تقديم أية إجابة فعلية على واقع الحصار والعزلة والمقاطعة السياسية والتهديد الأمني، فقد كثَفت «حماس» مطالبها المتعلقة بالحوار الوطني وحصرتها بلاءات أربع «ثابتة»: انسحاب التعديل المقترح للأجهزة الأمنية في قطاع غزة على الضفة الغربية؛ عدم الموافقة على حكومة تكنوقراط تتجاوز نتائج انتخابات المجلس التشريعي؛ عدم القبول بإنهاء ولاية المجلس التشريعي قبل الفترة الرسمية، وعدم القبول بـ «الاستفراد بغزة»، حسب قول القيادي في «حماس» أسامة المزيني. وذلك قبل أن تقوم بتصعيد حملتها ضد تمديد ولاية الرئيس عباس عبر قيام كتلتها البرلمانية بالإعلان عن أن الولاية القانونية لعباس تنتهي في الثامن من كانون الثاني (يناير) المقبل، وبالتالي «لا يجوز للرئيس ابو مازن ان يظل دقيقة واحدة بعد هذا التاريخ»، حسب قول نائب رئيس المجلس التشريعي أحمد بحر الذي تزعم «حماس» أنه، «وفقا للمادة 37 في القانون الاساسي الفلسطيني»، سيصبح رئيسا مؤقتا لمدة ستين يوما الى حين الاعداد لانتخابات رئاسية، مستبقة بذلك نتائج الحوار المفترضة التي يشاع أنها ستستبدل في حال الإخفاق بقرار تصدره الجامعة العربية، وتدعمه مصر والسعودية والأردن، وربما سوريا ايضا، ويقضي بتمديد ولاية عباس لمدة ستة اشهر يعين خلالها حكومة تسيير أعمال تتولى الإعداد لانتخابات مبكرة، وتشرف على تسيير شؤون الفلسطينيين حتى تشكيل حكومة جديدة من وزراء «لا ولاءات تنظيمية لديهم ويكونون مقبولين فلسطينيا وعربيا ودوليا». فضلا عن وضع «ترتيبات أمنية» تمنع أي اقتتال فلسطيني داخلي جديد، وتحول دون عودة «حالة الانفلات» إلى الضفة وغزة. ومع أن لا رهانات جدية لدى العديد من الفلسطينيين على إمكانية تمكَن المبادرة المصرية من حسم قضية الانقسام الفلسطيني وتداعياته المدمرة، رغم اللغة المتفائلة السائدة راهنا، حيث ما زال الباب مشرعا أمام لغة التحريض ومصطلحات التشدد وإعلان التمسك بما تسميه الحركة الإسلامية «الشرعية الفلسطينية» تحت دعاوى «قانونية» ديماغوجية متهافتة لا علاقة لها بواقع الحال الانقلابي الذي أنتجته، ولا بالتداعيات الخطيرة التي يخلفها هذا السلوك الاستئثاري على ما تبقى من الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، ناهيك عن السجون التي تعج بالمعتقلين السياسيين ومواصلة انتهاك المؤسسات والحريات بمختلف أشكالها، فإن السيناريو الأسوأ الذي يمكن توقعه خلال الفترة المنظورة المقبلة هو أن تواصل «حماس» اندفاعها نحو استكمال الانقلاب بدعوى عدم السماح بحدوث «فراغ دستوري»، ومواجهة ما تزعم، استنادا إلى صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، أنه استعدادات «فتحاوية» لشن حملة على بنية حركة «حماس» وأنصارها في الضفة الغربية خلال الأسابيع المقبلة، والتلويح بالسيطرة على الضفة الغربية على غرار الحسم العسكري في القطاع، وفق ما جاء على لسان القيادي محمود الزهار الذي اعتبر أن تصريحات المنسق الأمني الأمريكي الجنرال كيث دايتون، حول سماح إسرائيل بتزويد السلطة بالعتاد العسكري، تؤكد «دور الإدارة الأمريكية في خلق فتنة على الساحة الفلسطينية ودعم طرف ضد آخر»، ما قد يفضي إلى إعلان منظمة التحرير قطاع غزة «إقليما متمردا تحت إمرة ميليشيات مسلحة»، ووقف الخدمات المقدمة إلى القطاع «بجميع أشكالها»، وفتح باب القضاء لتسلم الدعاوى ضد «حماس» وتقديم هذه الملفات للقضاء الفلسطيني، والتوجه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي وتقديم ملفات ووثائق ضد قيادة «حماس» بتهمة ارتكاب مجازر جماعية في غزة، فضلا عن تقدم رئاسة السلطة «رسميا» من الأمم المتحدة التدخل بإرسال قوات أمن إلى غزة لإنهاء سيطرة «حماس». المفارقة المؤلمة في واقع الحال الفلسطيني المنهك، هي أنه في الوقت الذي يدخل فيه العالم نفق الأزمات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، وتتراخى قبضة الولايات المتحدة على مواطن الأزمات توطئة لمرحلة جديدة من «اللاقطبية الدولية»، ما يعطي الدول والقوى المتضررة من النظام العالمي السائد فسحة للتفلت وإعادة إنتاج مصادر القوة، تواصل القوى الفلسطينية المتحكمة في مصادر المال والقوة والسلطة الكرتونية سعيها نحو التفريط بعوامل القوة والمنعة، وفي مقدمها الوحدة الوطنية الحقيقية والفعلية على أرض الواقع، بأمل الاستحواذ على أقصى ما يمكن من مصادر النفوذ، ضاربة بعرض الحائط حقيقة أن 40في المئة يفكرون في الهجرة من قطاع غزة إلى الخارج، في حين أن 63 في المئة يعانون نقصاً في المواد الغذائية و66 في المئة يعانون نقصاً في الأدوية، إضافة إلى أن 59 في المئة من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر و26 في المئة يعانون البطالة، وذلك وفق استطلاع أجرته شركة الشرق الأدنى للاستشارات (نير ايست كونسلتينج) وأطلقت عليه اسم «مراقب غزة»، واجري عبر الهاتف في الفترة الوقعة بين 29 إلى 31 تموز (يوليو) الفائت. عن صحيفة الحياة اللندنية http://www.miftah.org |