مستقبل القضية الفلسطينية على المحك
بقلم: خيرالله خيرالله
2008/10/15

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9817

ما يثير المخاوف علي القضية الفلسطينية هذه الأيام التركيز علي تشكيل حكومة وحدة وطنية وكأن هذه الحكومة تشكل حلاّ سحريا وخروجا من المأزق الذي يواجه القضية التي يفترض، أقله من الناحية النظرية، أن تكون القضية العربية الأولي. ما يكشفه الواقع للأسف، أن ليس مهما أن تكون هناك حكومة وحدة فلسطينية. المهم أن يكون هناك برنامج وطني فلسطيني واضح بعيدا عن أي نوع من المزايدات.

فوق ذلك كله، يمكن القول أن لا فائدة من حكومة وحدة وطنية أو أي نوع من الحكومات في حال لم تكن هناك مرجعية سياسية عليا تستطيع التحدث باسم الفلسطينيين والتفاوض مع الجهات المعنية، علي رأسها اسرائيل من أجل التوصل إلي تسوية معقولة ومقبولة تضع الشعب الفلسطيني في مصاف الشعوب الأخري في المنطقة. مثل هذه التسوية لا بدّ أن تضمن الحد الأدني من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني كما نصت علي ذلك شرعة حقوق الانسان والقرارات الدولية ذات الشأن. علي رأس الحقوق حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة "القابلة للحياة" وعاصمتها القدس الشرقية.

من هذا المنطلق، يبدو مطلوبا أكثر من أي وقت تفادي الغرق في تحقيق مصالحة بين السلطة الوطنية و"حماس" التي تسيطر علي قطاع غزة منذ منتصف يونيو من العام 2007. المصالحة ضرورية ولا مفر منها في حال كان مطلوبا التفاوض بوفد فلسطيني موحّد. كذلك ثمة ضرورة لتشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها "الحزبان الفلسطينيان" الأساسيان أي "فتح" و "حماس"، علما أن "فتح" في حال تنظيمية يرثي لها وتبدو مهددة بالانقراض.

ولكن يبقي السؤال ما الفائدة من مصالحة ومن حكومة وحدة وطنية في حال لم يكن هناك رأي فلسطيني موحد وبرنامج سياسي واضح كل الوضوح يؤكد الثوابت التي ناضل الفلسطينيون من أجلها طوال ما يزيد علي نصف قرن؟ إنها الثوابت التي سمحت بالوصول إلي الأمم المتحدة واحتلال مقعد مراقب فيها وفتحت أبواب البيت الأبيض في وجه رئيس السلطة الفلسطينية.

لم يعد مسموحا إضاعة الوقت والغرق في التفاصيل. الخيار بات واضحا. أنه بين ضياع القضية الفلسطينية وبين متابعة النضال السياسي من أجل إقامة الدولة المستقلة التي تضم غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

علي من يريد أن يكون واقعيا، أي من يريد بالفعل حلاّ بدل العمل من أجل استمرار المأساة والمتاجرة بها وبالشعب الفلسطيني، الاعتراف بأن هناك حاجة إلي تبادل للأراضي. تنبع الحاجة من وجوب إيجاد ممر آمن يربط الضفة الغربية بغزة. مثل هذا الممر الآمن لم يكن موجودا في العام 1967 عندما احتلت إسرائيل الضفة والقطاع.

هناك ثمن لإيجاده ولا بدّ من مفاوضات جدية لتحقيق هذا الهدف ولا مفر من ثمن علي الفلسطينيين دفعه من أجل إقامة الممر الذي يحول دون وجود كيانين فلسطينيين مستقل كل منهما عن الآخر كما الحال الآن. يتمثل هذا الثمن بكل بساطة بضرورة تبادل بعض الأراضي، علي أن تكون الضفة الغربية في معظمها جزءا لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

هناك تحول في اسرائيل. هناك إدراك لأهمية تقديم الثمن المطلوب إلي الفلسطينيين كي يُحافظ علي الطابع اليهودي للدولة. لعل أفضل من عبّر عن التحول شخص اسمه أيهود أولمرت اختار قبل أن يخرج من السلطة نهائيا الأعلان عن وصية سياسية تحدد ما علي أسرائيل عمله من أجل تحقيق تسوية. لم يفعل أولمرت شيئا من أجل التوصل إلي حل طوال وجوده في السلطة.

كل ما فعله كان العمل من أجل إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية مستفيدا إلي أقصي حدّ من تصرفات "حماس" التي بدت حليفا غير معلن للاحتلال الإسرائيلي نظرا إلي أنها مهتمة بامتلاك السلطة وليس بزوال الاحتلال!

بغض النظر عن أي تقويم لشخصية أولمرت الذي تبين أنه لم يستفق علي وجوب العمل من أجل السلام الا متأخرا، يبدو منطقيا أن يعد الفلسطينيون أنفسهم للمرحلة المقبلة. لا مفرّ من اعادة ترتيب البيت من داخل أوّلا بحكومة وحدة وطنية أو بأي حكومة تتولي إدارة شؤون الناس وتسهيل الحياة اليومية. هذه مهمة الحكومة، أي حكومة. الموضوع السياسي شأن مختلف. علي الفلسطينيين أن يقولوا ماذا يريدون بشكل علني ومن دون لف ودوران.

هل يريدون حلاّ، أو علي الأصح هل هم مستعدون لحل مقبول من المجتمع الدولي؟ هذا لا يعني في طبيعة الحال أن أسرائيل، في حال شكلت تسيبي ليفني حكومة جديدة، أم لم تستطع ذلك، ستقدم لهم الدولة المستقلة علي طبق من فضة. فما لابد من الاعتراف به أن التوصل إلي تحقيق الهدف الوطني يحتاج إلي مزيد من النضال والتضحيات ولكن من دون الوقوع في فخ "عسكرة الانتفاضة" كما حصل في نهاية العام 2000.

أن الاتفاق علي برنامج سياسي واضح ومرجعية سياسية قادرة علي التفاوض خطوة مصيرية علي طريق المحافظة علي القضية الفلسطينية وحمايتها، في حال كان مطلوبا ايجاد مكان للشعب الفلسطيني علي الخريطة الجغرافية للمنطقة. المسألة ليس مسألة حكومة وحدة وطنية ومصالحة بين "فتح" و "حماس" وتمديد ولاية "أبو مازن" في غياب القدرة علي اجراء أنتخابات. المسألة مرتبطة بوجود القضية الفلسطينية التي هي قبل كل شيء قضية شعب. القضية مهددة بالزوال من دون ادراك لطبيعة المرحلة المقبلة ومتطلباتها.

عن صحيفة الراية القطرية

http://www.miftah.org