|
الاعلام المحلي وتحديات استعادة الثقة
الموقع الأصلي:
كشفت الازمة الفلسطينية الداخلية المتواصلة، الكيفية التي تسعى مراكز القوى الفاعلة في المجتمع الفلسطيني من خلالها استخدام وسائل الإعلام بمؤسساتها وكوادرها بما في ذلك الصحافيين والصحافيات، لخدمة اجندتها بصورة القت بظلالها على اداء مجمل مكونات وسائل الإعلام المحلية التي باتت تتأرجح ما بين ادعاء الحيادية والمهنية وبين الانحياز المبطن مؤسساتيا والمفضوح جماهيريا.
ولا يحتاج المرء للكثير من الوقت حتى يدرك مستوى التراجع او حتى الانحدار الذي باتت تعاني منه العديد من وسائل الإعلام المحلية، واتساع الفجوة بينها وبين الجمهور خاصة بعد القبول الطوعي بالانتقال من لعب دور السلطة الرابعة وممارسة الرقابة على اداء السلطات الثلاث، وتزويد المواطنين بالمعلومات الموثقة والمدققة، لما يدور من حولهم من تطورات داخلية وخارجية، إلى لعب "مهمة البوق " الذي يكرر ليل نهار نفس الصوت و النغمة دون كلل او ملل، الامر الذي افقدها المصداقية والثقة وجعلها في واد وقضايا عامة المواطنين في واد اخر. ومما لا شك فيه انه بعد كل ما عايشناه من نكبات وانهيارات داخلية خلال الاعوام القليلة الماضية، بات مطلوبا من وسائل الاعلام المحلية اولا العمل من اجل اخراج نفسها من الدائرة الضيقة التي حاصرت نفسها فيها، والتمرد على كل اشكال الابتزاز والتهديد او الخنوع والخضوع لمراكز القوى، والعمل بجدية تجاه استعادة الثقة في اوساط الجمهور الذي بات متشكك في كل شيء ويعيش حالة من فقدان التوازن بسبب الكم الهائل من المعلومات التي تصله الى حد ان عامة المواطنين اصبحوا غير قادرين على التمييز بين الحقيقة والشائعة وبين الصدق والكذب، واصبحت غبر مبالية بمصيرها المجهول تاركة العنان لنشوء مراكز قوى جديدة واندثار مراكز قوى قديمة بصورة يكون فيها المواطن اخر من يعلم بكل ذلك. ان المسؤولية الاخلاقية والمهنية التي تقع على كاهل وسائل الاعلام المحلية، تحتم عليها المبادرة إلى تحرير ذاتها من هذه القيود، ولا اعتقد ان الطريق سيكون سهلا في المرحلة الحالية، لكنه بالقدر ذاته بالغ الاهمية، حفاظا على الدور المناط بها وطبيعة الدور الذي أسست من اجله لخدمة الجمهور وليس السادة، وارى في هذا المقام أهمية الإسراع الى عقد مؤتمر اعلا مي فلسطيني موسع بمشاركة الإعلاميين وممثلي المؤسسات الإعلامية المحلية وممثلين عن عامة الشعب من اساتذة جامعات وممثلي مؤسسات أهلية، لمناقشة سبل وقف التدهور والتراجع الحاصل ورسم سياسة اعلامية واضحة قادرة على تدعيم الحصن الاخير للمجتمع امام موجة الانهيارات الحاصلة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.... الخ.
وانا لا اجزم بان عقد مثل هذا المؤتمر سيكون بمثابة العصا السحرية التي ستقود الى معالجة كل القضايا والمشاكل التي يعاني منها قطاع الاعلام الفلسطيني، لكن في الوقت ذاته ارى ان عقد مثل هذا المؤتمر قد يؤسس الى مرحلة جديدة في حياة هذا القطاع الذي بات عرضة للاستهداف والاستحواذ سواء من مراكز قوى داخلية او خارجية لا تدخر جهدا في انفاق ملايين الدولارات من اجل افساد عمله تحت مبررات التطوير والتدريب والتأهيل وما ينتج عنه من تفتيت للبنية الإعلامية الداخلية ومحاصرة كل وسيلة اعلام على حدا في خدمة أجندة الممولين المتعددة والمتنوعة. وفي المقام ذاته فانني لاشك لحظة واحدة بان الخلافات سوف تنشب حول طبيعة الجهة التي يجب ان تدعو وتبادر لعقد مثل هذا المؤتمر، واغراق الحالة الاعلامية بعشرات التساؤلات المتعلقة بتكاليف عقد مثل هذا المؤتمر،وطبيعة الجهات الداعمة لعقده، وطبيعة الجهات المستفيدة من عقده او افشاله والتنافس الحاد الذي قد ينشب في هذا الاطار. هذه الحالة من الخلافات والاختلافات قد تبدو واقعية في ظل الحالة التي نعيشها لان الصراع والتنافس لن يكون على استعادة ثقة الجمهور بالاعلام المحلي بقدر ما يكون السعي لاستعادة وتعزيز ثقة الجهات المانحة لهذه المؤسسة الإعلامية او تلك، لكن ما يجب ان يسعى اليه مثل هذا المؤتمر هو استعادة ثقة الإعلام المحلي بنفسه اولا انطلاقا من قناعة يجب تكريسها بان الإعلام المحلي وبمكوناته المختلفة قادراعلى امتلاك زمام المبادرة واثبات قدرته في عقد مئات المؤتمرات بدون بوسترات وبروشورات ولافتات وغيرها من المصاريف غير المبررة في حياة شعب كله ما زال يعيش رهينة لكل الاجندة باستثناء اجندته، وقادر على وضع ورسم سياسة إعلامية تخدم جمهوره وقضيته ووطنه، وتعزيز فكرة الخلاص الجماعي بدلا من تعاظم افكار الخلاص الفردي السائدة على المستوي الفردي او المؤسساتي. عن شبكة فلسطين الاخبارية http://www.miftah.org |