«حماس» تريد السلطة وليس الشراكة في المنظمة
بقلم: د.سمير غطاس
2008/11/8

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9897

يستهوي بعض الصبايا الصغيرات دس اقدامهن الغضة في حذاء الام او الشقيقة الكبرى. ويحدث الآن، على المستوى السياسي، شيء يكاد يشبه هذا الامر. فالشقيقة الصغرى حركة «حماس» تنشغل هذه الآونة بإدخال قدميها في حذاء «حزب الله»، وهى تسعى الى اعادة انتاج نفس ازمة الفراغ الرئاسي التي استنزفت لبنان لفترة غير قليلة، عندما جرى تعمّد تعطيل انتخاب رئيس جديد للبنان، بعد انصرام ولاية الرئيس اإميل لحود.

كانت «حماس» وفقاً للصيغة الفلسطينية لذات الازمة، قد اعلنت ان ولاية الرئيس الفلسطيني محمود عباس ابو مازن تنتهى منتصف ليلة 8/1/2009، وانها لن تعترف، بعد ساعة واحدة من هذا التوقيت بشرعية الرئيس ابو مازن، وانه وفقاً للنظام الاساسي سوف تنصّب رئيس المجلس التشريعي او نائبه رئيسا للسلطة ريثما تجري انتخابات رئاسية جديدة وهي اكثر من يعلم انها لن تجري ابدا ما دامت تحافظ على بقاء وضع الانقسام الراهن.

وهكذا، وبضربة واحدة، اطاحت حماس جانباً بكل القضايا الوطنية: السعي لنيل استحقاق الدولة المستقلة، ومواجهة تغوّل الاستيطان وقضم المزيد من اراضي الضفة وتفاقم عمليات تهويد القدس وتغير طابعها الديموغرافي والثقافي وترسيخ مداميك جدار الفصل العنصري.. وغيرها من القضايا المصيرية لتحل محلها على رأس جدول الاعمال الوطني قضية واحدة هي الفراغ الرئاسي عشية انتهاء الولاية الاولى للرئيس ابو مازن.

وهكذا يتأكد، لكل من لا يزال يخامره بعض الشك، ان حركة «حماس» ليست سوى مشروع آخر للسلطة، وان الاعتبارات السلطوية لديها تحجب كل ما عاداها من ادعاءات حول ما يسمى بمشروع المقاومة والممانعة. ومن المدهش حقاً ان تبدي حركة مثل «حماس» كل هذا التعلق بحرفية نصوص النظام الاساسي للسلطة الفلسطينية وهي التي كانت تنعتها الى ما قبل 2006 بسلطة الحكم الذاني وليس الذاتي، وكانت تصر على عدم الاعتراف بشرعيتها باعتبارها ولدت سفاحاً من الفراش الدنس لاتفاقيات اوسلو الشائنة.

ولما كانت اوسلو هي ماهي ولم يطرأ عليها اي تغيير فإن السؤال حينئذ يحال على حركة «حماس» بحثاً عن اسباب ودوافع تغيير مواقفها الشرعية والمبدئية من هذه السلطة.

وبما ان «حماس» تتمنع عن تقديم اي اجابة شافية عن مثل هذه الاسئلة، فإن فقه الاجتهاد والاستدلال يخيرنا بين نوعين على الاقل من الاجابات المنطقية، حيث يرى انصار النوع الاول منهما ان حركة «حماس» لم تغير موقفها البتة ولم تحد عنه قيد انملة، لأنها، مذ كانت نطفة في رحم حركة الاخوان المسلمين الذي ولدت منه، وهي تحمل مشروعاً وحيداً وواحداً هو الاستيلاء على السلطة والسعي لمرضاة الله بإقامة امارة اسلامية فلسطينية على درب استعادة الخلافة الاسلامية.

ويرى انصار هذا الرأي ان «حماس» كانت هكذا عندما رفضت شرعياً اعلان الجهاد والانخراط في المقاومة وناصبت فصائل منظمة التحرير الخصومة والعداء، وانها كانت هكذا عندما عقد مؤسسها في غزة اتفاقه الشهير مع عيزرا وايزمان عام 1979، والذي منحت اسرائيل بموجبه الترخيص للاخوان المسلمين في غزة للعمل من خلال مسمى «المجمع الاسلامي» في مقابل التعاون المشترك بينهما في مواجهة تعاظم دور منظمة التحرير في اوساط الشعب الفلسطيني (راجع شهادة المؤرخ الاسرائيلي الموغ بوكر في هآرتس 22/6/2007 «هكذا اقمنا حماس»). وقد تحدد من يومها وللآن دورها كبديل وليس كشريك لمنظمة التحرير. وربما لهذا السبب رفضت المشاركة في الانتخابات الاولى عام 1996 وردت سلباً على دعوة وجهها لها عرفات بالمشاركة في السلطة، واستخدمت العمليات العسكرية كتكتيك وليس استراتيجية بهدف إحراج عرفات وإفشاله، وكان الزهار وليس احداً غيره، هو من ردّ دعوة عرفات التي اعلنها يوم 21/2/2002 والتي قال فيها «انني اجدد التزامي وقف اطلاق النار وتطبيق خطة تنيت من اجل رفع الحصار الظالم المفروض على ابناء شعبنا في كافة انحاء الاراضي الفلسطينية»، فيما قال الزهار يومها «ان الدعوة لوقف النار هي دعوة مرفوضة ولا يوجد في ميثاق حركة حماس ما يوقف المقاومة ضد العدو الصهيوني ولو مؤقتاً».

ومعروف ان شارون اعلن منذ ولايته الاولى في آذار 2001 انه غير معني باسم التنظيم الذي يشن العمليات وانه سيرد على عرفات والسلطة. ولما استنفدت «حماس» اغراض المقاومة، جنحت الى التهدئة ولوحت لإسرائيل بمبادرة الهدنة طويلة الامد مقابل الاستمرار على رأس سلطة الامارة في غزة.

ويخلص انصار هذا الرأي الى القول إن الشبق الذي تبديه حماس للتعلق بالسلطة، حتى ولو كانت تحت الاحتلال، هو مجرد انكشاف لمشروعها الاصلي، وان كل تغيير حصل لحماس في هذا السياق، بما في ذلك المقاومة والممانعة، كان من قبيل المتطلبات التكتيكية التي تبرر السعي لتحقيق هدف الاستمساك بكل اركان هذه السلطة بما في ذلك بالطبع رئاستها.

وبالمقابل، ينهض رأي آخر يرى ان حركة «حماس» هي حركة براغماتية، وهي لهذا تنطوي وتتكيف وتتلائم مع الضغوط والظروف والمتغيرات، وانها كانت ترفض الاعتراف بشرعية السلطة عندما كان عليها ان تلعب دور الزاهد فيها، وانها بدأت في تغيير موقفها من السلطة فقط بعد ان اعلن شارون نهاية مدة صلاحية بوليصة التأمين على حياة كبار قادة «حماس» واقدم على تصفية واغتيال الخمسة الكبار منهم (ابراهيم المقادمة مسؤول التنظيم الخاص، واسماعيل ابو شنب مسؤل التنظيم وصلاح شحادة القائد العام لكتائب القسام والشيخ احمد ياسين الزعيم والمؤسس وصولاً للدكتور الرنتيسي الرجل الثاني في حماس).

وتأكيداً على الطابع البراغماتي «لحماس» لوحظ ان هذه الحركة لم تبادر ابداً للثأر او الانتقام لمصرع كل هؤلاء القادة التاريخيين، وانها غطت هذه العورة بحملة صاخبة من التصريحات التي توعدت اسرائيل بالويل والثبور وعظائم الامور والتي من اقلها واصغرها اغتيال كل قادة العدو الصهيوني واحراق الاخضر قبل اليابس في اسرائيل. وعوضاً عن البر والايفاء بهذه الوعود، قررت «حماس» تغيير وجهتها ودلفت بعدها الى حظيرة اوسلو نفسها، وتحولت الى تقديس عجل السلطة وافرطت في الدفاع عن الشرعية الدستورية والالتزام بها.

واياً كانت الاسباب التي دفعت حماس الى تغيير موقفها السابق من شرعية السلطة الفلسطينية، فانها تبدو الآن اكثر اصراراً على دسّ قدميها في حذاء «حزب الله»، والمضي قدماً في اعادة انتاج النسخة الفلسطينية المنقحة خاصتها من ازمة الفراغ الرئاسي التي كان شهدها لبنان من قبل.

تبدو «حماس»، من حيث المنطق والشكل، محقة تماماً في مطالبة الرئيس ابو مازن باحترام النظام الاساسي للسلطة والالتزام بالموعد المحدد لنهاية ولايته الاولى باعتباره واجباً يحتمه العقد الديموقراطي الذي ابرمه الرئيس مع الشعب الذي انتخبه قبل اربع سنوات، ومع ذلك فإنه يجب القول ايضا بأن الديموقراطية ليست سلعة انتقائية وانها نظام سياسي متكامل، وان الانتخابات ليست سوى احد اركان هذا النظام، لكن «حماس» تتعامل مع الديموقراطية فقط بما يخدم مشروعها للقبض على السلطة، وهي فيما خلا ذلك تدهس كل اركان النظام الديموقراطي تحت بساطير القوة التنفيذية وميليشيات القسام. وفي عام واحد فقط قتلت «حماس» برصاصها اكثر من مائة مواطن فلسطيني وارتكبت ما تورع حتى الاحتلال الاسرائيلي عن ارتكابه من جرائم بما في ذلك قصف البيوت على سكانها، وابتكار وسائل شيطانية لتعذيب المعتقلين وتعطيل القانون ورفعه من الخدمة ومنع دخول الصحف وتكميم افواه الصحافيين. ومن مفارقات الكوميديا السوداء ان تمنع «حماس» الصلاة بالقوة في بعض المساجد او في العراء بدعوى عدم تسييس الدين، ربما لانها هي الجهة الوحيدة التي تحتكر هذا الامر. ان اخطر ما تقدمه لنا تجربة «حماس» هو اختزال الديموقراطية فقط في العملية الانتخابية ومن ثم الانقلاب على كل مكونات واركان النظام الديموقراطي، ولا يجب ان يعني ذلك التراجع ابدا عن الانتخابات بكل ضمانتها من حيدة ونزاهة وشفافية، لكنه يعني في الوقت ذاته الحاجة الى ضرورة مراجعة المفاهيم التي تبثها التربية السياسية والتي تخلط عن عمد ما بين البيعة والانتخاب، وضرورة تحصين الديموقراطية بما يمنع استغلالها او الانقلاب عليها.

لكن ذلك كله، على اهميته، لا يبرر للرئيس الفلسطيني محمود عباس سلوكه المتلعثم في مواجهة مطالبة «حماس» له بالالتزام بموعد انتهاء ولايته الاولى، اذ لا يجب تحت اي ظرف السماح للقوى المعادية للديموقراطية ان تعتلي صهوتها او تقبض على زمامها وتنطق زوراً باسمها.

كانت بعض الاوساط المحيطة بابو مازن قد بدأت، ولا تزال، في تسريب عدة خيارات بديلة للالتفاف على استحقاق نهاية الولاية الاولى له في رئاسة السلطة الفلسطينية، وبعضها يجادل دستورياً في مطّ موعد نهاية هذه الولاية، واقترح آخرون منهم تبكير الانتخابات واجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة، فيما جرى تسريب اقتراح آخر يقضي بحل السلطة كلها وتفويض اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي يترأسها ابو مازن، بصلاحياتها والحلول مكانها. قد يكون من الممكن تمرير واحد من هذه البدائل او غيرها، استنادا الى سابقة بقاء عرفات كرئيس للسلطة من 1996 الى وفاته، والسوابق العربية الاخرى للتجديد والتمديد بالاستفتاءات او حتى بدونها.

لكن المسألة هنا لا تخص فقط تشكيك «حماس» في شرعية ابو مازن كرئيس للسلطة بعد يوم 8/1/2009، لأن «حماس» لم تلتزم اصلاً بهذه الشرعية قبل هذا التاريخ، وهي التي ضربت عرض الحائط بكل قرارات الرئيس، وقد تابع العالم كله استباحة ميليشيات حماس لمقر الرئيس وحتى مسكنه الشخصي بل ومساكن الشهداء ابو عمار وابو جهاد، وهي لا تزال تمنع حرس الرئيس ابو مازن من التواجد على معبر رفح فيما تملأ الدنيا صراخاً عن الحصار واغلاق المعابر.، والمسألة، الى جانب ذلك، تخص بالاساس نموذج الديموقراطية الفلسطينية التي تبشرنا به الدولة المستقلة حال قيامها.

ولا يجب السماح ابدا بخلط الاوراق هنا بين نموذج الدولة المدنية الديموقراطية، ونموذج الدولة الدينية الظلامية، فإما ان تكون الدولة الفلسطينية مدنية وديموقراطية بالكامل او لا حاجة للفلسطينيين انفسهم بها.

فالفلسطينيون في الضفة وغزة كانوا على مستوى الخلاص الاقتصادي الفردي احسن حالاًً بما لا يقاس تحت الاحتلال الاسرائيلي قبل انشاء السلطة، كانت بقيادة عرفات وابو مازن او بقيادة هنية والزهار. وان تكون فلسطين ديموقراطية بالكامل وقادرة على منافسة نموذج دولة الجوار العبرية او لا، يجب ان يفاجئنا موقف فلسطينيي 1948 البالغ عددهم في آخر احصاء صدر هذا الشهر اكثر من 1,440000 اذا ما فضلوا البقاء حيث هم حتى كمواطنين من الدرجة الثانية في كنف دولة اسرائيل على ان يعيشوا كمواطنين فلسطينيين ولكن مستعبدين وفاقدي الحرية والديموقراطية في نموذج مثل الذي قدمته لنا «حماس» في امارة غزة.

لقد اضاع ابو مازن يوم 8/10 فرصة نادرة لأن يدعو الى انتخابات رئاسية جديدة حسبما ينص النظام الاساسي للسلطة على ضرورة اعلان هذه الدعوة قبل ثلاثة اشهر من انتهاء ولايته حتى تقوم لجنة الانتخابات المركزية، المشهود لها بالكفالة والنزاهة بالاعداد لعقد هذه الانتخابات.

كان على ابو مازن، ولا يزال متاحاً امامه للآن، المبادرة الى اعلان قبول اي تحدي يتعلق بالاختيارات الديموقراطية، لأن الخلاف الحقيقي على الساحة الفلسطينية لم يعد ابدا خلافاً سياسياً، فالجميع وفي مقدمهم «حماس»، يقف تحت سقف التسوية وليس خارجها، ولذا فإن على ابو مازن ان يبادر من الان الى اعلان قبوله التحدي والعودة للاحتكام الى ارادة الشعب ولا يتهرب من هذا الاستحقاق كما تفعل حماس. ان مبادرة جديدة بهذا المعنى يمكن ان تكون مقرونة بطلب واضح لاستحضار مراقبين دوليين وعرب تحت راية الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية لتأمين سير العملية الانتخابية في الضفة وغزة معاً، والاعلان مسبقاً ان التصويت في هذه الانتخابات لا يخص فقط تجديد او نزع الثقة في شخص ابو مازن، وانما هو في ذات الوقت، تصويت من الشعب على الخيارات السياسية والمجتمعية لمنظمة التحرير مقابل خيارات حركة حماس وحكومتها.

لم يكن ينقص ابو مازن الجرأة عندما خاض انتخابات الرئاسة السابقة في 2004 وهو يطرح برنامجه بكل صراحة ومن دون حسابات شعبوية، لكنه اظهر بعدها قدراً غير قليل من التردد وعدم الحسم ولا معنى الآن لأي تلعثم او تردد من ابو مازن خاصة وانها ولايته الاولى ومن حقه الدستوري ان يترشح لولاية ثانية واخيرة وهو يتلقى الدعم والتأييد من نتائج استطلاعات الرأي التي اظهرت في 6/9 الماضي ان 79% من الفلسطينيين يفضلون استراتيجية حركة فتح لتحقيق المصالح الوطنية العليا، وان الثقة في ابو مازن ارتفعت الى 78%، واظهرت نتائج استطلاع آخر اعلنت في 6/10 ان 48% سيدلون بأصواتهم لمرشح «فتح» مقابل 11% لمرشح حماس و17% لمرشح آخر، فيما لم يحصل هنية سوى على تأييد 6% اذا رشح نفسه مقابل ابو مازن وحصل الزهار فقط على 1%. ومن دون الارتكاز كثيرا على هذه النتائج فانه يكفي القول بأن حركة «فتح» عادت وفازت بالانتخابات الطلابية في جامعة الخليل معقل حماس بعد 24 عاماً من سيطرة حماس على مجلس طلابها، كما فازت بالاغلبية ايضاً في جامعة بيرزيت بعد 14 عاماً من سيطرة «حماس» على مجلسها، واذا كانت «حماس» تسخر من هذه النتائج وتزعم انها لا تزال تحظى بالغالبية في الشارع الفلسطيني فليس امامها الا ان تعود فتحتكم عملياً الى قواعد اللعبة الانتخابية وتقبل التحدي وتطرح نفسها مجدداً لنيل ثقة الناخبين.

ولما لم يكن من الممكن انهاء وضع الانقسام وفصل غزة وعزلها عن الضفة الغربية بالوسائل العسكرية، او العنيفة، فإنه ليس هناك من خيار آخر سوى العودة للاحتكام الى ارادة الشعب. ان رفع هذا التحدي ليس لازماً فقط لوأد الفتنة واعادة انتاج ازمة الفراغ الرئاسي التي عانها لبنان على يد الشقيقات الكبريات «لحماس»، وانما هو خيار ضروري ولازم لابو مازن وللفلسطينيين كما هو لازم ايضاً لكل القوى الديموقراطية وانصار المجتمع المدني ودولة المواطنة في مواجهة الدولة الدينية الاستبدادية.

عن صحيفة المستقبل اللبنانية

http://www.miftah.org