التفاؤل السياسي
بقلم: د. ناجي صادق شراب
2008/11/26

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9948

سألني صديق: هل ما زلت متفائلا؟ قلت له نعم. رد عليّ بدهشة، وهو محق بها: وكيف ذلك وكل شيء في حياتنا يدعو للتشاؤم والفشل؟ وأضاف: حتى الأمل في الحوار والخروج من حالة الإحتباس السياسي ذهبت حتى قبل أن يجتمع السياسيون وقادة الأحزاب الفلسطينية، فكيف لو إجتمعوا؟

قلت له أنت محق في تشاؤمك، وأنا أيضا محق في تفاؤلي. وحتى أهدئ من قلقه وأمني نفسي أنني فعلا على حق، قلت له الإنسان المسلم المؤمن بطبيعته إنسان متفائل ويؤمن في النهاية بما قد قسمه الله لنا من خير أو شر.. قاطعني وقال: الله لا يفعل إلا الخير، أما الشر فهو من صنع الإنسان.

قلت له: للمرة الثانية أنت غلبتني في هذا، لا يجب أن نضع فشلنا على أمور قدرية، الله خلق الإنسان ومنحه العقل الذي ميزه عن كل المخلوقات، وميزة العقل ان تفكر وتميز بين ما هو صواب وما هو خطأ، والعقل البشري لا يكتمل إلا بمشاركة الجميع، وأقصد التخلي عن فكرة الرأي الأوحد السديد الذي قد يأتي من الحاكم أو المعلم.. الرأي الذي لا يخطئ.. التفاؤل والتشاؤم كليهما شكل من أشكال الثقافة وإنعكاس لعملية التنشئة التي يتعرض إليها الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة، فالإنسان المتشائم يعكس حالة تنشئة تفتقد إلى القدرة على التفكير والإبداع والتأمل وإعمال العقل فيما خلق من اجله، والتشاؤم يدعو إلى الإحباط وعدم القدرة على الحركة والتغيير، وهو سلوك قد يدفع في إتجاه الإنتحار الذاتي، لأن الإنسان المتشائم لا يملك هدفا لحياته، ويتحول إلى أداة طيعة في يد غيره، فهو كمن سلب القدرة على الحركة وبالتالي تحركه أيادٍ أخرى كمسرح العرائس، ويستسهل أن يتلقى ما يقال له من معلومات حتى لو كانت مغلوطة، ويريح نفسه من التفكير والتمييز بين ما هو صائب وما هو خاطئ، هذا والإنسان المتشائم يتحول إلى مجرد رعية أو مجرد رقم في يد الراعي وهو الحاكم أو قادة الرأي والفكر وقادة الغوغائية الذين يستخدمون عصاهم حتى لا تخرج الرعية عن الطريق المرسوم لها. التشاؤم نقيض للفطرة البشرية السليمة، نقيض للأمل والتغيير الإيجابي، ونقيض للبناء والتعمير وهذا أحد أسباب خلق الله للإنسان، هذا الإنسان وظيفته الأساسية التعمير والبناء وليس التدمير والقتل. أعود إلى موضوع التفاؤل السياسي، وهذا التفاؤل هو جزء من حالة التفاؤل العامة التي يعيشها الإنسان، وتجد جذورها في العديد من المكونات التي يكتسبها عبر مراحل تنشئته المتعددة.. قد تستمد من التربية الدينية الصحيحة، فالدين يقدم منظومة من قيم التسامح والمحبة والتعاون والنجاح والتفكير العقلاني ورفض كل أشكال الظلم الإنساني، وكل أشكال القهر السياسي، ويستمد التفاؤل جذوره أيضا من النجاح في الحياة وفي العمل أيا كان نوع العمل ومستواه، ويأتي من الرضا النفسي ومن التربية الأسرية السليمة، ومن عوامل إقتصادية وإجتماعية وسياسية.

وفجأة قاطعني بسؤاله المشروع: كيف يمكن لأنظمة حكم إستبدادية تسلطية، عنفية قهرية أن تخلق التفاؤل السياسي؟

قلت له: هذا صحيح، أنظمة الحكم غير العادله الظالمه القهرية البوليسية تقتل كل رغبة في التغيير والأمل لدى الإنسان وتحوله إلى إنسان ممسوخ، مقهور، وهذا صحيح من كل جوانبه، فمثل هذه نظم تعتمد في قهرها للإنسان على أداتين قهريتين الأولى الجهاز الأمني البوليسي الذي يعتمد على القهر والكبت وإجهاض الحريات والحقوق التي ولدت مع الإنسان.. والأداة الثانية التحكم في وسائل الرزق والدخل حتى يتحول الإنسان إلى عالة على الحاكم.

بهاتان الأداتان يتحكم الحاكم التسلطي بحياة الناس ويحرمهم حتى من التنفس الطبيعى الحر، وهذه الحالة هي أحد أهم الأسباب التي تفسر حالة التخلف التي نعاني منها، فكيف لإنسان مقهور أن يبدع وينتج ويغير ويعمر، فبيئتنا السياسية بيئة طاردة للعقل الإنساني المبدع.. هذا الربط بين طبيعة النظام السياسي التسلطي وفقدان القدرة على التفاؤل السياسي علاقة صحيحة، لكنها في نفس الوقت، وإذا ما سلمنا بها وقبلنا بها، سوف تجعلنا بلهاء غير قادرين على التفكير والتغيير السليم.

عدت وسألته: أليس من صالح الحاكم أن نبقى غير متفائلين مقهورين حتى في بيوتنا الصغيرة حتى يضمن إستمرار حكمه؟ قال: نعم. قلت له أقصد بالتفاؤل قدرة هذا الإنسان أن يغير الظلم من حوله إلى عدل، وقدرته على حماية حرياته وحقوقه التي أقرها الله في كل كتبه السماوية، فكيف يمكن للإنسان أن يسلم ويستسلم بهذه الحقوق لشخص الحاكم أو نظام الحكم المتسلط؟ من هنا التفاؤل مطلوب وهو قوة الدفع الذاتية الكامنة في النفس البشرية والقادرة على إسقاط هذه النظم.

وحتى لا أكون خياليا فيما أقول فالتاريخ البشري مليء بالأمثلة على إمبراطوريات وأنظمة حكم فاسدة وظالمة قد سقطت بفعل قدرة أبنائها على التغيير، وبدون هذا التفاؤل في التغيير لا يمكن ان نبني نظمنا السياسية العادلة والحاضنة لأبنائها. هذا ما أقصده بالتفاؤل السياسي.

إنتهى الحوار بوعد منه أن يحارب أولا التشاؤم في داخله ثم في داخل أفراد أسرته حتى تكتمل قدرة المجتمع على بذر بذور التفاؤل في نفوس أبنائنا، وهذه هي البداية للتقدم والنجاح ومحاربة الظلم والفشل.

عن شبكة أميين الاخبارية

http://www.miftah.org