هموم الكتابة والكتاب: بين الثقافة والسياسة
بقلم: د. فيحاء عبد الهادي
2008/11/26

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9952

تلقيت مكالمة هاتفية، من شابة تعمل في واحدة من المؤسسات النسوية، تطلب مني كتابة مقالة حول"المرأة والثقافة"، لمجلة نسائية تصدرها المؤسسة. ولما أجبت بانشغالي هذه الفترة بإنجاز كتاب، يستهلك وقتي كله، بالإضافة إلى المقالات، التي ألتزم بكتابتها لصحيفة "الأيام"، ومجلة "دبي الثقافية"، منذ أعوام؛ ألحَّت الصبية بقولها: كل ما أطلب مقالة من صفحتين أو ثلاث. ولما أجبت بإمكانية نشر مقالة قديمة من مقالاتي، حول الموضوع؛ أجابت الصبية بأن المجلة ترغب في نشر مقالات تكتب خصيصاً للمجلة.

بعد تكرار اعتذاري، شارحة أن المقالة من صفحتين أو ثلاث، تستهلك جهداً وإعداداً ووقتاً؛ سألت الصبية عن تقدير المجلة المالي لجهد الكتاب؛ فأجابتني: نحن ندفع مكافأة رمزية للمقالة. لم أعلِّق؛ لأن الصبية ليست مسؤولة قطعاً عن سياسة المجلة، وسياسة عديد من الصحف والمجلات، التي تفرد من ميزانيتها مكافأة هزيلة للكتاب.

أحسست بالإهانة الشخصية، ككاتبة، تعرف ماذا تعني الكتابة، وما هي هموم الكتابة، وتعرف ماذا تعني الكلمة المسؤولة. ليست المسألة في المبلغ المالي المتواضع، الذي يرصد للكتاب، تحت بند: مكافأة رمزية؛ وإنما في الاستهانة بالجهد الفكري، الذي يبذله الكتاب، الذين يحترمون القراء، ويحترمون الكتابة، ويحترمون أنفسهم، حتى لو كتبوا صفحة واحدة.

وتساءلت: هل الكتابة فعل رمزي؟ يضاف إلى رموز الشعب الفلسطيني السياسية، أم هي جهد فكري وعلمي، يستهلك طاقة الكتاب، وأوقاتهم، وأعصابهم؟ وكيف يمكن أن يبدع الكتاب، دون أن تحترم كتابتهم وتقدَّر؟ أين العمل النقابي الذي يدافع عن حقوقهم، ويحترم كتاباتهم، ويصونها من القرصنة والتزوير، ويقدِّر إنتاجهم الفكري؟

أين الوجود الفاعل للاتحادات الشعبية الفلسطينية؟ التي نسيت أو تناست، أن عملها الأساسي هو العمل النقابي؟ أين اتحاد الكتاب الفلسطينيين؟ هل يؤمن حقيقة بالربط بين السياسة والثقافة والعمل النقابي؟ هل تاه، ونسي مهمته في تمثيل الكتاب، وتبني قضاياهم، والدفاع عن حقوقهم؟ وأين الرقابة على عمل المؤسسات الشعبية، أين الأصوات التي تتبنى بشكل موسمي، تفعيل مؤسسات "منظمة التحرير الفلسطينية"؟ هل يرتفع صوتها بوجوب تفعيل هيئات المنظمة، عندما تواجه تحدياً داخلياً فقط؟ ما الذي يمنعها من عقد مؤتمر الاتحاد العام للكتاب الفلسطينين؟ من المستفيد من تعطيل عمل الاتحاد؟ أليس اتحاد الكتاب وجه فلسطين الإبداعي، ووسيلة تواصلها الثقافي مع العالم؟

وكيف نكرِّم مبدعينا؟ هل نتذكَّرهم بعد وفاتهم، أم نكرِّمهم ونقدِّر إنتاجهم في حياتهم؟ وكيف نفعل ذلك؟

أين المؤسسات الثقافية المعنية بحقوق المؤلف/ة، حيث احترام إبداع الكتاب، والصحافيين، والمترجمين، والموسيقيين، والفنانين التشكيليين، والسينمائيين، والمصورين الفوتوغرافيين، وغيرهم من المبدعين/ات؟

ولم لا يشكِّل الكتاب والمثقفين، جبهة ضغط، على مؤسسات الدولة، من أجل احترام العمل الإبداعي، بصنوفه كافة، ومكافأة المبدعين/ات بما يستحقون؟ لم لا نضغط من أجل ضمان تفرّغ عدد من المبدعين/ات للإنتاج الثقافي؟ هل ننتظر أم نبادر؟

ما هي العلاقة بين الثقافة والسياسة؟ هل هي علاقة تكامل أم تبعية؟ هل تقود الثقافة السياسة؟ أم تسيطر السياسة ـ بالمعنى السطحي- على كل ميادين الحياة، وتخنق الثقافة؟ أعتقد أن الإجابة تتطلَّب تعريف الثقافة، وتعريف السياسة، ومجال عمل كل منهما.

وإذا كانت الثقافة تعبِّر عن سمات المجتمع الروحية، والمادية، والفكرية، والعاطفية، التي لا تشمل الفنون والآداب فحسب؛ بل تشمل حقوق الإنسان، وقيم المجتمع وتقاليده؛ فتتغلغل في ميادين الحياة كافة؛ فهي تلتقي مع السياسة، بمفهومها الواسع، الذي يلغي الفروق بين العام والخاص، ويتغلغل بدوره في الحياة اليومية للناس، وشؤونهم، فالسياسة ليست حكراً على محترفي العمل السياسي، والثقافة ليست حكراً على الكتاب والمبدعين؛ بل إن الثقافة والسياسة هما شأن يهمّ المجتمع بأسره.

هلاّ نتحاور حول مفاهيمنا، ورؤانا؟ حتى نضع أيدينا على الجرح، وحتى نستطيع استنهاض عوامل تقدمنا؛ فنكسر أغلالنا، وقوالبنا الجامدة، وننطلق نحو عالم أكثر رحابة وغنى.

http://www.miftah.org