الملهاة والمأساة معاً
بقلم: أمجد عرار
2008/11/27

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9958

يحق لكل فلسطيني في أي مكان أن يشعر بالغضب والأسى والخجل من تزامن المأساة والملهاة على مسرحين فلسطينيين، مسرح قطاع غزة ومأساة الحصار المفجع والمريع وتبعاته الانسانية الفظيعة وغير المسبوقة، ومسرح الضفة الغربية وكوميديا المناكفة والرموز الساطعة للسيادة المفقودة. في غزة، لم تعد المؤسسات الانسانية الدولية قادرة على إيجاد التعبيرات الملائمة لوصف الحالة، واستنفدت من قاموس اللغة كل مفردات التحذير والمناشدة والتوسل وقرع أجراس الخطر.

المخابز توقفت عن انتاج العيش، والمطاحن لجأت لسيادة القمح المخصص لعلف الحيوانات ووافق مشكوراً على أن يصبح خبزاً ل “البني آدميين” المنتظرين أي خبز والسلام، لأن الأطفال لا يفهمون ما يدور حولهم ولا يحتكمون سوى لغريزة الجوع، وماذا ينفع الخبز إذا كانت المستشفيات الخالية من الادوية والممنوعة من الكهرباء لفترات طويلة قد تتحول إلى مقابر جماعية؟

غزة، أيها السادة، لا تقوى على الصراخ، جفّف الحصار حتى مآقي الدمع ولم يعد لديها دموع للبكاء، لم يعد أمامها من خيار سوى التوسل، ولأنها لم تعد تملك من مقومات الحياة سوى الكرامة فإن هذا الخيار خط أحمر. غزة يئست، مثلما أمها فلسطين، من استيقاظ النخوة العربية الموزعة بين قنوات التطبيع المجاني ومقاهي الإنترنت وصالات الرقص الذي جردوه حتى من شرقيته، فأضحت الأجساد تهز غربياً.

غزة لم تعد تنتظر أن تتداعى بقية الجسد العربي والإسلامي بالحمى والسهر، وهي تلتمس “العذر” لأمة منشغلة بأولويات أخرى. أُليست هناك معارك مذهبية بحاجة إلى الحسم أولاً؟ ألا يحتاج العديد من مستجدات الحياة والعولمة إلى حسم ومواقف قاطعة وفتاوى مانعة؟

غزة ياسادة، مثلما هي أكبر من حماس وفتح وكل الفصائل، هي أكبر من الوصف، وواقع مستعصٍ على اللغة، لكن لغة الضفة الغربية تستعصي على الواقع. فهنا تتذكّر منظمة التحرير الفلسطينية، التي تنبه البعض أخيراً لأهمية سيفها في المناكفة الداخلية، أن منصب رئيس دولة فلسطين (أين هي؟)، قد أصبح شاغراً، ولأن الشغور يستدعي الملء، انتخبت رئيساً عبر مجلسها المركزي الشقيق الأصغر للمجلس الوطني، ولأنني مواطن “فهمي على قدي” ومازلت أملك حاسة النظر، أريد من أي إنسان أن يريني أين هي الدولة، أين سيادتها وجيشها وما حدودها ومعابرها ومياهها الإقليمية واقتصادها.

كفانا هذا المزج الاعتباطي بين المأساة والملهاة، فهذا المزج بين الضدين جميل على المسرح، لكنه قبيح في الحياة، وبخاصة في السياسة، فبالله عليكم هل جناح غزة قادر على المساهمة بنصيبه من قدرة طير الوطن على الطيران، وهو مكسور بالحصار وعار الصمت ومفعول الفتنة وذل النتف اليومي لريشاته؟

عن صحيفة الخليج الاماراتية

http://www.miftah.org