تأجيل الحوار الفلسطيني: مؤشر تشاؤم وفشل أم محفز نجاح وأمل؟!!
بقلم: د. أيوب عثمان
2008/12/4

الموقع الأصلي:
http://www.miftah.org/display.cfm?DocId=9976

لم يكن تأجيل الشروع في الحوار الفلسطيني الفلسطيني برعاية مصرية مفاجئاً لي على الأقل، وذلك لقناعتي اليقينية أن القواسم المشتركة لمصالحة فلسطينية داخلية جادة لم تكن حاضرة، فضلاً عن أن ما بذل من جهد في هذا السبيل لم يَرْقَ بعد إلى الحد الذي يجسر الهوة بين الفريقين المتصارعين ويهيئ الأوضاع إلى إنضاج المصالحة، ولذلك شواهد وأسباب متنوعة أذكر منها ما يأتي:

1) عدم التئام اللقاء الثنائي الذي كان مقرراً عقده في الخامس والعشرين من أكتوبر بين "فتح" و"حماس" وعدم قيام الراعي المصري بدوره في عقد ذلك اللقاء.

وحيث تم التوافق على عقد ذلك اللقاء برعاية مصرية ثم تمت إعاقته للتركيز على عقد اللقاء الشامل، فإنما أريد من ذلك وضع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية مجتمعة في صف واحد في مواجهة "حماس"، على الرغم من أن الإشكالية التي يعاني منها الوطن كله هي في الأصل بين "فتح" و"حماس" أو بين السلطة التي عنوانها "فتح" مع "حماس" وليست بين "فتح" ومنظمة التحرير. وعليه، فإن رفض "فتح" أو السلطة التلاقي المبدئي مع "حماس" والإصرار على الحوار الشامل من شأنه أن يؤدي إلى تكريس حالة الانقسام وخلق حالة اصطفاف جديدة مع أحد ضد أحد آخر في الساحة الفلسطينية. وحيث إن الخلاف هو بين "فتح" أو السلطة و"حماس"، فقد كان على كل القوى الفلسطينية أن تقف – انطلاقاً من حرصها وغيرتها الوطنية – على نفس المسافة بين الطرفين إذا أرادوا أن يكونوا جسماً مانعاً للاقتتال بينهما وجامعاً لهما.

نعلم جيداً أن القوى الفلسطينية لديها مخاوف من تكرار تجربة المحاصصة المكية، وهي مخاوف مشروعة، ولكن يمكن لهم أن يعبروا عن هذه المخاوف بعد أن يكونوا قد رفعوا صوتهم عالياً لإنهاء القطيعة والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ذلك أنه ليس مفهوماً بالمرة إلقاء اللوم على من يتمسك بحقه في الدفاع عن معتقليه والمطالبة بالإفراج عنهم. أما الذين يؤيدون مشاركة كل فصائل منظمة التحرير في الحوار الداخلي الشامل مع معارضتهم الالتئام في حوار ثنائي بين "فتح" و"حماس"، فإنهم لم يكونوا قد أخذوا في الاعتبار حقيقة تمثيل تلك الفصائل وحقيقة وجودها وتواجدها في الساحة الفلسطينية، ومدى تأثيرها على المشهد السياسي الفلسطيني.

وحيث إن الحوار الثنائي التمهيدي هو للمساعدة في إعادة ترتيب الصف الداخلي، فإن مشاركة الفصائل والقوى في الحوار كان يجب أن تكون بحسب أحجامها ووجودها وتواجدها وقدرتها على تمثيل قاعدتها والتعبير عنها. فنحن لو أتينا – على سبيل المثال – لنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، فإننا نجد أن "فتح" و"حماس" تمثلان أكثر من 90% من المجلس التشريعي بينما باقي الفصائل لا تمثل مع المستقلين في قوائمها نسبة كبيرة، فالجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وفدا ومستقلون أيضاً حصلوا وهم مجتمعون على مقعدين اثنين فقط، وهو ما نسبته 1.5%، فيما حصلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على ثلاث مقاعد فقط، وهو ما نسبته 2% فقط، فيما حقق الطريق الثالث 1.5% فقط، كما حققت قائمة فلسطين المستقلة 1.5%، علماً أن القائمتين الأخيرتين (الطريق الثالث وفلسطين المستقلة) ليستا من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. والجدير ذكره هنا هو أنه لو لم تتحالف الجبهة الديمقراطية، مثلاً، مع حزب الشعب وفدا والمستقلين في قائمة واحدة لما تمكنوا – مجتمعين – حتى من تحقيق نسبة الحسم! ولو لم يتحالف مصطفى البرغوثي وراوية الشوا في قائمة فلسطين المستقلة لما نجحا، ولو لم يتحالف سلام فياض وحنان عشرواي لما نجحا هما أيضاً! تلك هي حقيقة التمثيل النيابي عندنا. لكننا لاننسى أن هناك فصيلاً واحداً صغيراً اليوم بعد أن كان في الأمس القريب كبيراً، بل كان الأكبر بعد "فتح" وهو الجبهة الشعبية، قد نجح بجدارة، وإن بثلاثة مقاعد فقط. لكننا لو أغمضنا الأعين عن التحالفات التي أشرنا إليها لقلنا تجاوزاً: لا بأس في أن تشارك الجبهة الديقراطية وحزب الشعب مثلاً في حوار القاهرة، إضافة إلى الجبهة الشعبية، أما الذين غيبهم الشعب الفلسطيني، حيث لم يشر إليهم ولم يخترهم في الانتخابات الأخيرة فلماذا يشاركون في حوار القاهرة؟ ومن سيمثلون؟ أم أنها زيادات عددية فصائلية لتكريس الحالة الاصطفافية؟! إن احترام كل فصائل المقاومة هو أمر واجب، لكن احترام خيار الشعب الفلسطيني هو الأمر الأكثر وجوباً.

لذلك، فإن رأي الذي يصوت لهم الشعب بنسبة 5% مثلاً لا يمكن أن يُحتج به في مواجهة من أيدهم أكثر من 90% من الناخبين. إذاً، فمن غير المقبول ومن غير المنطقي ومن غير المعقول ومن غير الأصول أيضاً أن يُساوى بين فصيل فشل في أن يحصل على أي تأييد شعبي أو ذلك الذي لم يستطع الحصول إلا على مقعد واحد أو اثنين أو ثلاثة أو حتى عشرة أو عشرين وفصيل آخر حصل على 77 أو 45 مقعداً. ما أعنيه هو أن أصوات الفصائل لابد وأن تُحتسب طبقاً لثقل أوزانها في شارعنا كي يكون ذلك انعكاساً صادقاً لنبض الشعب وتعبيراً واقعياً عن إرادته. وعليه، فإننا ندعو الإخوة في مصر الشقيقة إلى إعادة ترتيب الأمر انطلاقاً من الحجم والفعل على الأرض والحضور الفكري والثقافي والسياسي والقدرة على الإسهام والمشاركة.

2) الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية وعدم مبادرة الرئيس بعمل يتم من خلاله سحب الذرائع من "حماس".

3) التسابق الإعلامي نحو التحريض المتبادل.

4) رفض الجبهتين الشعبية والديمقراطية الانضواء تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية في حوار القاهرة الذي كان مقرراً عقده في التاسع من نوفمبر، وتصوير بعض الأطراف للخلاف وكأنه بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما عارضه فاروق القدومي وكثيرون مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية.

5) تمتع بعض الشخوص من نوع ياسر عبد ربه بمساحة قيادية كبيرة يعمل من خلالها ضد الحوار وضد التئامه وضد إنجاحه. وهنا أقول للرئيس أبو مازن: ليس الرجل المناسب هو ياسر عبد ربه يا سيادة الرئيس.

6) استمرار النواب في السجون الإسرائيلية دون أن نرى حمأة رئاسية على ذلك، وكأن الحياد سيد الأحكام.

7) عدم مبادرة أبو مازن بصفته رئيساً منتخباً بالانتقال إلى غزة وقت الاقتتال وبعد الانقسام وحتى اللحظة، الأمر الذي زاد وما يزال يزيد الانقسام اتساعاً، وهو ما يحسب على أبي مازن ولا يحسب له في أي حال.

8) الدور الصهيوأمريكي في إجهاض الحوار الفلسطيني، وقد أكد على ذلك غير مرة، وفي أكثر من مناسبة، الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح، عزام الأحمد، وكثيرون آخرون.

9) غموض الموقف المصري فيما يتصل بالملاحظات المقدمة من الفصائل الفلسطينية حول الورقة المصرية. فكلما كان موعد لقاء المصالحة يقترب من التاسع من نوفمبر، كانت الأمور تزداد غموضاً حول الحوار وأهدافه وأسبابه الحقيقية وآلياته. لقد كان الإعداد للحوار يتم وسط كم كبير من الغموض، حيث لم يكن أحد يعلم عن الترتيبات والآليات التي أعدتها القاهرة. فمن مشاهد الغموض في الموقف المصري أن اللقاء الثنائي الذي كان متفقاً على عقده بين فتح وحماس برعاية مصرية في 25/10/2008 قد تضاربت الأقوال في شأنه حيث استمر الحمساويون الرسميون يؤكدون عليه فيما واصل الفتحاويون الرسميون ينفون حدوثه.

10) وما دمنا في مجال الغموض، فإن موقف بعض الفصائل قد كان هو الآخر غامضاً أو ليس واضحاً على الأقل، فليس كافياً أن تصدر الفصائل بيانات تتحدث فيها عن تحريم الاعتقال السياسي ثم تصمت. لقد كان ينبغي لها أن تعلن عن عدم مشاركتها في حوار التاسع من نوفمبر ما لم يفرج عن جميع المعتقلين السياسيين.

لكن الذي حدث هو أنهم حرموا الاعتقال السياسي لفظاً، فيما حللوا لأنفسهم السفر للمشاركة في حوار تجاوز تجريمهم وتحريمهم اللفظي للاعتقال السياسي وقاموا في الوقت نفسه بتخطئة حماس لأنها قاطعت الحوار، مستندين في ذلك على أن استمرار الاعتقالات السياسية في الضفة الغربية لا يبرر لحماس مقاطعة الحوار.

أما أنا فأقول: إذا كان البعض يقول إن حماس اتخذت من موضوع المعتقلين السياسيين مشجباً تعلق عليه أسباب مقاطعتها الشكلية للحوار لتخفي وراءها الأسباب الحقيقية لهروبها منه، فلماذا لا يُسَد، إذن، باب الذرائع في وجه "حماس" ولماذا لا يكسر هذا المشجب الذي تعلق عليه "حماس" أسباب مقاطعتها فيطلق صراح المعتقلين السياسيين جرياً على المثل القائل "لاحق العيار لباب الدار"؟! وفيما يتصل بموقف بعض الفصائل الذي أصفه بالغموض أو عدم الوضوح، فإنني أشير إلى موقف الجبهة الشعبية الذي عبر عنه القيادي البارز فيها الدكتور رباح منها بقوله: "نرفض أن تبقى الورقة المصرية كما هي... يجب الإفراج عن المعتقلين السياسيين...لن نذهب إلى بيت الطاعة"، كما أشير إلى موقف الجبهة الديمقراطية الذي عبر عنه القيادي البارز فيها عبد الحميد أبو جياب بقوله: "حتى نسهل الحوار، لابد من تبييض السجون من كل المعتقلين السياسيين وتحريم الاعتقال السياسي... يجب أن تكون هذه المواضيع موضع توافق وطني قبل الحوار" والسؤال الآن: أين موقف الجبهتين العملي من الكلامي؟! الموقف الكلامي لهما متطابق تمام التطابق مع حماس، لكن موقفهما الفعلي والميداني مختلف تماماً بدليل أن وفدي الجبهتين قد غادرا إلى القاهرة. الله أكبر! "أسمع كلامك يعجبني أشوف عمايلك أتمخلل"! لقد عبرت مصر عن تفهمها لملاحظات حماس فيما يتعلق بتهيئة الأجواء قبل الحوار والإفراج عن معتقلي المقاومة في الضفة الغربية ومن بينهم معتقلو حماس. وهنا يمكن القول إن مصر إما أنها لم تقم بالدور الذي أعلنت عن استعدادها للنهوض به بصفتها راعية للحوار أو أنها لم تمارس الضغط المطلوب على الرئيس عباس أو أنها لم تتمكن من ممارسة ضغط أكبر عليه أو أنها مارست بالفعل ذلك لكنه لم يسمع ولم يستجب.

11) الحوار الجاد له استحقاقاته والتي من بينها في السياق الذي نحن بصدده ألا يكون معتقلون سياسيون سواء في غزة أو في رام الله. وفي هذا السياق، فقد أكد مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان وجود مئات المعتقلين السياسيين في سجون الأجهزة الأمنية بالضفة الغربية، داحضاً بذلك نفي رئيس السلطة عن وجود معتقلين. هذا، وقد اعتبر مدير مؤسسة الضمير في تصريحات صحفية يوم السبت 8/11/2008 إعلان الرئيس التزامه بالشق الأمني من خطة خارطة الطريق بمثابة اعتراف صريح بأن هناك معتقلين سياسيين في الضفة الغربية، منبهاً إلى أن المؤسسات الحقوقية تملك توثيقاً باسم المئات من المعتقلين السياسيين.

12) شعور حركة "حماس" أن الحوار الذي كان مقرراً عقده في 9 نوفمبر ربما لم يكن إلا بغية تمديد ولاية الرئيس أبو مازن، وهو ما لا تجد حماس – حسب قولها – إشكالية بصدده في سياق توافق وطني. إن حركة "حماس" تخشى من استغلال بعض الأطراف العربية لجولات الحوار لدعم تمديد ولاية الرئيس، لاسيما وإن هناك بعض القوى الإقليمية والدولية تطلق دعماً لا حد له ولا قيد عليه للرئيس محمود عباس سواء كان الوضع قانونياً أو غير قانوني، وموقف هذه القوى من وجهة نظر "حماس" أنها لا تولي أي أهمية تذكر للأبعاد الدستورية أو القانونية أو الأخلاقية لمسألة الولاية الرئاسية، والدليل على ذلك ما حدث في اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل يومين.

13) الورقة المصرية للحوار الفلسطيني تمثل – حسب عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" محمد نزال – وجهة نظر الرئيس عباس، الأمر الذي دفع حركة "حماس" إلى إبداء تحفظاتها وملاحظاتها عليها إلى الإخوة المصريين الذين استجابوا لبعض الملاحظات فيما لم يستجيبوا لأمور مهمة منها: الإفراج عن المعتقلين السياسيين – مشاركة حماس من الضفة في حوار القاهرة – حضور الرئيس ومشاركته في جولات الحوار.

14) التنسيق التام بين "حماس" والجهاد والجبهة الشعبية (القيادة العامة) والصاعقة في اتخاذ القرار بشأن مقاطعة الحوار.

15) وفي سياق معيقات الحوار الفلسطيني الفلسطيني، فلعل أحداً لا ينسى أو يتناسى وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني وهي تقول لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الأوسع انتشاراً بين الصحف الإسرائيلية في 5/11/2008 إنه إذا أسفرت حوارات الفصائل عن اتفاق ينهي الخلاف بين فتح وحماس، فإن إسرائيل ستوقف المفاوضات مع السلطة إلا إذا تضمن الاتفاق قبول حماس بشروط الرباعية التي تتضمن وقف المقاومة والاعتراف بإسرائيل.

16) الورقة المصرية: جاءت المسودة المصرية المقترحة لإطلاق موكب الوفاق الوطني الفلسطيني عموميةً تحمل مبادئ وعناوين وأفكاراً عامة، دون آليات تنفيذية أو حيثيات أو مسوغات تفصيلية، متضمنة في سطورها القليلة، وبين كلماتها المعدودة، ما يفتح الشهية على قراءة نصِّية نقدية أوجزها في الآتي:

1) إن الدعوة التي وجهتها مصر للمشاركة في الحوار لم توجه إلى كل التنظيمات والفعاليات والقوى الفلسطينية، وهو ما كان ينبغي له أن يحدث، لاسيما إذا تذكرنا – على سبيل المثال لا الحصر – أن الأكاديميين الفلسطينيين وأساتذة الجامعات لم يدعوا إلى ذلك الحوار!!!

2) أكدت الورقة المصرية على تجريم الاعتقال الداخلي، دون أن نفهم عما إذا كان الاعتقال السياسي الذي ينبغي تحريمه وتجريمه هو الاعتقال الداخلي!

3) أشارت الورقة المصرية إلى احترام الشرعية، دون التأكيد على احترام الشرعية باعتبارها كلاً لا يتجزأ، حيث هناك شرعية مقاومة الاحتلال، وشرعية م.ت.ف.، والشرعية الرئاسية (طبقاً للدستور)، والشرعية النيابية (طبقاُ للدستور) أيضاً.

4) أشارت الورقة المصرية إلى "مبدأ المحاصصة"، دون التفريق بين محاصصة مقيتة تعني القسمة والتقاسم، ومحاصصة منطقية تستند على الحجم وتعبر عن الحضور في المشهد وقوة الفعل على الأرض.

5) أجازت الورقة المصرية "المقاومة في إطار التوافق الوطني،"علماً أنه من المستحيل ومن غير المنطقي أن يتم الجمع - في وطن واقع تحت الاحتلال وتحت الحصار – بين الاعتراف بالمقاومة حقاً مشروعاً ومقدساً وبين اعتبار التوافق الوطني شرطاً لازماً لممارسة حق المقاومة. وعليه، فقد غاب عن الورقة المصرية أن المقاومة تظل على الدوام، وفي كل الأحوال حقاً مقدساً ومشروعاً للشعب الفلسطيني مادام الاحتلال قائماً ومُطبِقَاً على أرضه وبحره وجوه وإنسانه.

6) أقحمت الورقة المصرية مبادرة الرئيس عباس للحوار الشامل في يونيو 2008، باعتبارها واحدة من المرجعيات الرئيسية في ذات الوقت الذي لم تشر فيه من بعيد أو من قريب إلى إعلان صنعاء 2008، على سبيل المثال، علماً أن ما كان قد صدر عن الرئيس عباس ليلة الرابع من يونيو 2008 لم يكن مبادرة ترقى إلى مستوى المرجعيات، وإنما كانت مجرد دعوة للحوار عبر التلفزة!

7) أما نوع الحكومة الذي كان ينبغي للورقة المصرية أن تتحدث عنها فهي "حكومة وفاق وطني تعمل على إعادة توحيد وزارات السلطة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية كما تعمل على فتح معبر رفح، وتحرير الأسرى والمعتقلين من سجون الاحتلال، وعلى رفع الحصار ووقف الاستيطان وإنهائه وتسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني بما في ذلك إزالة الحواجز والبؤر والمواقع الاستيطانية، والإعداد لإجراء انتخابات رئاسية أو/ و تشريعية جديدة والإشراف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية كما في قطاع غزة".

غير أن هناك مجموعة من التساؤلات تلح على المواطن الفلسطيني والعربي في سياق ما جاء في مسودة الوفاق الفلسطيني المصرية: كيف يمكن لهذه الحكومة أن ترفع الحصار بينما تواصل الشقيقة مصر – وهي المعنية بإطلاق الوفاق الفلسطيني وإنجاحه – إغلاق معبر رفح المصري الفلسطيني؟! وأليس ذلك من شأنه أن يدفع الفصائل والقوى الفلسطينية المشاركة في الحوار الشامل إلى مطالبة الدول العربية بدعم مصر الشقيقة لفتح معبر رفح؟! وإذا كانت مسودة الوفاق الفلسطيني المصرية سوف تتبناها الدول العربية من خلال الجامعة العربية، كما جاء في الورقة المصرية، ألم يكن من الضرورة بداهة، إذن، أن تنهض الفصائل والقوى الفلسطينية المشاركة في الحوار الشامل بمطالبة العرب بتنفيذ قرارات قممهم السابقة على المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والإعلامية، لاسيما إذا كانت هذه المطالبة هي ذاتها ما كانت الفصائل والقوى الفلسطينية قد أجمعت عليه في وثيقة الوفاق الوطني 2006 التي جاء فيها ما نصه: 'رفض وإدانة الحصار الظالم الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل... ودعوة الحكومات العربية لتنفيذ قرارات القمم العربية السابقة على المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والإعلامية الداعمة لشعبنا الفلسطيني وصموده وقضيته الوطنية...."؟!

8) خولت الورقة المصرية الأجهزة الأمنية وحدها، ودون سواها، بمهمة الدفاع عن الوطن والمواطن، في ذات الوقت الذي تشاهد فيه الشقيقة مصر معنا، وعلى نحو يومي، مدى عجز تلك الأجهزة حتى عن الوقوف أمام المستوطنين أو التصدي لهجمات الإسرائيليين واقتحاماتهم للقرى والمدن الفلسطينية واعتقالهم لأبنائها تحت أعين السلطة وأجهزتها الأمنية! إن ذكر كلمة "وحدها" لتوصيف الأجهزة الأمنية تعني أن المقاومة لا مكان لها في الورقة المصرية!!!

9) أشارت الورقة المصرية إلى انتخاب مجلس وطني جديد في الداخل والخارج، في سياق تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتطويرها، دون الإشارة من بعيد أو من قريب إلى ما ينبغي عمله بغية الحصول، منذ اللحظة، على ضمانات عربية لتسهيل إجراء انتخابات تنتج مجلساً وطنياً فلسطينياً جديداً!!

10) شددت الورقة المصرية على أهمية التهدئة مع الاحتلال، مؤكدة على ضرورة الحفاظ عليها، علماً أن التهدئة لا يجوز – منطقياً ووطنياً – اعتبارها ركيزة من ركائز مشروعنا الوطني، ذلك أنها تعد إجراءً مؤقتاً لمواجهة حالة مؤقتة. فالأصل ألا يكون هناك تهدئة مع الاحتلال الذي ما انفك عن تجويع شعبنا ومحاصرته براً وبحراً وجواً. فالتهدئة أمر يحدد ضرورته ومدى أهميته من عدمها ما يستجد على الأرض من أحداث ووقائع. والتهدئة، أيضاً، هي أمر افتراضي مع الاحتلال لا يجوز بأي حال من الأحوال ربطه بالحوار، فيما الواجب ربطه بالممارسات الإسرائيلية. هذا بالإضافة إلى أنه ينبغي الحرص على تجنب تثبيت التهدئة بغية ترسيخها لتصبح دائمة وأبدية مع إغلاق الأعين عن الممارسات الإسرائيلية، واعتبار رد الفعل الوطني الفلسطيني المقاوم لتلك الممارسات شقاً للصف الوطني وخروجاً عن الإجماع الفلسطيني. وفوق ذلك كله، فلعل أحداً لا ينسى أن فتح معبر رفح ورفع الحصار عن قطاع غزة قد كانا ضمن اتفاق التهدئة الذي قامت مصر الشقيقة على رعايته. هذا، ولابد من الانتباه إلى حقيقة أن أي حكومة فلسطينية – مهما بلغت درجة التوافق الفلسطيني عليها – يمكن أن تتعرض للحصار، لاسيما إن لم تجد عند دولة الاحتلال الإسرائيلي قبولاً!! وإضافة إلى ما سبق، فإنه لا ينبغي أن يكون هناك أي علاقة بين التهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي والمصالحة الداخلية، وهو ما يعني أنه لا يجوز أن تكون التهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي شرطاً للمصالحة الفلسطينية الداخلية، ذلك أن التهدئة بند في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، أما الحوار فبند في الملف الفلسطيني الفلسطيني.

11) جاء في الورقة المصرية أن جميع فصائل وقوى الشعب الفلسطيني قد اتفقت على أن إدارة المفاوضات السياسية هي من صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية على أن يتم عرض أي اتفاق بهذا الشأن على المجلس الوطني الفلسطيني للتصديق عليه أو إجراء استفتاء حيثما أمكن'، فيما نرى أنه كان من الأجدر أن يتفق نص مسودة الوفاق المصرية، في هذا السياق، مع النص الذي تم الاتفاق عليه في وثيقة الوفاق الوطني 2006، والتي جاء فيها نصاً على أن 'إدارة المفاوضات هي من صلاحية (م.ت.ف.) ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية على قاعدة التمسك بالأهداف الوطنية الفلسطينية كما وردت في هذه الوثيقة على أن يتم عرض أي اتفاق بهذا الشأن على المجلس الوطني الفلسطيني الجديد لإقراره والتصديق عليه، أو إجراء استفتاء عام في الوطن والمنافي بقانون ينظمه'، الأمر الذي يفرض الاتفاق على قانون ينظم إجراء الاستفتاء العام في الوطن والشتات، تطبيقاً لما تم التوقيع عليه في وثيقة الوفاق الوطني 2006، بصفتها واحدة من أهم المرجعيات الفلسطينية.

هذا، وتعليقاً على ما نص عليه المحور الرابع في الورقة المصرية من أنه 'اتفقت جميع الفصائل وقوى الشعب الفلسطيني على أن إدارة المفاوضات السياسية هي من صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة.... حيثما أمكن'، فإنه لابد من التأكيد مجدداً على أن من اتفق ليس جميع فصائل وقوى الشعب الفلسطيني، لاسيما إذا تيقنا من أن أساتذة الجامعات الفلسطينية وأكاديمييها لم يُدْعَوا – البتة – إلى تلك المحادثات ولم يُشْرَكوا في صياغة مسودة الوفاق التي يجري الحديث عنها. هذا، وإنه لابد من التأكيد على أن الأهداف الوطنية تظل – مهما كانت الظروف والعواصف والأنواء – ثابتة، ولا يجوز الاستفتاء عليها!

إن موقف مصر بالإعلان عن تأجيل الحوار لم يكن جزافياً أو اعتباطياً، وإنما كانت مصر مضطرة إليه، علماً بأن التأجيل لم يكن في وارد أي طرف. غير أن استعراض بعض التصريحات يعطي للتأجيل مدلولاً مهماً، فنائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية وحيد عبد المجيد قال على فضائية "العربية": " إن رفض حماس المشاركة في الحوار الذي ترعاه القاهرة لم يكن بسبب المسودة التي تقدمت بها القاهرة، حيث إن حماس لم يعد لديها اعتراض عليها. ولكن عدم تجاوب رئيس السلطة محمود عباس لمطالب حماس بالإفراج عن المعتقلين السياسيين هو الذي أعطي الذريعة لحماس رغم أن القاهرة طالبت الرئيس عباس بالإفراج عنهم".

أما الدكتور ناجي شراب، عضو هيئة العمل الوطني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر، فقد قال إن خطاب الرئيس عباس عقد الموقف الفلسطيني وسيؤدي إلى توسيع الفجوة بين حركتي فتح وحماس، وأنه يحمل في طياته بذور التهديد.

وأضاف الدكتور شراب منتقداً الرئيس عباس فقال: "نحن في مرحلة تأجيل الحوار ولم نصل لفشله ونسمع هذا الخطاب السياسي فكيف يمكن أن يكون الخطاب عند إعلان فشل صريح للحوار الفلسطيني"؟! هذا، ويتساءل البعض - وأنا منهم - عما إذا كان خطاب الرئيس هو من أجل تفعيل الحوار والضغط على حماس، أم هو تصعيد لا رجعة عنه، لاسيما وإن خطاب عباس لم يضف جديداً، فهو كما سبقه، خطاب يسيطر عليه التصعيد اللغوي غير المطلوب كقوله: "من يريد دخول المنظمة عليه أن يوافق عليها كما هي ومن ثم يدخلها"، وهو الذي كان في حوار القاهرة (مارس 2005) قد توافق مع حماس وباقي الفصائل على ضرورة إصلاح المنظمة وتطويرها!!!

وعلى الرغم من أن هناك من يقول إن قضية المعتقلين السياسيين يجب ألا تكون عقبة في طريق الحوار، إلا أن هناك أيضاً من يقول إنه كان ممكناً للرئيس الفلسطيني، بل كان واجباً عليه، أن يحرج حماس بتلبيته طلبها بالإفراج عن معتقليها فيسحب الذرائع منها ولا يبقي ذريعة واحدة لديها، ذلك أنه لو فعل ذلك وسحب الذرائع من حماس لظهر موقف حماس جلياً من المسودة المصرية ومن حوار القاهرة، وبما أنه ما زال أمامنا فرصة منحنا إياها الأشقاء المصريون حينما أجلوا موعد الحوار، فإننا نتمنى على الرئيس عباس الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ليسجب الذرائع من "حماس" علها تخرج عليه بذريعة جديدة يتضح من خلالها الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

صحيح أنه لا خيار سوى الحوار، ولكن ماذا بعد أن أجل الحوار؟ وهل ما يزال الحوار ممكناً؟ قد تدفع الإجابة عن هذا السؤال إلى القول إن الحوار في ظل الورقة المصرية ذاتها هو أمر ليس ممكناً البتة. أما أنا فأرى أن ما وقف وراء مقاطعة الحوار ربما لم يكن في الأساس أمراً متصلاً بالاعتقالات السياسية، حيث إن أمراً كهذا لم يكن ليشكل عائقاً لو كان طريق المصالحة في القاهرة معبدة وسالكة. وعليه، فإن ملف الاعتقال السياسي كان ينبغي له أن يكون ثانوياً يتأتى حله توافقياً في سياق رزمة كلية بين مختلف الفصائل.

إن موضوع الاعتقال السياسي هو تذرع يتجاوز الاعتقال السياسي، والدليل على ذلك هو أن الإفراج عن المعتقلين السياسيين ربما لا يدفع باتجاه التئام الحوار قبل إدخال التعديلات على الورقة المصرية، استناداً لملاحظات حماس وفصائل أخرى بما يدفع إلى تحويل تلك الورقة إلى ما يمكن وصفه بـ "جدول أعمال" تتم مناقشته والوصول إلى نتائج في شأنه وليست ورقة جاهزة للتوقيع عليها. إن مثل هذا الأمر الذي سوف يواجَه بالتأكيد برفض الرئيس عباظس ربما لا يقنع مصر أيضاً بإعادة النظر في السيناريوهات التي أعدتها للحوار، ذلك أن وراء الأكمة ما وراءها!!!

إن هناك الكثير من العقبات والتعقيدات التي ما تزال تحول دون التئام الحوار الفلسطيني، الأمر الذي يعني أن تأجيل الحوار هو إما للتحوط من الفشل مع التنبه لأسباب النجاح وإما لإلغاء خطط المصالحة بغية العودة بأزمة الانقسام إلى أيامها الأولى، علماً أن هذه الأزمة هي اليوم مرشحة إلى المزيد من التعمق كلما اقتربنا من نهاية اليوم الثامن من الشهر الأول من العام المقبل وهو اليوم الذي تعتبره حماس آخر يوم في ولاية عباس، الأمر الذي ينذر بما ليس معروفاً وليس مرغوباً من مخاطر ومستجدات.

إن الحوار الفلسطيني لم يُفشِله أحد بالرغم من تزايد المحاولات لإفشاله. الحوار لم يلتئم وبالتالي لم يفشل ولكنه تأجل. لكنه ينبغي لنا أن نفهم بأنه "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وعليه، فإن من الظلم للحق وللحقيقة أن نعتقد أن المقدمات الصائبة للصلح والمصالحة قد كانت حاضرة، ذلك أنه وإن حضر بعضها فإنها لم تستكمل وعليه، فما كان للحوار إلا أن يؤجل، ونعم التأجيل كان.

وإذا كان الحوار لم يفشل لأنه في الأصل لم يبدأ، فإن هناك من يرى أن الذي فشل، حتى اللحظة، هو التجربة المصرية في إنجاز المصالحة الفلسطينية. وعليه، فإن على الشقيقة مصر أن تهتم بأمر الحوار الفلسطيني أكثر من اهتمامها بالتهدئة مع الاحتلال، وأن تأخذ بعين الاعتبار تحفظات الفصائل وملاحظاتها النقدية على الورقة المصرية، لاسيما أن تلك التحفظات والملاحظات ليست متعلقة بمكاسب فصائلية وإنما بإرادة الشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية. هذا، وإن على الدول العربية – ومصر في صدارتها – أن تتعامل مع المشكلة الفلسطينية انطلاقاً من بعدها العربي والإسلامي والأخلاقي والإنساني، وليس من بعدها الأمني.

كما أن الوحدة الفلسطينية لن تكون في اتفاق الحمساويين والفتحاويين أو توافقهم، وإنما بتحرير الوطن الفلسطيني وإعادة الملايين من المهجرين إليه. هذا هو الدور المطلوب من الأنظمة والجيوش والحكومات العربية، وهذا هو دور الجامعة العربية الذي تحول دورها الأصلي من مدير ومدبر وجامع للجهد العربي وناظم للوضع العربي إلى "بيت مَلَمَّ" مهمته إرضاء الزعلانين ورد الحردانين من الملوك والرؤساء والوزراء والقادة!!!

أما آخر الكلام، فلعلنا نحاول اعتبار تأجيل الحوار محفزاً على العمل والنجاح والأمل، لا مؤشراً للإنكفاء والفشل. لعلنا نعمل على أن يكون تأجيل الحوار فرصة لتدارك ما لم يُتدارك... فرصة لإنجاز المقدمات المطلوبة التي تكفل تحقيق حوار ناجح. إن علينا أن نفهم أن تأجيل الحوار هو تصرف إيجابي يبقي على الأمل في النجاح حياً، ذلك أن هناك فرقاً كبيراً بين حوار بدأ وفشل، وبين حوار لم يبدأ بعد. لعلنا نتوقع أن هذا التأجيل سوف يمكن الإخوة في مصر من وضع أياديهم على أوجاعنا ومن ثم توجيه ضغطهم الوطني الصائب علينا لإنجاحنا في حوارنا وتصالحنا. ولكي تكون البداية واعدة، فإننا نرى أنه يجدر بالإخوة في مصر أن يدركوا مدى أهمية استجابتهم لتحقيق النقاط الآتية بغية إنجاح الحوار وتحقيق المصالحة:

1) الوقف الفوري، ولمدة شهر كامل، لجميع أشكال الحملات الإعلامية والتحريض.

2) الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين.

3) المباشرة الفورية في إعادة فتح المراكز والمؤسسات والجمعيات.

4) تيسير المشاركة الفتحاوية والحمساوية من غزة والضفة الغربية في حوار القاهرة

5) تأمين حضور الرئيس عباس ومشاركته في جميع جلسات الحوار.

عن شبكة أمين الاخبارية

http://www.miftah.org