أدعي هنا أن قيادات «حماس» لم تقرأ بشكل صحيح التطورات داخل إسرائيل ولم تستطع أن تفهم الموقف الإسرائيلي من إطلاق الصواريخ ومن المسألة الفلسطينية في هذه المرحلة ولا حراك النُخب أو نزعاتها لا سيما بعد حرب تموز (يوليو) 2006. وسنرجح أن هذه القيادة محكومة بالأساس إلى مفاعيل الصراع الداخلي وإلى تأثيرات الدفع الوافدة من طهران وحزب الله وسورية.
وهذا ما يغيّب عوامل الداخل الإسرائيلي وتفاصيله عن اعتباراتها. فلم يخرج الإسرائيليون من غزة كي يعودوا إليها. وهنا أميل لتصديق القيادات الإسرائيلية التي اختارت أن تنسحب لأن البقاء في غزة لم يعد مجديا من ناحيتها في شيء بل تراكم عبئا فوق عبء. ولم يأت الأمر صدفة بل كجزء من قناعات متسعة باضطراد بأنه لا يُمكن للدولة اليهودية تحقيق الرخاء، وأكثر الأمن، لها ولمجتمعها دون تسوية مع الفلسطينيين يكون أساسها الاقتراب بشكل ما من حدود الرابع من حزيران 1967 وتقاسم الأرض. أما انتقال أريئيل شارون قبل خمس سنوات إلى هذا الموقع بالذات فقد مكّن النُخب من البدء بعملية رسم معالم التسوية التي تتصورها على الأرض، أو الانتقال إلى معالجة الديموغرافيا من خلال تغيير حدود الدولة اليهودية في الجغرافيا. وكان سبق ذلك انسحاب مشابه من جنوب لبنان تبعته حرب خاضتها النُخب في إسرائيل ليس رغبة في العودة إلى لبنان وإنما للتوضيح بالحديد والنار أنها جادة في انسحابها إلى الحدود الدولية. وقد لوحظ تطوّر إجماع إسرائيلي جديد حول الانسحاب وأكثر حول ردّ الفعل الممكن على تحديات أمنية تنشأ من مبادرة أطراف عربية إلى تفسير الانسحاب ضعفا أو هروبا. وكانت توقعت هذه النُخب فهما خاطئا من الجانب الفلسطيني (ومن حزب الله) لعملية الانسحاب التي جاءت من جاب واحد. ومن هنا تأكيدها الدائم أنها جادة في الانسحاب وأنها ستردّ بحزم على تحديات قد تُفرض عليها. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى اعتقادنا أن انسحاب إسرائيل في الحالتين لم يأت إلا لشعور النُخب أنها قادرة (عسكريا وسياسيا واقتصاديا واصطفافا) على القيام بذلك والإبقاء على فائض قوة يمكنها من مواجهة أي مبادرة من طرف عربي يعتقد الانسحاب عجزا أو وهنا في «بيت العنكبوت»! أما الشعور الإسرائيلي بالفشل العسكري النسبي في لبنان فولّد، بطبيعة الحال، تكافلا بين النُخب وإصرارا على أن تكون الرسالة التالية لمن يجرؤ على تهديد الدولة وحدودها واضحة! أي أن ما لم تنجزه هناك ولّد نزعة في النخب السياسية والعسكرية على السواء إلى إنجازه في موقع آخر، وهنا على حساب غزة وأهلها. إن النُخب الإسرائيلية خاصة العسكرية «تتوحوح» على فرصة لاسترداد عامل الردع والهيبة المفقودين بعد حرب لبنان الثانية. ونرجح أن الردّ الإسرائيلي في غزة الآن لن يتوقف إلا بعد تغيير المعادلة على الأرض. وعليه، فإن العمليات مرشّحة للتوسّع. أما الأداء الإسرائيلي، السياسي والعسكري والإعلامي والميداني في الخطوط الخلفية فيجسّد قرارا يقصد الذهاب في خيار المواجهة حتى النهاية المتوخاة من جانبهم. وندّعي أنه لم يكن ممكنا لأي قيادة معقولة في الجانب الفلسطيني إلا أن تفهم الرسالة فتحقن دم مواطنيها وأهلها. وهنا، أدّعي، خلافا لما جرت العادة من انحكام للتهويل وللفكر المسبق والنمطي عن النُخب في إسرائيل، أن هذه النُخب جادة في انسحابها وإن كان أحادي الجانب وأنها، غير معنية بمبادرتها بمواجهة عسكرية لا مع حماس ولا مع غيرها على الأقلّ في هذه المرحلة. لكنها في الوقت ذاته وبالجدية ذاتها مستعدّة لقبول التحدّي لأن لا مفرّ من قبوله بعد أن قررت تقليص المساحة الجغرافية التي تسيطر عليها. وهو تطوّر يُذكي مخاوف ومحاذير (مخاوف من ضيق المكان وغياب حيز كاف للحركة والعمل العسكري في حال اشتعلت حرب أو مواجهة بالصواريخ) تواجهها من خلال زيادة القدرات التدميرية لجيشها واستعراض هذه القدرات في كل فرصة تسنح لها. وأكثر، أن هذه النُخب، كأنها تستمدّ شرعية من مجرّد انسحابها لخوض مواجهات تعتبرها بكثير من الثقة حالات دفاع عن النفس. ورأيناها تقصف منشأة سورية تعتقدها مشروعا نوويا مخاطرة بفتح حرب محدودة أو شاملة مع سورية! أما امتناع القيادات سابقا عن عمليات واسعة ضد حماس فيؤكّد أنها ما كانت لتكترث أكثر مما ينبغي لو أن حماس في غزة انقلبت على السلطة وانشغلت ببناء المجتمع والدولة بدل إطلاق الصواريخ. بل أننا سنصدقها هذه المرة في قولها أنها بعثت برسائل كثيرة إلى حماس مؤكّدة الرغبة في تهدئة طويلة تجنّبها الدخول في نفق العمليات العسكرية. حتى لو سلّمنا بالاعتقاد بأن في النُخب الإسرائيلية أوساط تنزع إلى إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس إلى حله، فإننا نفترض أن الأمر من ناحيتها يتطلب نوعا من الهدوء ولو النسبي. الإجماع الإسرائيلي حول العمليات في غزة يكشف أن هذا المجتمع تغيّر باتجاهين: أنه بدأ تحديد أهدافه الاستراتيجية بعد عقدين لم تكن فيهما هذه الأهداف واضحة، ولم تحظ بهذا الإجماع، وأنه يشعر بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية وبالدعم الدولي غير المحدود بعد 11 سبتمبر. فالإجماع الذي ترسّخ في السنوات الأخيرة هو الدبق الذي يوحّد النُخب ويرصها بدلالة أن حركة اليمين والمستوطنين لم يستطيعوا إيقاف عملية الانسحاب من غزة، كما أن المعارضة اليسارية والليبرالية للحرب لم تستطع منع حصول العمليات في غزة، وقبلها في لبنان. بل أن «اليمين» و»اليسار» في إسرائيل يقفان، اليوم، في أقرب نقطتين من بعضهما منذ تنافسا، وفي غالبية القضايا ويقتربان أكثر فأكثر من قبول المبادرة العربية أساسا لمفاوضات ممكنة. وليس صدفة أن يحلّ حزب مركز كبير كحزب «كاديما» في مقدمة القوى السياسية، وأن تنزع كل الأحزاب الكبيرة نحو مركز الإجماع الجديد. ومن هنا ينبغي عدم المراهنة على الداخل الإسرائيلي. لا نقترح هذه القراءة كي تسلّم القيادات الفلسطينية لإيهود براك أعناقها أو تمنحه الأمان، ولا لتتخلى عن الحق الفلسطيني في إطار مشروع الدولة المستقلّة، لكننا يقينا نفترض أن مثل هذه القراءة تجعلنا نجتهد في تجنيب الشعب وزر هذا السيناريو من منطلق المسؤولية الوطنية. عن صحيفة الحياة اللندنية اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|