مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
في موسم البازار الانتخابي الإسرائيلي الحالي، وفي حمى ومعمعان جولة حرب "الرصاص المسكوب" التي شنتها العسكرية الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، يزداد الطلب على التّصريحات العنصريّة المجافية لأبسط حقول المنطق وحقوق الإنسان، وكل الأعراف والشّرائع الإنسانيّة التي عاشت طوال ستين عاما، وهي تشهد أكثر انتهاكاتها ومعاداتها من قبل هذا الكيان العنصري الّذي عاصرها منذ وجدت، حيث لا يتورّع العنصريّون عن إخفاء عنصريّتهم؛ إلاّ ليظهروا ما يبطنون من أفكار فاشيّة؛ جهدوا ويجهدون في محاولة إخفائها بين ركام المواقف "الوسطيّة".

حتّى هذه الأخيرة باتت مطلوبة في البازار الانتخابي الإسرائيلي، الّذي يحوّل الآن زعيم حزب الليكود اليميني بنيامين نتانياهو إلى شخصيّة "وسطيّة" مقارنة بأمثاله من زعامات اليمين الديني والقومي المتطرّف.

وكعادة اليمين الفاشي المتطرّف، رأى أفيغدور ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أثناء الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزّة، أن الحل الوحيد للتّخلّص من وصف العالم لإسرائيل بأنّها "دولة احتلال" يكمن بالضبط؛ كما فعلت الولايات المتّحدة مع اليابان في الحرب العالميّة الثّانية، وبالتاّلي لا داعي لاحتلال غزّة مرّة أخرى، وبحسب ما نقلته معاريف (13/1) فإن ليبرمان يدعو إلى إلقاء قنبلة نوويّة على قطاع غزّة، وتدميره بالكامل (على غرار ما تمنى رابين يوما من أن يستفيق في اليوم التالي فلا يجد غزة إلاّ والبحر قد ابتلعها) والإنتهاء من هذه المشكلة نهائيّا، والتّخلّص من وصف العالم لإسرائيل بأنّها دولة احتلال".

وإسرائيل التي تعيش اليوم أجواء ارتدادات فقدانها زعاماتها التّاريخيّة، تراها مكبّلة بمواقف ليست منسجمة، وهي في كلّ الأحوال (المواقف) لم تعد "ماركة مسجّلة" لهذا الحزب أو ذاك، فالاختلاط "المواقفي" يذهب اليوم وفي غمرة التّجاذبات الانتخابيّة وحملاتها المتصاعدة، في اتّجاهات لم يعد من السّهل تمييزها؛ على الأقل بين القوى السيّاسيّة والحزبيّة الرّئيسيّة: العمل والليكود وكاديما، ومن لفّ لفّهم من قوى اليمين القومي. فالجميع.. جميع هؤلاء على الأقل، وإذ يحسمون خياراتهم بالتّوجّه إلى مخاطبة النّاخب الإسرائيلي دون غيره من الأصوات العربيّة (الفلسطينيّة) في الجليل والمثلّث والنّقب، فلأنّ خياراتهم تلك ليست معنيّة بأيّ استجابة ترضي أولئك المواطنين الفلسطينيين، أو تستجيب لمطالب هذا الطّرف الإقليمي أو ذاك الدّولي، ولا حتّى تحالفهم الإستراتيجي وارتباطاتهم بدول الغرب، رغم ما قد يكون اكتنف ويكتنف مواقف هؤلاء الغربيين من تغييرات، أو احتمال إجراء مثل هذه التّغييرات في المستقبل القريب أو البعيد؛ خاصة في ضوء صعود الدّيمقراطيين أو عودتهم مع باراك أوباما إلى البيت الأبيض.

في هذا السيّاق تحديدا، يمكننا وضع تصريحات تسيبي ليفني، ومن قبلها تصريحات نتانياهو بشّأن سلامه الاقتصادي الموهوم، الّذي وجد من ينادي به في صفوف الأوروبيين (فرنسا)، بينما لم تتورع ليفني بالإعراب عن رغبة المؤسّسة السّياسيّة الصّهيونيّة في تجسيد حلمها المتجدّد دائما، والقاضي بطرد جميع فلسطينيي الجليل والمثلّث والنقب الّذين بقوا وامتلكوا بجدارة "حق البقاء" فوق أرض وطنهم؛ طردهم "مرّة وإلى الأبد".!!

وإذ تجاسرت ليفني، بل وحملت على عاتقها مهمة تبشيرنا بقيام "دولة فلسطينيّة"(الأصح دويلة مقطّعة الأوصال)، فلأنّها تريد ترحيل من تبقّى من المواطنين الفلسطينيين في أرض آبائهم وأجدادهم، إلى أراضي تلك الدّويلة العتيدة، كي تبقى كلّ الأراضي المحتلّة عام 1948 بمثابة "دولة اليهود" أو "الدّولة اليهوديّة" النّقيّة الخالصة!! وذلك وفق مزاعم "أنّ الحلّ القومي لكم (للمواطنين الفلسطينيين في الجليل والمثلّث والنّقب) هو في مكان آخر, والمبدأ هو قيام دولتين للشّعبين"!!

على هذه الخلفيّة جاءت تصريحات ليفني لتزيدنا من الشعر بيتا، حين ذكرت أنّها "ليست بحاجة إلى مبادرات سلام جديدة؛ لا عربيّة ولا فرنسيّة، وإنّما أريد أن أطرحها بنفسي" وهو الموقف الإسرائيلي التّقليدي الذّي كان يصرّ دائما على رفض المبادرات والمقترحات والأفكار الواردة من قبل أي طرف إقليمي أو دولي؛ حتى ولو جاء من أقرب المقرّبين في التّحالف الغربي. وإذا كان هذا الموقف يعبّر عن رفض ليفني للمبادرة العربيّة وللأفكار والمقترحات الفرنسيّة، فهل تكون تلك الحلول العنصريّة، إحدى تلك المبادرات التي تقصد ليفني أن تكون من عنديّاتها وعنديّات كيانها الإغتصابي؟.

وإذ يجري تجاهل مكان إقامة "الدّولة الفلسطينيّة" العتيدة، على ألسنة قادة المؤسسّة السّياسيّة والحزبيّة، وفي العديد من المواقف الإسرائيليّة الموجهة للرأي العام العالمي، فلأنّ أكثريّتهم تعتقد - كما كان يعتقد شارون - أنّ "الأردن هو الدّولة الفلسطينيّة"!!، وذلك على خلفيّة ذاك النّشيد الصّباحي لتلاميذ المدارس من اليهود الّذين يبدأون صباحهم بالإنشاد أن "الضّفّة الشّرقيّة لنا وكذلك الغربيّة" فأيّ مكان سيحوي الدّولة ما بين البحر والنّهر وحتّى الحدود العراقيّة، إذا كانت الضّفّة الشّرقيّة كذلك لهم؟!!.

وهذا ما دفع د. أحمد الطيبي رئيس الحركة العربيّة للتغيير لتوجيه كلامه إلى منتسبي حزب "كاديما" العرب: "إسمعوا زعيمة حزبكم جيّدا، إقرأوا وافهموا وحكّموا ضمائركم، هناك من يريد أصواتكم فقط وهو ما زال يحلم في إبعادكم عن وطنكم وإهانة شعبكم وتشريده، ألم يحن الوقت للعودة إلى الحضن الدافئ للوطن؟."

وهنا من الضروري الإقرار بأنّ تهويد فلسطين من البحر، وحتّى الحدود المفترضة للدولة الفلسطينية العتيدة، هدف عقيدي صهيوني قائم في كلّ آن وحين، وهو هدف العنصريين، كما المستوطنين؛ كما المتطرّفين من المتديّنين، في كيان تقوم عقيدته السّياسيّة، كما الدّينيّة على تفريخ أصولية عنصريّة شوفينيّة، هي العقيدة التي تجدّد ذاتها على الدّوام استنادا إلى مرجعيّة توراتيّة لا إلى مرجعية سياسيّة حداثيّة معاصرة. سوف يقابلها للأسف قوى تطرح مرجعيات دينيّة مغرقة في أصوليّة مزعومة، دون الاستناد إلى أي مرجعيّة سياسيّة يمكن جعلها قاعدة لتفاوض مثمر مستقبلا.

التّطرّف الإسرائيلي الراهن، هو الانعكاس الأعمق؛ لتطرّف يخفي جوهره في التّعويل على إدارة أوباما التي تسعى إلى توفير مظلّة نوويّة، بهدف تحسين القدرات الإسرائيليّة "الدّفاعيّة" لحمايتها من أيّ هجوم إيراني مزعوم.

وإذا كان معنى "حلّ الدّولتين" أن يجري طرد المواطنين الفلسطينيين من أرضهم في الجليل والمثلّث والنّقب، إلى ما يفترض أنّها "الدّويلة الفلسطينيّة" العتيدة الموعودة، فهذا إجحاف مضاعف بحق الفلسطينيين، كلّ الفلسطينيين الّذين لا يعنيهم ولن يكونوا، معنيين بتجاهل التّلاعب بديمغرافيا وجغرافيا فلسطين التاريخيّة، كوطن لا وطن لهم سواه، من أجل عيون "مواطنين يهود" أوروبيين وأميركيين وآسيويين وأفارقة وغيرهم، لهم أوطانهم الأصليّة وهي التي وفدوا منها، ليقيموا فوق أرض هذا الوطن (فلسطين) كيانا/دولة لهم حلموا توراتيّا بإقامتها، ويحلمون اليوم باستكمال تطهيرها من أصحابها الحقيقيّين حفاظا على "نقاء يهودي" مزعوم وموهوم.

من هنا ضرورة أن يقترن رفع شعار حقّ العودة، عمليّا، بالمطالبة؛ وبالتّأكيد على "الحق في البقاء": بقاء من تبقّى من الفلسطينيين فوق أرض وطنهم بقاء فاعلا، كونهم أصحاب الأرض وأصحاب الوطن، وأصحاب الحقّ الطّبيعي والقانوني التّاريخي في البقاء هناك: حيث هم، حيث ثقفوا أجدادهم وأجداد أجدادهم الّذين أعطوا الأرض اسمها وهويّتها.

ومهما يكن شكل ومضمون التّسويّة الجاري العمل على بلورتها على المسار الفلسطيني، فإنّ ترجمة حق العودة لا ينبغي له أن يفترق عن ترجمة وتكريس وترسيخ حق آخر: هو الحق في البقاء. إذ أنّ كلاهما الحق الفلسطيني الأوحد الّذي جرى تفريعه؛ بفعل عوامل النّكبة، وموازين القوى التي أحالت وتحيل المفاوضات الآن، إلى مجرّد عصا غليظة في اليــد الإسرائيليّة، وإلى مجرّد غصن يابس في اليد الفلسطينيّة المكشوفة والمنقسمة سياسيّا وجغرافيّا، فيما أحلام الترانسفير بأزيائه المتعدّدة ما زال حلم عتاة الصّهاينة، يختلف في الدّرجة، وليس في النّوع، كلّ من يسار الوسط واليمين القومي والديني المتطرّف. ووسطيّة ليفني أو بيريز أو باراك باتت لا تختلف كثيرا عن وسطيّة نتانياهو؛ الحامل في جعبته الانتخابيّة اليوم "سلامه الإقتصادي الموهوم" و"أمجاد" مليكه (ملك إسرائيل): أرييل شارون قبل أن تبتلعه رقدة الغيبوبة.

عن شبكة أمين

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة