هذا الغبار السياسي الذي يثار حول دور مصر ويحجب الرؤية السياسية ولو مؤقتا حول أبعاد ومحددات هذا الدور إزاء قضاياها القومية وخصوصا القضية الفلسطينية، يثير العديد من علامات الإستفهام والتساؤلات، والتي تتلخص في: لماذا مصر وليست مثلا جزر القمر؟ وهذا ليس تقليلا من دور الأخيرة بل أن كل دولة لها دورها في محيطها الإقليمي والدولي لأن أدوار الدول تكمل بعضها بعضا.. لكن المقارنة قد تبدو مفيدة والفارق بينهما مثل الفرق بين أقصى الشرق وأقصى الغرب.
وإبتداء الإجابة تبدو بسيطة وتكمن في ان مصر دولة متحكمة ورائدة في نظامها العربي، ودائما الدول القيادية يكون دورها مستهدفا إما من دولة أخرى تنزع إلى القيام بنفس الدور، وإما من دولة صغيرة مناوئة تجعل من دور هذه الدولة مكلفا وباهظا. وحيث أن الإستهداف لا يكون بنزع أو تجاهل عناصر ومحددات هذا الدور لأنها عوامل ثابتة، بل يكون من خلال التشكيك في مصداقية هذا الدور وشرعيته، وهنا يكون الربط بينه وبين الدولة المسيطرة والمتحكمة في النظام الدولي وهنا هذه الدولة هي الولايات المتحدة، ولو كانت دولة أخرى مثل روسيا ما أثيرت هذه الشكوك. وقبل الولوج في تحليل أبعاد هذا الدور وخصوصا إزاء القضية الفلسطينية، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الدور الذي تقوم به مصر ما زال قائما ولا تستطيع أي دولة أن تحل معه، وفي هذا السياق يأتي دور المبادرة المصرية ليس فقط لوقف العدوان الإسرائيلي، وليس فقط لتهدئة أو لتثبيت لوقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل ولكن لوضع تصور شامل لمصالحة فلسطينية المستفيد منها أولا الفلسطينيون بإنهاء الإنقسام والحفاظ على وحدة قضيتهم الوطنية، وثانيا بتحرير الموقف الفلسطيني من حالة الإستقطاب الإقليمي والدولي. وعليه فان هذا الإستهداف لدور مصر لا يمكن فهمه على المستوى الفلسطيني فقط، بل على المستوى الإقليمي والدولي الأوسع والأشمل وفي سياق التنافس على دور الدولة المتحكمة والمهيمنة على القرار السياسي على مستوى المنطقة، من هنا فإن الحفاظ على هذا الدور ودعمه لا يشكل فقط مصلحة فلسطينية بل عربية من شأنها الحفاظ على ما تبقى من النظام الإقليمي العربي، لأن فقدان هذا الدور يمهد لقيام نظام إقليمي أوسع واشمل من النظام الإقليمي العربي، ويعطي دورا أكبر لدول غير عربية مثل إسرائيل..!! وهذا ما يجعل دائما دور مصر مستهدفا تاريخيا.. وهذا ما أثبتته كل مراحل تاريخ علاقات القوة التي حكمت وما زالت تحكم موازين القوى الإقليمية والدولية. وهناك خلاصة تاريخية لا بد من التنويه إليها منذ البداية أن تطور ومستقبل الأوضاع في فلسطين قد إرتبط بقوة وضعف هذا الدور وليس بدور دول أخرى، ولعل هذا ما يفسر لنا أيضا هذا الإرتباط بين القضية الفلسطينية وقطاع غزة على وجه الخصوص والأمن القومي المصري، وأيضا الإلتزام المصري بالقضية الفلسطينية وعدم التخلي عنه مهما كانت درجة التشكيك بهذا الدور، وإلا لكان من السهل على مصر التخلي عن هذا الدور، لكنه في الوقت ذاته يعني تناقضا وتراجعا من مصر لدورها الريادي وهذا يتعارض مع الفهم للأمن القومي المصري.. هذا ما يجب إدراكه منذ البداية. مصر كدولة في النظام الإقليمي العربي والدولي تعرف دورها وحدود هذا الدور، وهذا الدور لم يمنح ولم ينتزع بالقوة، بل هو إنعكاس لمعطيات تاريخية وحضارية تمتد لآف السنين وإنعكاس لموقعها الجغرافي المحوري في قلب النظام الإقليمي العربي، وتجسيد لعناصر القوة الأخرى السكانية والسياسية والعلمية. وهذا الدور الريادي والقيادي المؤثر لم يفرض بالقوة، بل أن هذا الدور هو الذي فرض نفسه على مصر. وهذا ما أكدته دورة القوة التي قد شهدتها المنطقة عبر مراحل التاريخ، وقد يحدث تغير في عناصر دورة القوة هذه، لكنها بقيت ثابتة في التأكيد على دور مصر في كل التفاعلات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة، وكانت مصر دائما محور وبؤرة تفاعل لكل الأحداث السياسية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية بكل مراحل الصراع مع إسرائيل. ومن هنا لا يمكن مقارنة دور مصر بدور دولة أخرى في المنطقة، وفي الوقت ذاته ليس هذا الدور بديلا لدور دولة أخرى، وفي هذا السياق تتحدد حدود دور كل دولة في المنطقة، وليس معنى ذلك إلغاء دور الدول الأخرى الذي قد يأتي مكملا للدور المصري وتفاعلاته الإقليمية. فالدول العربية وحسب مقياس القوة الشاملة ونظرية دورة القوة قد تصنف إلى دول صغرى ودول متوسطة ودول مؤثرة ودول كبرى ودول هامشية، ومصر حسب هذا المقياس تأتي في عداد الدول الكبرى في المنطقة والنظام الإقليمي العربي والشرق أوسطي. ومن خلال منهج النسق الإقليمي والدولي تتحدد كل التفاعلات السياسية وتتمحور حول الدولة القائد أو الدولة المركز في النظام الإقليمي، وهي هنا مصر. وحتى نفهم طبيعة العلاقات ما بين دور هذه الدولة والدول العظمى أو الكبرى على مستوى النظام الدولي لا بد من معرفة حدود دور الدول في كل نظام وهذا ما قد يفسر لنا أولوية العلاقات التي تعطيها الدول الكبرى في النظام الدولي للدولة الكبرى كمصر في النظام الإقليمي، وهنا تكمن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة وروسيا اليوم وسابقا الإتحاد السوفيتي والصين واليابان والإتحاد الأوروبي. وقد حظي هذا الدور بشرعية الوجود الإقليمي والدولي، ويرتبط الدور بالموقف والمكانة وقدرة القيادة، وإرتباط الأطراف الأخرى بها وعلى قدرتها توفير الأمن للآخرين ويتعلق هذا الدور بكل قضايا السياسة الخارجية وبوجود سلوك السياسة الخارجية وهو ما قد أضفى الشرعية على الدور الذي مارسته السياسة الخارجية المصرية عبر مراحلها المختلفة. وأخيرا فإن هذا الدور لا يتحدد فقط بالقوة، ولكن بتقاليد النشاط الدبلوماسي، ولا شك أن هذا الدور يشكل أهمية إستراتيجية عليا للأمن القومي العربي وتحديدا القضية الفلسطينية، وهو ما يفسر لنا الإرتباط العضوي ليس فقط بين دور مصر كدولة مركز في النظام الإقليمي العربي وليس فقط القضية الفلسطينية بل كل القضايا العربية الأخرى. أعود إلى موضوع المقالة اليوم، ولكن بداية لا بد من الإشارة إلى عدد من الملاحظات الهامة: اولا: أن مصر تدرك دورها وحدوده إزاء القضية الفلسطينية، وثانيا: ان الفلسطينيين ليسوا من يحددوا دور مصر وما هو مطلوب منها، وثالثا: ان تأجيل الحوار أو فشله لن ينتقص من دور مصر القومي وإستمراره إزاء القضية الفلسطينية من منطلق ارتباط القضية الفلسطينية بعناصر الأمن القومي المصري خاصة والعربي عموما. ورابعا: ان نجاح الحوار الفلسطيني وإنهاء حالة الإنقسام الفلسطيني يتوقف على المدركات الفلسطينية للدور المصري وحدوده وأهميته فلسطينيا. وأن هذا الدور لا بديل عنه بدور آخر لأي دولة عربية أخرى، وخامسا: ان مصر وعبر كل المراحل التاريخية تدرك خصوصية العلاقة التي تربطها بفلسطين وغزة خصوصا. وعليه فإن مصر لفلسطين وللفلسطينيين ليست مجرد دولة عادية، وليست مجرد ممر للعبور، وليست مجرد معبر يفتح أو يغلق لأيام أو لساعات، وليست مجرد علاقة بحركة "حماس" أو "فتح" أو غيرهما من التنظيمات والقوى الفلسطينية، بل أعمق وأبعد من ذلك بكثير علاقة شعب بشعب تداخلت بينهم روابط ووشائج أقوى من أن يحددها قرار سياسي فلسطيني أو غير فلسطيني.. مصر تشكل حاضنة سياسية وإستراتيجية وعمق إجتماعي وعضوي يربط بين الشعبين المصرى والفلسطيني، وهي علاقة لا تحددها الفترة التاريخية الحالية، بل هي عمق وإمتداد تاريخي يمتد لآلاف السنيين ودائما إرتبطت الأوضاع السياسية في فلسطين ضعفا أو قوة بالوضع السياسي في مصر. وقد تبدو هذه العلاقة أكثر الحاحا لقطاع غزة، هذا الجزء الصغير الذى شاءت القدرة الألهية أن تربطه عضويا بمصر ومن هنا خصوصية العلاقة بين مصر كدولة مركز في نظامها الإقليمي وبين هذا الجزء الصغير من فلسطين الذي لم يرقى إلى مستوى دولة.. هذه الخصوصية حددها التلاصق الجغرافي الذي يصعب تحديد حدوده، والتلاحم والإرتباط الإجتماعي الذي وصل إلى علاقة الزواج والمصاهرة والتجنس، والإرتباط الأمني وما تمثله غزة من بوابة الشرق لمصر، لذلك حرصت مصر على إستقرار الأوضاع في غزة، هذه المحددات هي التي قد دفعت مصر للمبادرة بإحتواء حالة الإنقسام السياسية الفلسطينية، وهذا ما يفسر لنا المسافة المتساوية التي أخذتها مصر من القوتين الرئيسيتين الفلسطينيتين "فتح" و"حماس"، وليس كما يقال أن مصر ليست وسيطا نزيها، بل عكس ذلك مصر ترى في نفسها طرفا ولو غير مباشر في إنهاء حالة الإنقسام وهذا ما يميز الدور المصري عن دور أي دولة أخرى في المنطقة: دور الفاعل المباشر المعني بحل الخلافات الفلسطينية من منظور كل المحددات التي أشرنا إليها ودور من يريد أن يوظف القضية لأهدافه ومصالحه القومية الخالصة. وموقفها منذ البداية الذى جاء على لسان الرئيس محمد حسني مبارك منذ اليوم الأول لسيطرة "حماس" على غزة في يناير 2006 بالحوار كأسلوب وحيد لحل الخلافات الفلسطينية، والموقف المصري المرن من الحصار المفروض على غزة وسماحها بأسلوب أو بآخر لتدفق كل السلع الحيوية بما فيها الوقود على غزة لتخفف حدة الحصار الذي تفرضه إسرائيل. أضف إلى ذلك ينبغي التأكيد أنه لا يمكن تصور أي شكل من أشكال الكيانية السياسية في غزة دون أن تكون حاضنته السياسية والأمنية مصر، لأن البديل لذلك هو إسرائيل. ولست هنا بصدد ماذا قدمت مصر من تضحيات من أبنائها الذين إمتزج دمهم بالدم الفلسطيني، وما قدمت من مساعدات مادية وبشرية، ولماذا خاضت مصر حروبها مع إسرائيل.. ألم تكن فلسطين قاسما مشتركا في كل هذه الحروب، لكل هذه المعطيات والمحددات كان طبيعيا أن تولى مصر أولوية خاصه بشؤون القطاع وسكانه، وإلتزامها الدائم به ولذلك ينظر أبناء القطاع دائما إلى مصر لتقدم لهم المزيد، ويتوقعوا منها الأكثر والأكثر. وفي الوقت ذاته على الفلسطينيين أن يدركوا كما تدرك مصر دورها أن مصر دولة يحكم سلوكها السياسي محددات كثيرة كونها دولة مركز في نظامها الإقليمي، لها علاقاتها الإقليمية والدولية ولها رؤيتها لأمنها القومي، ولها وعليها إستحقاقاتها الدولية التي تنظمها مجموعة من الإتفاقات الدولية، وعلى الفلسطيينين ان يتفهموا هذه المحددات والمعطيات التي تحكم دور مصر، وان يدركوا أيضا أن عليهم وخصوصا في قطاع غزة انهم مكملون لأمن مصر وليس عنصر عدم أمن وعدم إستقرار فهذا ليس في الصالح الفلسطيني. وأيضا الإبتعاد عن الممارسات والسياسات التي قد تشكل تحديا لدور مصر وإلتزماتها كدولة. في هذا السياق العام للعلاقة هناك مدركات متبادلة لا بد من تفهمها وإستيعابها فلسطينيا، ولذلك يخطئ الفلسطينيون إذا قللوا من دور مصر وأن هناك بديلا لهذا الدور، ويخطئوا أيضا إذا تصوروا ووضعوا هذه العلاقة في إطار العلاقات بين الدول الأخرى، هي علاقة خاصة كما أشرنا علينا ان ندرك حدودها برؤية مصرية وليس فقط برؤية فلسطينية. ولعل من الأخطاء التاريخية التي كانت سببا في علاقات متوترة ومتأزمة عدم إدراك الدور المصري كدولة، ومحاولة تجاوز هذا الدور بعلاقات تحالف مع دول أخرى، ولذلك على الفلسطينيين أن يتجنبوا سياسة المحاور والتحالفات العربية وان يدركو ويميزوا بين عمقهم الإستراتيجي والسياسي وبين الدلالات السياسية لما يقدم لهم من مساعدات مالية من هنا أو هناك: وإدراك الفارق الشاسع بين الأمرين. الأولى لها أولوية في العلاقة، وتشكل عنصرا ثابتا أما الثانية فمعرضة للتغير والتبدل، وعلى الفلسطنيين أن يدركوا المضمون الوطني في الدور الذي تقوم به مصر، وأن هذا الدور له إنعكاسات قوية على المواطن العادي الذي يحرص على الحفاظ على الجانب المتعلق بما يمكن تسميته الكرامة الوطنية للدور. وهذا من شأنه أن يمس العلاقات على مستوى الشعبين. ويخطئ الفلسطينيون اذا إعتقدوا أن الدور المصري مرتبط بمرحلة وأهداف مؤقتة، بل هي علاقة ممتدة عضوية تحتاج إلى التفكير فلسطينيا في الحفاظ عليها والتفكير في الخيارات والبدائل لتطويرها وتفعيلها في كل المجالات.. هي علاقات بديلة لإسرائيل التي تتحكم في الجانب الآخر للعلاقة، وهي علاقة توازن مع القوى الإقليمية والدولية الأخرى. بقدر هذا التفهم والإدراك المتبادل في العلاقات بقدر التوزن والإستقرار والإضطراد المتنامي في علاقات قوية. اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|