مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
جاءت ردود الفعل الفلسطينية والعربية علي الإيحاءات الصادرة عن قادة حماس بشأن إنشاء كيان فلسطيني بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية واضحة وحاسمة في رفضها لأي مساس بمبدأ أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني‏،‏ وأن هذا الموضوع يجب أن يسمو على كافة المماحكات اللغوية أو الطموحات السياسية لأي فصيل فلسطيني‏،‏ وأن التشكيك في شرعية تمثيل المنظمة وحدها للشعب الفلسطيني هو خطوة نحو تصفية القضية الفلسطينية‏.‏

ولا ينفع كثيرا في هذا المجال تبرير المتحدثين باسم حماس بشأن تلك التصريحات والقول بأن المقصود هو إنشاء كيان فلسطيني آخر يضم الفصائل الفلسطينية المستبعدة من المنظمة‏،‏ وعلى أن يعمل هذا الكيان بعيدا عنها‏،‏ أو القول بأن حماس تعترف بمنظمة التحرير مع وقف التنفيذ‏.‏

إن هذا الجدل يزيد من تعقيد الوضع الفلسطيني ويوفر لإسرائيل مخرجا من ورطة اتهامها بعدم الجدية في مفاوضات السلام‏،‏ كما أنه يسقط من حسابه مسار النضال الطويل الذي خاضته منظمة التحرير على المستويين السياسي والعسكري لمدة ثلاثة عقود‏.‏

لقد نشأت منظمة التحرير الفلسطينية بمبادرة من مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في القاهرة يناير‏1964‏ لإيجاد صوت فلسطيني بارز في المحافل الدولية‏،‏ وترتب علي ذلك انعقاد المؤتمر الفلسطيني في القدس في يونيو من نفس العام الذي أنشأ المنظمة وانتخب أحمد الشقيري رئيسا للجنتها التنفيذية ليكون ممثلا للشعب الفلسطيني في كل مكان‏.‏

وفي عام ‏1974‏ أعلنت القمة العربية في الرباط اعترافها بالمنظمة باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني‏.‏

وتطور الموقف السياسي والفكري للمنظمة‏،‏ ففي السبعينيات من القرن الماضي كان هدفها هو إقامة دولة ديمقراطية علمانية على كل أراضي فلسطين التي خضعت للانتداب البريطاني‏،‏ وفي عام‏1987‏ اندلعت انتفاضة الحجارة التي وضعت القضية الفلسطينية على جدول اهتمامات الرأي العام العالمي‏،‏ وفي عام‏1988‏ تبنت المنظمة خيار الدولتين أي إنشاء دولة فلسطينية تعيش جنبا إلي جنب مع إسرائيل‏،‏ وفي مؤتمر المنظمة بالجزائر في نفس العام تم إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي كتب وثيقته الشاعر محمود درويش وقرأه الرئيس ياسر عرفات‏.

وعقب إعلان الاستقلال اعترفت أكثر من مئة دولة بالمنظمة وسمحت لها بإنشاء مكاتب لها وتم الاعتراف بمنظمة التحرير من جانب الأمم المتحدة كعضو مراقب‏.‏

ونتيجة للمفاوضات التي بدأت في مؤتمر مدريد عام‏1991،‏ ثم تطورت بعد ذلك في العاصمة النرويجية أوسلو‏،‏ اعترفت المنظمة بوجود إسرائيل مقابل الاعتراف الإسرائيلي بالمنظمة‏،‏ كما تم إعلان المنظمة نبذها للعنف‏،‏ وتم توقيع إعلان المبادئ بين المنظمة وإسرائيل في واشنطن عام‏1993.

وفي عام‏1996‏ تم حذف عدد من بنود الميثاق الوطني الفلسطيني وتعديل بنود أخرى التي كانت تشير إلى رفض الاعتراف بإسرائيل والكفاح المسلح ضدها‏.‏

وارتبط بهذا التطور السياسي نضال عسكري قدم فيه الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء تضمن أنشطة خطف الطائرات المدنية وتفجيرها‏،‏ والعمليات الفدائية التي قامت بها الفصائل الفلسطينية في داخل إسرائيل‏،‏ وشهدت مواجهات عسكرية كان أبرزها معركة الكرامة يوم‏21‏ مايو‏1968،‏ والمواجهة مع الجيش الأردني في أيلول الأسود عام‏1970،‏ وكان من شأن ذلك خروج المقاومة الفلسطينية إلى لبنان‏.‏ والوقوف ضد الغزو الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام‏1982‏ والتي استمرت‏82‏ يوما ثم خروج المقاومة‏، ‏ وعلى رأسها أبو عمار بحرا وانتقالها إلي تونس حيث ظلت هناك حتى توقيع اتفاقيات أوسلو وعودة القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة وإنشاء مؤسسات السلطة الوطنية‏.‏

ولم يكن هذا التطور السياسي والعسكري سهلا أو يسيرا بل اعترضته صعاب جمة تضمنت إدارة الخلافات والصراعات الداخلية بين الفصائل الفلسطينية بشكل سلمي‏،‏ واحتواء الفصائل التي نشأت بدعم من بعض الدول العربية لتكون أدوات لها على الساحة الفلسطينية‏،‏ وفك الارتباط القانوني بين الأردن والضفة الغربية‏،‏ وذلك لإسقاط حجة إسرائيل بأن أراضي الضفة هي أراض أردنية خاضعة للسيادة الأردنية‏،‏ وبناء مؤسسات منظمة التحرير التي أصبحت فيما بعد مؤسسات الحكم الذاتي الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية،‏ وخلال هذا التطور رفضت بعض الفصائل تلك التوجهات وعلق بعضها عضويته بالمنظمة لفترة‏،‏ ثم عاد إليها بعد ذلك‏.‏

وباختصار‏،‏ أصبحت منظمة التحرير هي البيت الفلسطيني الكبير الذي يستوعب التعددية الفلسطينية‏،‏ وهي مصدر الشرعية القانونية والسياسية لكافة المؤسسات الفلسطينية الراهنة‏،‏ فالمنظمة هي التي وقعت علي اتفاقات أوسلو وهي المظلة التي نشأت في إطارها هيئات السلطة الوطنية سواء الحكومة أو المجلس التشريعي‏.‏

في هذا السياق‏،‏ تبدو خطورة تصريحات قادة حماس الذين يريدون أولا إعطاء انطباع بأن هناك منظمات مستبعدة من المشاركة في المنظمة‏،‏ وثانيا أن من حق تلك المنظمات أن تنشئ كيانا موازيا أو بديلا‏،‏ وثالثا أن من الأرجح أن يكون لهذا الكيان إطار فكري وبرنامج سياسي مختلف‏.‏

الحقيقة‏،‏ أنه لم يصدر بيان رسمي عن حماس تعترف فيه بمنظمة التحرير وبميثاقها أو باتفاقيات أوسلو والالتزامات المترتبة عليها‏،‏ ولا تعتبر أن مشاركتها في الانتخابات‏_‏ التي هي إحدى نتائج أوسلو‏_‏ تمثل اعترافا بالاتفاقية‏،‏ وقادتها يعلمون أنه لا يوجد استبعاد لحماس أو لغيرها من المنظمة‏،‏ ولكن حماس تطلب من المنظمة إعادة النظر في ميثاقها ومؤسساتها قبل المشاركة والانضمام‏.‏

ويستطيع الإنسان أن يتفهم أن بعض التصريحات النارية من هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك له دوافعه الإعلامية والسياسية‏،‏ ولا يعبر عن حقيقة ما يدور علي مائدة المفاوضات‏،‏ ولكن أيا كان الأمر فإن الحفاظ علي منظمة التحرير وعلي تحقيق الوحدة الفلسطينية في إطارها هو أولوية قصوى بدونها نكون قد عدنا إلي المربع الأول ونكون قد قدمنا لإسرائيل هدية غالية‏.‏ ونتذكر الآن ياسر عرفات وندرك أن الذين وضعوا له السم كانوا يعرفون جيدا ماذا يفعلون وما هي عواقبه وآثاره‏.

عن جريدة الأهرام المصرية

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة