مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
ليست القضية الفلسطينية دينية أبداً. إنها إنسانية بالدرجة الأولى. في الأدبيات الصهيونية بنيت مقولة «الأرض بلا شعب لشعب بلا أرض» على رؤية توراتية تشدد على هبة إلهية للشعب اليهودي يحيا عليها بعد وعد الخروج من العبودية وتحقيقه، وهي بحسب الرؤية أرض فلسطين. في هذا البناء تحددت «يهودية إسرائيل»، وليس في السنتين الأخيرتين كما استنتج البعض من تصريحات للرئيس الأميركي السابق جورج بوش. ولو كنا في مقارباتنا استراتيجيين لما كنا استغربنا هذا التحديد إذ إنه في صلب التأويل الصهيوني لنشوء إسرائيل.

في أي حال إن منطلق عدم الاستغراب التبسيطي يجب ألا يفرض علينا الاستسلام لهذا التأويل من ناحية، أو الاسترسال في إرساء تأويل مناقض قد ينقلب توكيداً أو تبريراً من ناحية أخرى. في الاستسلام ثمة تخلٍ عن القضية وفي النقض التوكيدي ثمة خيانة ما. لذا يتبدى ملحاً فتح النقاش عالياً، وانطلاقاً من بعدٍ إنساني يجد في تقصي إحقاق العدالة، مع من يصر على أسلمة القضية الفلسطينية معتبراً أن فلسطين «وقف إسلامي» وأنه آن أوان استنهاض «الشارع الإسلامي» للذود عن هذا «الوقف». وفتح النقاش تأسيسي لجهة تفادي الانخراط في دعم «يهودية إسرائيل» بإعلاء طرح «أسلمة فلسطين»، على أن يتم البحث في محاور ثلاثة. أولها فهم مخاطر تديين القضية الفلسطينية بعد فشل قومية صونها. وثانيها حساسية استبعاد النفس المسيحي في القضية عينها، لما قد يرتب ذلك من انعزالية عالمية. وثالثها فهم الانتصار الإسرائيلي بالأسلمة لا انهزامه.

منذ طرح صموئيل هنتنغتون نهج «صدام الحضارات» لاحت في الأفق فكرياً استثارات لعصبيات دينية تمظهرت بخيارات سياسية وعسكرية. وأتى محور التمظهر على مدى السنوات العشر الأخيرة بالإضافة الى الرؤية التلمودية الصهيونية العنصرية، إسلام تكفيري بن لادني، وإيقاظ لمسيحية تستند الى إيغال في استلهام التوراة ومندرجاته الصهيونية ومثل هذا الإيغال الرئيس جورج بوش، الى انفلاش نجادي جهادي بإيديولوجيا إسكاتولوجية يناقض طرح السيد محمد خاتمي لحوار الحضارات.

هذه الخيارات الأربعة شدت العصب الديني للشعوب على حساب انتماءاتها القومية والإنسانية، واستنفرت غرائز التصادم وترجيع صدى تراكمات تاريخية من الحقد المتبادل. المستفيد الأول والأخير من هذا الطرح كانت إسرائيل، فمهدت، وبسبب من السياق التاريخي، لإعلان يهوديتها وأسقطت بالتالي قناعاً تجميلياً عن أنها تحترم وجود مسيحيين ومسلمين على أرض اغتصبتها في الأساس. أما لماذا الإفادة إسرائيلية بالدرجة الأولى؟ فلأن إسرائيل بلغت، وبالتواتر، العالم أن دين أهلها مهدد من «إسلاميين متطرفين إنتحاريين وإستشهاديين» يودون إزالتها من الوجود، وأن حماية أهلها يكمن في تنقية ديموغرافيتها، كما أن يهوديتها يبررها من يسعى الى محاصرتها بـ «دولة إسلامية» على حدودها. ثم إنه ما الضير في قيام دولة كهذه أو أكثر، لطالما أن مشروعها التاريخي تفتيت الكيانات القومية التي حولها الى جغرافيات مذهبية من العراق حتى لبنان؟

إن الإجهاز على البعد القومي العربي كما البعد الإنساني العالمي للقضية الفلسطينية، وتوصيف الصِراع دينياً انتصار لإسرائيل، فهل يفقه الدافعون بهذا الاتجاه لما يرتكبون؟ تاريخياً، الصراع مرير بين اليهودية والمسيحية على المستوى العقائدي. حتماً سعت دراسات لاهوتية موسوعية الى احتضان اليهودية مرحلة تأسيسية حتى مجيء المخلص، لكن اليهودية بتَصَهينها وضعت نصب أعينها طرحاً مسيانيًا (Messianique) يتمثل بقيام دولة إسرائيل تمهيداً لوفود المخلص الحقيقي «يهوه» الى هذه الدولة تحديداً. من هنا استنفرت إسرائيل تياراً كنسياً يسمى بـ «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة الأميركية برز لوهلة مع الرئيس رونالد ريغان، ومثل ذروته جورج بوش، ليتحرك هذا التيار على قاعدة أن «الإسلام عدو»، ويضع التحالف «الصهيو- صليبي» بحسب أسامة بن لادن في مواجهته.

هكذا لا تعود المسيحية المشرقية ذات ثقل في معادلة الصراع لأجل العدالة في فلسطين، كذا الأمر بالنسبة لمسيحيي العالم. في جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية استبعاد المسيحي عن جوهر القضية الفلسطينية، وتوصيف حضورهم في الأراضي المقدسة، هم الذين باتوا يشكلون أقل من 2 في المئة بحسب الإحصاءات، على أنه حماية أحجار مقدسات، لا التزاماً بالأرض وانتماءً لأفق عدالة.

في هذا السياق لا بد من تساؤلٍ عن دور المسلمين في فهم المسيحية المشرقية كما المسيحية العالمية مناصرتين لفلسطين، وما أدوار رجالات وبطريركيات وأسقفيات ومجلس الكنائس العالمي كما مجلس كنائس الشرق الأوسط، الى نبض المسيحيين، سوى دليلٍ ساطع على هذه المناصرة الصادقة، سيما وأن مسيحيي فلسطين والمشرق العربي ليسوا طارئين أو مستوطنين أو مرتهنين كما يحلو للبعض الادعاء.

كما لا بد من الدفع باتجاه لوبيينغ مسيحي - إسلامي وحتى مع بعض اليهود المستنيرين للتأكيد على هذا التلاقي حول عدلٍ منتهك منذ أكثر من 60 عاماً. من هنا تبدو مسؤولية البابا بنديكتوس السادس عشر الآن زيارة قطاع غزة كما الضفة الغربية، على رغم استعادته في بداية بابويته عقدة أوشفيتز بزيارته المعتقل. ربما التوجه الى فلسطين حق وعدل.

الأسلمة انتصارٌ ليهودية إسرائيل

كل اتجاه لأسلمة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والعربي - الإسرائيلي، والتنظير مثلاً للانتفاضة الإسلامية في تركيا، يحتمل ومن دون ريب شكوكاً في انتهاجه سبيل تقزيم للقضية الفلسطينية، وقتل الهوية الوطنية الفلسطينية، وتجاوز نضالات من آمنوا بفلسطين صرخة عدل عالمية. ويحتمل هذا الاتجاه أيضاً تساؤلاً حول كيف نقاوم تفتيت الهوية بتطييفها ومذهبتها، وكيف نقاوم تفتيت الجغرافيا بتقطيع الأوصال بين الضفة والقطاع توسلاً لسلطة وشرعية؟ أوليس التفتيت والتقطيع هذان تنظر إليهما إسرائيل بعين المنتصر الاستراتيجي فيما يتلهى البعض بتكتيكات انتحارية؟

عن صحيفة الحياة اللندنية

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة