كيف يمكن تصنيف انضمام حزب العمل الإسرائيلي إلى حكومة يتقاسم فيها السلطة مع (أعدائه) الأيديولوجيين سواء في حزب (الليكود) أو (إسرائيل بيتنا) دون نسيان الحزب الحريدي المتطرف (شاس) وغيره؟ وكيف انتهى الأمر بالحزب الذي أسس (الدولة) وقادها منذ 1948 وحتى 1977 أن يتحول إلى شاهد زور في حكومة نتنياهو؟!
هل يأتي هذا القرار في سياق التكتيك السياسي الذي يمارسه العمل ـ كما يدعي ـ لتخفيف الجريمة اليمينية في إسرائيل؟ أم يأتي الأمر في سياق السقوط النهائي لحزب العمل وتفكك اليسار واندماج اللوحة السياسية الإسرائيلية في لون واحد؟ أم أن هذا الانضمام يأتي في إطار شخصية حزب العمل وتحوله إلى حزب الزعيم، حزب قائم على متلازمة (الطمع ـ الطاعة) ارتكازاً إلى فكرة المصالح والمغانم، أم ربما أخيراً، أن لا شيء تحت شمس هذا الحزب الحربجي المتطرف بجوهره الصهيوني الفاشي، المسؤول عن طرد الفلسطينيين، وعن بناء المستوطنات، وعن معظم حروب إسرائيل ضد العرب؟! هذه المقالة مقاربة لوضعية حزب العمل ومحاولة للإجابة على السؤال أعلاه؟ تأسست حركة العمل أصلاً كمنظومة قوة وهيمنة تمثل هدفها الجوهري في إقامة الدولة استناداً إلى احتلالين (الأرض والعمل) كما أن نشوء اليسار جاء من تقاليد إشكالية من ناحية الديمقراطية الليبرالية كما يحلل زئيف شطرنهل، تقاليد جماعية كرست إلى حد التقديس مبدأ الأكثرية لا الحريات الفردية، أدت إلى بروز نخبة ديمقراطية تؤمن أن الطليعة صاحبة القول الفصل في إقرار كل شيء باسم الشعب، وقد عبر ديفيد بن غوريون عن ذلك بقوله: "ليس المهم ماذا يريد الشعب وإنما المهم ما هو مطلوب من الشعب"، لذلك فإن هذه النظرة، كانت ربما الانفصال الأول لحركة العمل عن جمهورها الافتراضي الأصلي، مزيلة أي شك وأي تخوم بين قيم ـ ثبت زيفها وزيف ادعائها ـ طرحتها أو تبنتها هذه الحركة، وبين المحيط الصهيوني المتماثل ـ نسبة إلى التماثل الفاشي ـ مما يجعل مشكلة اللاديمقراطية والدفاع عن حقوق المواطنين مروراً بالموقف من الاحتلال و(الحرب) مما يعكس الغياب الفاضح للفوارق بين اليسار واليمين في مقاربة المواقف من الاجتماعية. ضياع التخوم بالنسبة للموضوعات الاجتماعية والأمنية تم تسويقه تحت شعار (الاجتماع القومي) وهذا الانحلال (انحلال اليسار في اليمين ونفوذ اليمين في معاقل اليسار) يعيد البعض إلى عام 1977 في حين يرجعه آخرون ـ ونحن منهم ـ إلى 1967!! لا بد من التأكيد هنا أن تراجع اليسار وصعود اليمين المتطرف في إسرائيل إنما يعكس برأينا نزعة ثابتة ومستمرة في إسرائيل يشير إلى ذلك مؤشرات عدة أبرزها تحول المركز السياسي نحو اليمين، ومواقف المجتمع اليهودي ضد الفلسطينيين عامة وضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر خصوصاُ وكذلك تصاعد نزعة تأييد الحرب العدوانية (لبنان وغزة) وغيرها الكثير. وفي الإطار السياسي الحزبي لم تكن (حركة العمل) ولاحقاً (حزب العمل) الأفضل بالنسبة للعرب والفلسطينيين في يوم من الأيام من أحزاب اليمين وحتى اليمين الفاشي المتطرف!! حزب العمل ـ نذكر من جديد ـ هو صانع النكبة ومفتعل الحروب ضد العرب والفلسطينيين ومبرمج سياسة الاستيطان وكل ما بات معروفاً عن سياساته عندما كان منفرداً في السلطة أو شريكاً أو متناوباً فيها. ورغم الآمال الزائفة التي وزعها رابين، إلا أن سياساته المترددة تجاه السلام ـ تعبيراً عن عدم قناعته بهذا السلام ـ هي ما أودى به، ثم جاء بيرس ليدمر كل أمل زائف زرعه اليسار الإسرائيلي للسلام عبر امتناعه عن تنفيذ الاتفاقات التي وقعها في معظمها، وتسليمه الراية الصهيونية (نظيفة) إلى الليكود في أيار 1996، وعندما عاد حزب العمل إلى السلطة بعد غياب 3 سنوات عام 1993 كانت سياسات باراك امتداداً لسياسات نتنياهو، ولم تختلف لاءات العمل في السلطة عن لاءات الليكود واليمين المتطرف: لا للعودة إلى حدود 1967، لا لتفكيك المستوطنات، لا للانسحاب من القدس الشرقية، ولا لعودة اللاجئين، لينضم الآن إلى حكومة لا تريد إقامة دولتين!! وعلى سبيل التذكير أيضاً ففي الحملة الانتخابية للكنيست السابقة، بدأ زعيم حزب العمل عمير بيرتس حديثه عن السلام وتقاسم الأرض والدولتين، لكنه مع اشتداد تلك الحملات سرعان ما أغلق فمه عن هذه القضايا مفضلاً الحديث عن أولاد بلا طعام ومسنين بلا مخصصات تقاعد، وحزب العمل اليساري العلماني، في برنامجه الانتخابي لا يخجل من اللجوء إلى الغيبية "إسرائيل هي دولة يهودية، وهي البيت القومي لكل اليهود أينما كانوا، إننا أخذنا على عاتقنا تحقيق الصهيونية لنرى أنفسنا ورثة وحاملي راية الثقافة اليهودية والثقافة العبرية المجيدة، هناك طريق يربط بين جذور تراثنا الديني والثقافي، وبين مستقبل لدولة إسرائيل". وهكذا، في محاولته اليائسة للإمساك بنجم الأيديولوجية الساطع (منذ 1967) أضاع حزب العمل واليسار الإسرائيلي هويته وحطم التخوم التي تفصله عن اليمين، وهكذا فإن (جوهر اليسار) حزب(ميرتس) اليساري العلماني أيضاً والذي لا يمانع زعيمه (السابق) من كيل المديح للفاشي ليبرمان، يظهر في حملته الانتخابية رجالاً ونساء يغرزون الأوراق في حائط (المبكى) ويتمنون على (يهوا): امرأة تتمنى الحصول على لقب جامعي، رجل يتمنى الزواج من رجل، جد يريد مالاً لشراء هدايا لأحفاده، ومسيحية تتمنى أن يعترف بها كيهودية. أما الشيء الذي لا يتمناه أحد في دعاية ميرتس فهو السلام؟ ذلك إذاً هو جمهور اليسار، فما الذي يجعل أي شيء يتغير الآن بعد انفصال العمل عن طروحاته السياسية والاجتماعية (حتى لو كانت مدّعاة) ولماذا يفاجأ البعض دائماً مع كل خطوة يخطوها العمل تجاه اليمين والفاشية، ولماذا لا يجلس باراك على طاولة واحدة إلى ليبرمان في الحكومة عندما يشرب زعيم ميرتس الأنخاب مع هذا الفاشي؟! نجد في خيارات المجتمع الصهيوني تبريراً واضحاً لهذا التوجه وكمثال على ذلك أظهر مقياس "الحرب والسلم" الذي أجراه مركز (تامي شطاينمتس) لدراسة السلم في جامعة تل أبيب بعد بدء العدوان على غزة بأسبوع ونصف الأسبوع أن 94 % من اليهود يؤيدون الحرب، و92 % يعتبرونها مجدية أمنياً لإسرائيل، و92 % من اليهود أيدوا الهجوم الجوي على قطاع غزة، إذاً هل كان جر العمل من أذنيه للالتحاق بحكومة نتنياهو هو نوع من الاغتصاب لهذا الحزب أم أنه سلوك متوقع من مومس؟ وما مصير حزب العمل، هل سيجد باراك صعوبة في ضمان وحدة الحزب خلال الدورة البرلمانية؟ فلنتذكر أن أغلبية مؤتمر الحزب صوتت لصالح الانضمام للحكومة ويعلم الجميع أن غالبية أعضاء كتلة العمل في الكنيست (7 من 13) كانوا ضد قرار الانضمام إلى الحكومة، ثم سرعان ما تناقص العدد إلى 5 من 13، بعد أن تم تفعيل متلازمة (الطمع/ الطاعة) حيث تراجع البروفسور أفيشاي برافرمان وأعلن التزامه بقرار الحزب، وكافأه باراك بتسليمه حقيبة شؤون الأقليات، وتبعه في سياق المعادلة ذاتها العضو الجديد في الحزب صحافي "هآرتس" دانيئيل بن سيمون، الذي حصل على منصب رئيس الكتلة في الكنيست، بل إن باراك حاول شراء من بقوا على تمردهم فحصل بعضهم على جوائز (تطميعية) كما أوفير بينيس الذي حصل على رئاسة أرفع لجنة برلمانية، لجنة الشؤون الخارجية والأمن، مع العلم أنها لجنة خلت على الدوام من أي خلاف حول القضايا الأمنية الحساسة فهي (لجنة الإجماع القومي) والمكان الأمثل لظهور الألوان الساطعة لفاشية دولة إسرائيل، ومن الطبيعي أن يكون لحزب العمل مكانته المرموقة فيها!! ومن المتوقع أيضاً أن المتمردين الخمسة سيترددون كثيراً قبل الانشقاق وتشكيل كتلة برلمانية مستقلة، حيث أن انشقاق هؤلاء قد يحملهم قسطاً من عبء ديون الحزب الذي وصل حدود أن تماسك حزب "العمل" لن يعود لهذه الأسباب بقدر ما سيكون مرتبطاً بانحطاط هذا الحزب بنيوياً، وإيمان الجميع بحتمية الغرق الجماعي في سفينتهم المحطمة! ولكن ماذا عن باراك ونتنياهو، ما الذي جمعهما في هذا الخليط (العجيب) حسب ما يصفه المتمسكون بوجود فوارق ما؟ تشير التقارير الإسرائيلية إلى وجود دوافع أمنية وعسكرية تقف جنباً إلى جنب مع المصالح والمطامع الشخصية، استناداً إلى رغبة جامحة لدى باراك البقاء في الحكومة، مع قناعة شخصية متولدة لديه بأنه لم يعد هناك مستقبل لحزب العمل، فهل يحاول النجاة بمستقبله السياسي بمعزل عن العمل، أم أن الأمر كما يدعي مقربوه بأن وجوده في الحكومة سيساعده في إنقاذ الوضع (رغم أن هذه الوصفة فشلت في الحكومة السابقة). المهم مهما كان السبب، وجد باراك فرصة في ضوء رغبة نتنياهو بعدم جعل حكومته يمينية ضيقة، وكذلك ثقة نتنياهو الأمنية بباراك (أكثر مما يثق بموشيه يعلون) كوزيري دفاع محتملين، وقد أشار نتنياهو إلى هذا وتقديره لباراك علناً في خطابه في مؤتمر هرتسليا مطلع شباط، كما أنه كان من السهل على باراك العبور من حكومة أولمرت إلى حكومة نتنياهو، ألم يكن أولمرت وليفني ليكوديان متعصبان أصلاً؟ وباراك بدوره لا يؤمن بالسلام، ولا يؤمن بوجود احتمالات لدفع السلام مع الفلسطينيين كما أنه ليس معنياً (بالتخلص من الضفة الغربية) على حد قوله. وكان قد كشف وجهه الحقيقي في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، عندما زيف الحقائق ليدمر السلام، سالكاً سلوك زعيم عاجز عن اتخاذ أي قرار ارتباطاً بضعفه الشخصي أو ضعف إطاره السياسي، أو كزعيم لا يريد السلام فعلاً وإن كان سلوكه يؤشر للاحتمال الثاني كما أشرنا من قبل. وبالنتيجة.. هذا النص جزء من تحليل وضعية اليسار في إسرائيل، (اليسار) الذي لا نعرف إن كان موجوداً حقاً من قبل ولكن هناك على كل حال تيار يدعى (اليسار الإسرائيلي) يتم نعيه، والاستعداد لدفنه.. وحبذا لو يسرعوا في إجراءات الجنازة!!. عن شبكة أمين اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|