أثار خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما جدلاً ساخناً بين فريقين: فريق أول رأى في الخطاب "التاريخي" "الزعيم الـمنتظر" الذي يقود انقلاباً شاملاً في السياسة الأميركية والعالـمية. وفريق ثان لا يرى أي تغيير في السياسة الأميركية؛ استناداً إلى خطاب اشترك في إعداده 40 شخصاً، واستعرضت فيه موهبة وجاذبية أوباما الآسرة ليحقق هدف الإبهار.
ثمة مبالغة ــ سلباً وإيجاباً ــ في التقديرين، فأية قراءة متأنية للخطاب الذي قدمه الرئيس أوباما سيجد عناصر إيجابية عديدة شديدة الأهمية، مقارنة بإدارة بوش ومعظم الإدارات السابقة، والـمقارنة بالسياسة الأميركية السابقة هو الـمعيار الذي نحكم من خلاله. فلا يمكن القول إن النظام الأميركي في عهد أوباما سيخرج من جلده ويتحول إلى نقيض. التغيير في شكل الحكم وليس في طبيعة النظام. والتغيير في شكل الحكم ــ غالباً ــ ما يأتي جراء أزمة نابعة من سياسات مغامرة ومجنونة. والحكومة الأميركية عاشت أزمةً حادةً جراء سياسة الـمحافظين الجدد الـمغامرة، ومن الـمنطقي أن يصار إلى التعديل والتغيير في شكل الحكم والسياسة. وهذا ما حدث بالفعل وكانت له مقدمات عديدة انعكست على حالة الجدل في أوساط النخب الأميركية وعلى الرأي العام الذي أخذ ينفضّ عن إدارة بوش. التغيير هو بالدرجة الأساسية مصلحة أميركية، تتقاطع مع مصالح الـمتضررين من سياسة غطرسة القوة. ومثل هذا النوع من التغيير ليس بالجديد، ففيما مضى شهدت العديد من الدول الاستعمارية تغييراً في سياستها الخارجية وفي علاقتها بالـمستعمرات وشعوبها. الجنرال ديغول أحدث تغييراً مهماً عندما اقتنع بأن الاستمرار في احتلال الجزائر يلحق الأذى بفرنسا ويعمّق من أزمتها، وكانت دول استعمارية أخرى قد تراجعت عن استعمار شعوب أخرى ضمن مفاضلة ما هو الأحسن لـمصالحها أو الأقل ضرراً وخسارة. ورئيس جنوب إفريقيا (دي كليرك) تراجع عن نظام الفصل العنصري في لحظة من احتدام أزمة نظامه. التراجع إذاً يرتبط بأزمة ناجمة عن مقاومة الشعوب، ويرتبط، أيضاً، بمحاولة الخروج من الأزمة والتقليل من تداعياتها. خصائص الشخصيات القيادية أيضاً تلعب دوراً في التغيير، لـم يكن من باب الصدفة دعم الـمؤسسة الأميركية لشخصية أوباما أثناء الأزمة التي عاشتها الولايات الـمتحدة. التغيير الذي طرأ على الـموقف الأميركي يندرج في هذا الإطار. ومن الـمفيد جداً رؤيته ووضع الخطط للإفادة منه وتوظيفه لـمصلحة تحررنا من الاحتلال والتبعية. وفي الوقت الذي يحاول فيه النظام الأميركي والدولي الخروج من أزمته، لا تترافق مع هذه العملية محاولات من النظام العربي للخروج من أزمته في نقاط التقاطع التي تؤثر سلباً أو إيجابا على الأزمة. على سبيل الـمثال، لا تحرك الأنظمة النفطية وأصحاب رؤوس الأموال العرب شيئاً من جدوى تريليونات الدولارات الـموجودة في الأسواق الأميركية والغربية، ولا توظف صعود وهبوط أسعار النفط، ولا شراء السلع الإستراتيجية كالأسلحة، ولا حتى العلاقة العلنية وغير العلنية مع إسرائيل، لا توظف كل هذه البنود الحيوية جداً في العملية السياسية واستقرار الـمنطقة وتطوير العلاقة مع الولايات الـمتحدة، بل تهدرها بالكامل. وإذا لـم يحرك النظام العربي والفلسطيني ساكناً وبقي ينتظر أوباما ليحقق "السلام" و"العدالة" بطريقته فستذهب فرصة التغيير هباء. ويلاحظ في الجهة الأخرى أن حكومة نتنياهو ومعها مجموعات من اللوبي اليهودي داخل الولايات الـمتحدة بدأت تضع الخطط لإبطال مفعول أية عناصر إيجابية في سياسة أوباما. وهذا يشكل تحدياً إضافياً للنظام العربي، وتحدياً للـمعارضة وقوى التغيير الديمقراطي. الضغط على الـمصالح الأميركية والغربية هو العنصر الأهم في الـمتغير الأميركي والدولي الجديد. والضغط الديمقراطي الجماهيري على النظام العربي هو الذي يفعّل سلاح الـمصالح في لحظة تاريخية من هذا النوع. القضية تعتمد على تفعيل نظام الـمصالح الـمتبادلة كما تفعل إدارة أوباما وإدارات الغرب وروسيا والصين وإيران وغيرها. لقد قدم أوباما فرصة للتحرك السياسي للدخول في معارك سياسية وتحسين الشروط والتغيير في قواعد اللعبة. العنصر الجوهري الذي لامسه أوباما في خطابه وسابقاً عبّر وزيرة خارجيته ومبعوثه للشرق الأوسط عنه هو وقف الاستيطان بمختلف أشكاله بما في ذلك النمو الطبيعي، قال أوباما في خطابه: "لا تقبل الولايات الـمتحدة مشروعية استمرار الـمستوطنات الإسرائيلية". فالاستيطان هو الذي دمر العملية السياسية طوال الفترة السابقة. وبقاء الاستيطان هو الذي يجعل من إقامة الدولة الفلسطينية مهمة مستحيلة. وربط أوباما بين وقف الاستيطان وحل الدولتين بالقول: "السبيل الوحيد للتوصل إلى تحقيق طموحات الطرفين يكون من خلال دولتين" و"سوف أسعى شخصياً للوصول إلى هذه النتيجة متحلياً بالصبر والتفاني". "لا يمكن إنكار حق فلسطين في البقاء" والتطلعات الـمشروعة للفلسطينيين في إقامة الدولة. والربط بين الوضع الفلسطيني والتجارب النضالية السلـمية التي نجح فيها السود في الخروج من العبودية في أميركا وجنوب إفريقيا. والاعتراف بمعاناة الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال الإسرائيلي. بوش تحدث عن دولة قابلة للحياة ولكنه جعلها قابلة للـموت من الناحية العملية من خلال تشجيعه الاستيطان. هنا فرق كبير بين الـموقفين. بين موقف بوش وموقف أوباما. قد يبادر البعض بالقول إن أوباما طالب بوقف الاستيطان ولـم يمارس الضغط على حكومة نتنياهو من أجل وقفه، وما زال الاستيطان مستمراً. هذا صحيح وربما تنجح حكومة نتنياهو في الالتفاف على موقف أوباما ومواصلة الاستيطان. إذا لـم نخض معركة الاستيطان فلسطينياً وعربياً مستفيدين من موقف أوباما الجديد. وفي مقدمة ذلك إذا لـم نصر على وقف الاستيطان كشرط للذهاب إلى طاولة الـمفاوضات. مفهوم أوباما الجديد يربط حل الصراع العربي الإسرائيلي بإقامة الدولة الفلسطينية، وربط ذلك بالاستقرار في الـمنطقة والـمصالحة مع العالـم الإسلامي والعربي ونزع فتيل الانفجارات. أوباما يرى أن حل الدولتين مصلحة مشتركة من زوايا عديدة. والسؤال هل يوجد تقاطع فعلي بين الـمصالح، علـماً أن النظرة للـمصالح تختلف من طرف لآخر، من رؤية الشعوب لها ورؤية النظام الدولي والإقليمي ورؤية إسرائيل. الجواب لا يكون بموقف مبدئي يلغي التقاطع بل بموقف واقعي يستفيد من التناقضات في إطار النظام ويجعل من حاجة الشعب الفلسطيني الـملحة والـموضوعية للدولة أمراً غير متعذر ولا ينتمي إلى الحلـم فقط. اكتشاف التقاطع في الـمصالح ضمن تناقضات لحظة تاريخية هو الذي مكن الشعب الجنوب إفريقي من نيل استقلاله وحريته النسبيتين. انتقل أوباما من لغة الإملاءات وغطرسة القوة ومصطلحات الإرهاب والحرب ضد الإرهاب إلى لغة أخرى، تعترف بالآخر وتبدي الاستعداد للتعامل معه، التغيير في الـمصطلح ليس بلا مغزى. بقي القول إن أوباما قدم مواقف وخطوطاً عامة، لـم يقدم برنامجاً سياسياً، قدم فرصة وأعطى غطاء للذي يرغب في دخول الـمعركة ضمن أهداف شعبه. عن شبكة امين اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|