مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
ترى لو كنت مكان القاضي غولدستون لحظة تبلغه قرار "تأجيل التصويت" على تقريره بناء على اتفاق أمريكي – فلسطيني ماذا كان سيحل بك؟ ماذا كنت ستقول؟

ترى لو أتيحت الفرصة لإسرائيل أن تتهم كل المقاومين الفلسطينيين، وليس بعضهم، للمحكمة الجنائية الدولية "كإرهابيين"، فهل كانت ستتورع عن ذلك؟ ترى هل كانت ستتذرع بدواعي تنشيط عملية السلام، أو بالحاجة إلى نيل إجماع اكبر، أو بالحاجة إلى ضمان تحقيق الإدانة؟ لنعرف الجواب القاطع، يكفي أن نستذكر هنا مواقف إسرائيل والولايات المتحدة من الرئيس الراحل عرفات، وأقلّها وصفه من قبل ممثل إسرائيل أمام الجمعية العامة بالإرهابي، وبالفاسد غير المرغوب به من قبل ممثل الولايات المتحدة. فلم تأبه أي منهما بمواقف الغير، ولا بدواعي السلام، ولا بلباقة الحديث، ولا حتى بمشاعر شعب يؤمن برمزية الرجل.

ما جرى في مجلس حقوق الإنسان في جنيف ليس فقط يتناقض مع إستراتيجية حل الصراع على أساس الشرعية الدولية، بل هو تنكر لها، وهدر لمصدر قوة الموقف الفلسطيني.

فمنذ تبني خيار التفاوض كخيار استراتيجي لحل الصراع، وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول جدوى هذا الخيار، شكلت مبادئ، وقواعد، وقرارات الشرعية الدولية نقطة الارتكاز ومصدر القوة الوحيد عمليا للطرف الفلسطيني. ومن يعتقد أن لدى المفاوض مصدر قوة آخر فهو واهم، فلا الولايات المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي، ولا غيرهما يشكل سندا للمفاوض. وللحقيقة يجب ان يقال هنا أن المفاوض الفلسطيني اسقط عمليا - تحت شعار مقتضيات السلام - مصادر القوة الأخرى الكامنة في الشعب، بل إن معاناة الشعب ذاته لم تعد توظف عمليا إلا لاستجلاب "المعونات" وربما لاستدعاء الاستثمار والمستثمرين. فكيف نطالب بعد كارثة جنيف بتطبيق الشرعية الدولية؟ ترى كم دولة ستؤيدنا؟ وكم ملم غرام بقي من مصداقيتنا؟

وللحقيقة أيضا، يجب أن نقول أن المتتبع لدور ممثلي م. ت. ف في الهيئات الدولية (الذين اصبحوا يتحدثون باسم السلطة وليس المنظمة) يعرف أن ما جرى في جنيف لم يكن البداية. ان كارثة جنيف غولد ستون هي حصيلة نهج تبنته السلطة الفلسطينية يقوم على تقديم السلطة (دولة فلسطين) بديلا عن م ت ف كحركة تحرر وطني. وناهيك عن عبثية هذا الاستبدال، وأثره التدميري على الحقوق الوطنية الفلسطينية التي لما تنجز بعد، يلزم التأكيد هنا على الفرق ما بين حركة التحرر والسلطة - دولة فلسطين ضمن مفهوم التمثيل في الهيئات الدولية وما يمكن ان يجره ذلك من مصائب كان آخرها كارثة جنيف – غولدستون.

لن نذهب بعيدا في تتبع نهج استبدال حركة التحرر بالسلطة- دولة فلسطين وسفرائها وسنكتفي فقط بإبراز بعض مواقف سفراء هذا النهج خلال العام 2009. ففي منتصف كانون الثاني 2009 افشل ممثل م. ت. ف لدى الأمم المتحدة (رياض منصور) مشروع قرار دول عدم الانحياز الذي كان يدعو إلى إدانة إسرائيل لعدوانها على غزة، وبتحميلها المسؤولية، وبتشكيل محكمة دولية خاصة للتحقيق في جرائمها. كانت الحجة آنذاك، بحسب كلمات منصور نفسه الحاجة إلى تحقيق "إجماع دولي"، والحاجة إلى "مزيد من التشاور مع الدول" ولتدقيق بعض "العبارات والكلمات المتطرفة " الواردة في مشروع القرار (يمكن الرجوع إلى وثائق الجمعية العامة للاطلاع على النصوص كاملة).

ترى ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة ببساطة كان يمكن قراءتها في عناوين بعض الصحف الأجنبية والصحف العربية "هنيئا لإسرائيل التي تتمتع من دون دول العالم بممثلين اثنين". جاءت مثل تلك العناوين تعليقا على رد ممثل إسرائيل الذي كان يحاجج ضد رئيس الجمعية العامة حين قال "إن ممثل فلسطين نفسه غير موافق على مشروع القرار فلماذا الإصرار على تقديمه؟!" :

وفي خضم الأعمال التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة لمناهضة العنصرية (ديربان- جنيف نيسان 2009)، وبموافقة وزير خارجية السلطة (رياض المالكي) وممثل م. ت. ف (إبراهيم خريشة)، لم يتم حرمان منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية من تنظيم فعالياتها في داخل مبنى الأمم المتحدة وحسب، بل وتمت الموافقة مسبقا على إسقاط أية إشارة إلى إسرائيل كدولة احتلال تمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين وتواصل انتهاك حقوقهم. طبعا كان التبرير جاهزا؛ حيث قيل للمنظمات الحقوقية الفلسطينية التي تتمتع بصفة استشارية لدى مجلس حقوق الإنسان أن الموافقة الفلسطينية جاءت تقديرا للدول الصديقة وكي لا يوصف المؤتمر "باللاسامية" وبالتالي يفشل! ترى هل نجح المؤتمر؟

بتقدير الخبراء الدوليين مثلت نتائج ديربان- جنيف 2009 تعويما وتعميما افقد عبارته المحتوى فلم يكن المؤتمر "أكثر من مجاملة للدول على حساب الضحايا".

اليوم، بعيد طلب ممثل م. ت. ف (وربما هو ممثل السلطة الفلسطينية، إذ تتبدل الصفات بحسب الحاجة والموقف) من مجموعات دول عدم الانحياز، والدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي بسحب مشروع قرار تبني توصيات القاضي غولدستون وإرجاء التصويت عليه إلى آذار 2010، وبعيد تجاوز حالة الإرباك الأولى التي عاني منها الخطاب الرسمي الفلسطيني، تعاد علينا التبريرات وتقدم لنا كمسوغات "منطقية" و"سياسية" و"قانونية" علينا أن نقبلها (طبعا هذا يعني ضمنا أن عدم القبول بها يعني المساس بالوحدة الوطنية). لقد توحد الخطاب الرسمي فالكل يكرر نحن مجرد مراقب لا يملك حق تقديم مشاريع القرارات أو سحبها، وان طلب التأجيل جاء لتجنب الفيتو الأمريكي، ولتحقيق الإجماع أو اكبر إجماع، ولضمان استصدار قرار تنفيذي، ودفعا لجهود السلام... الخ من التبريرات الواهية.

المنطق، أو قل المنطق الوطني يقول أن المصلحة الوطنية ومصلحة الضحايا ليست موضوع مجاملات دولية، ولا حتى موضوع مساومة في ميزان المصالح المتبادلة بين الدول. المنطق، أو قل المنطق الوطني يقول أن التأييد الذي حازه التقرير، وهو أفضل تقرير صدر لمصلحة الشعب الفلسطيني من حيث المحتوى ودرجة الوضوح، والتوصيات العملية منذ توصيات الكونت برنادوت عام 1948، كان كافيا لفرضه على معارضيه ولو كسند قانوني (اقله مثله مثل قرار 194 أو 237 ). والمنطق، أو قل المنطق الوطني يقول أن التأجيل لم يكن منطقيا.

السياسة، أو قل ألف باء السياسة تقول أن لا مجاملة في المصالح الإستراتيجية، ولا تفويت لفرصة ذهبية من اجل انتظار فرصة أخرى.

ومنطق السياسة "كفن تحقيق الممكن" كما اعتاد ان ينظّر لذلك احد مبرري كارثة جنيف، يقضي بان تفويت "الممكن" في اللحظة المواتية لا يعني أن ما فات يمكن تحقيقه في لحظة أخرى. ببساطة، نقول إن من يُضيّع فرصة أن يكون، يجب ألّا يكون. ترى ألم يحسب المقررون كم من الضحايا سيسقطون خلال الأشهر الستة القادمة؟ كم من الانتهاكات سترتكب؟ كم وكم؟! لا اعتقد أن الأمر كان صعبا، فبعد اقل من 12 ساعة على "تأجيل التصويت"، جاء الرد الإسرائيلي، أو قل جاء العرفان بالجميل على الطريقة الإسرائيلية، مدويا وواضحا، ليس فيه للمجاملة أمام المصلحة مكان، جاء قاتلا وحارقا؛ فلا ضير بعدة غارات على القطاع المنكوب ما دام هناك متسع من الوقت للتشاور، والتباحث، والدراسة.

القانون، أو قل القانون الدولي، وقانون حقوق الإنسان خصوصا، ونظام مجلس حقوق الإنسان على الأخص، يقول أن لا فيتو في مجلس حقوق الإنسان، لا لأمريكا (العضو الجديد جدا) ولا لغيرها. والقانون، إذ يقول أن العضو المراقب لا يملك حق التقدم والسحب والطلب مباشرة إلى آخره من معزوفة الهروب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين الذين "وافقوا"، إلا انه يقدر على فعل ذلك عبر غيره. أو ليس هذا ما دأبت م. ت. ف على القيام به منذ اكتسبت صفة المراقب عام 1974؟ اولم يكن لهذا المراقب دور في ترتيب مشروع القرار مسبقا مع تلك المجموعات؟ فلم التنكر لحقيقة التوجه إلى المجموعات المساندة بناء على اتفاق أمريكي- فلسطيني - بحسب ممثل منظمة المؤتمر الإسلامي- بطلب التأجيل؟ ومنطق القانون، قانون حقوق الإنسان يقول أن حقوق الإنسان ليست شأنا داخليا، ولا موضوع مساومة، ولا مقايضة، وان الدفاع عن الحقوق الفردية، ناهيك عن الحقوق الجماعية، ليست أمرا تقديريا يحتاج إلى البحث المعمق لتحقيق الإجماع أو إجماع اكبر. فهو ليس مشروطا بتحقق موافقة العدو" أو "الخصم" أو حليفه. البحث عن الإجماع هو أمر مستحيل، ولا يعدو كونه ملهاة حالم في صومعة. أما البحث عن "إجماع اكبر" فهو يمثابة سعي الضحية، أو ممثل الضحية، أو من بحكم الواقع أصبح ممثل الضحية، إلى تفريغ المحتوى من مضمونه عبر إشراك المجرم، منتهك الحقوق، أو المتواطئين معه في إصدار شهادة وفاة الحقوق- المضمون والغاية.

ربما يرى أصحاب قرار طلب التأجيل ما لا نراه، أو ربما يرون ما لا يريدوننا أن نراه، ولكن أيا كان الأمر فهو بمنطق قوى التحرر من الاستعمار، والاحتلال، والاضطهاد العنصري يضع مصداقية، ومسؤولية، وشرعية المقرر على المحك. هو موضوع - بمنطق المنطق، ومنطق السياسة، وفلسفة وأحكام القانون- اكبر وأكثر من موضوع "مستهجن"، أو "محرج"، أو "مخجل"، أو "خطأ تكتيكي"، أو "يجب تجاوزه في الجلسة القادمة (آذار 2010)" بحسب ما ورد في ردود فعل القوى والفعاليات السياسية.

انه موضوع مصداقية مع الذات ومع قوى التحرر والتضامن، انه موضوع مسؤولية وطنية تجاه الحقوق الفردية والجماعية، انه موضوع شرعية، واقل ما يمكن أن يقال انه موضوع كرامة استبيحت بفظاظة. فلو كان انتصار إسرائيل والصهيونية ناشئا عن غطرستها، أو عن الفيتو الأمريكي، لكان الأمر مبررا بمنطق معركة التحرر طويلة الأمد، ولكنه في حقيقته هزم للذات بالذات.

ان تشكيل لجنة تحقيق أمر على غاية الأهمية، وهو اقل ما يمكن عمله، ولكن يجب أن لا تكون مهمتها كما حددها مسبقا المستشار السياسي للرئيس نمر حماد "توضيح وإقناع الشعب بان التأجيل كان مصلحة وطنية عامة". إن المطلوب من لجنة التحقيق التي يزمع الرئيس تشكيلها ليس معرفة ما جرى ومن المسؤول فقط؛ ففي النهاية ليس المطلوب تقديم كبش فداء حتى لو كان خريشة نفسه.

إن المطلوب أولا تحديد ماهية هذه اللجنة، وثانيا التثبت من استقلاليتها، وثالثا تحديد صلاحيتها التي لا يجب أن تقتصر على التوصية، ورابعا فحص نهج استبدال تمثيل م. ت. ف كحركة تحرر وطني بسلطة دولة فلسطين غير القائمة، وأخيرا وضع آلية لضمان وطنية التمثيل المسند بمهنية المختصين.

منسق وحدة المصادر والإسناد القانوني في مركز بديل، مدرس القانون الدولي للاجئين في جامعة القدس.

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة