مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
يحتاج الفلسطينيون الى ما هو ابعد واعمق من المصالحة السياسية، ومن مجرد التوقيع على اتفاق مكتوب قد تذروه الرياح مع اول مطب سياسي أو خلاف بسيط على منصب أو وزارة، فالمصالحة السياسية تخضع لحسابات سياسية ضيقة، وقد تخضع ايضا لحسابات شخصية فردية.

وقد تعود معها الحالة الفلسطينية اسوأ مما كانت عليه من انقسام وصدام وتنازع، ولن تكون المسألة مجرد خلافات، ولذلك لا بد التأكيد منذ البداية أدراك أن سيناريو الخلاف والفشل فى أعقاب المصالحة قد يكون كارثيا وأكثر ضررا من عدم توقيع اتفاق المصالحة، وهذا ما ينبغي التحذير منه.. لذلك وعلى الرغم من أهمية المصالحة السياسية، ولا أحد ينكر حاجتنا الماسة اليها لكن وحتى تنجح هذه المصالحة فالمطلوب فلسطينيا ومصريا وعربيا الكثير الكثير، لأن الأمر لن يتوقف عند حدود اتفاق مكتوب لا تتعدى مساحته سينتيمترات قليلة من الورق، ومن هنا أهمية التركيز على المصالحة المجتمعية التي توفر الركيزة والدعامة لإستمرار الاتفاق وترسخه في النسيج الأجتماعي والسياسي للجسد الفلسطيني، وضرورة خلق القوى المجتمعية الذاتية التي قد تحول دون العودة الى الخلاف والصدام. وفي اعتقادي اذا شعر كل طرف أن قوى المجتمع ومؤسساته فاعلة وقادرة على التحرك فهذا من شأنه ان يشكل عاملا مهما في الحفاظ على أي اتفاق وضمان استمراره.

والفرق كبير ما بين المصالحة السياسية والمجتمعية، فالشعب الفلسطيني في حاجة الى أن ينتصر ويتصالح مع نفسه، حتى يقتلع كل الشوائب والقيم السلبية التي دخلت حياته بسبب الإنقسام، وهذاه مسألة ليست بسهلة، ولا تعالجها اتفاقات مكتوبة بقدر ما تعالجها استعادة القيم الخالصة لهذا الشعب من تسامح، ونبذ للعنف والكراهية والثأر، ومن روابط عائلية وأسرية وفردية، وابراز دور القيم الدينية السمحاء التي تدعو الى الوحدة والأخوة، والتداعي بين أبناء المجتمع كما يتداعى أجزاء الجسد الواحد. ولا بد أن نؤكد هنا على قوة الشخصية الفلسطينية، وأن حالة الانقسام والتشرذم التي نخرت في أجزاء الجسد الفلسطيني وجعلت منه جسدا واهنا ضعيفا غير قادرا على الحراك وحتى مواجهة الاحتلال كان بفعل عوامل مصطنعة، وليس لها علاقة بمكونات هذه الشخصية التوحيدية، فالشعب الفلسطيني مقارنة ببقية الشعوب الأخرى، لا يعاني من مذهبية، ولا طائفية، ولا حتى تحزبية متعصبة وأن عناصر التوحد فيه أكبر بكثير من عناصر التفتت والتشرذم، وعلينا أن نعترف أن حالة الانقسام قد خلفت وزرعت ترسبات مجتمعية سلبية، فهناك من فقد ابنه، وهناك من أعتقل وعذب، وهناك من اضطر لترك منزله وبيته، وسالت دماء وأريقت على الأرض الفلسطينية.. ومع ذلك تبقى لدى هذا الشعب القدرة على التسامح والترفع عن كل خلاف، وحتى التضحية والتنازل من اجل المصلحة العامة والعودة للوحدة، وخصوصا أن هناك أحتلال يبتلع الجميع.

اذن نحن في حاجة الى المصالحة المجتمعية وهي أساس أي مصالحة حقيقة، فمصالحة المجتمع هي مصالحة كل الشعب الفلسطيني، أما المصالحة السياسية فهي مصالحة عدد قليل من السياسيين، وقوة المصالحة تكمن في اندماج كلا المصالحتين، بمعنى تحول المصالحة السياسية الى مصالحة الشعب.. لقد عانى هذا الشعب من مظاهر الانقسام على مستوى الأسرة والعائلة الواحدة، وحتى على مستوى المصاهرة الاجتماعية، والعلاقات الأسرية، وعلى مستوى منظومة القيم والسلوكيات والتعامل الفردي، الذي حولنا جميعا الى أفراد وليس مواطنيين، وسلب منا الانتماء والولاء، وجعل الجميع يفكر فى الهجرة وترك الأرض والأهل، وهذا في حد ذاته جريمة وطنية ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، لأن تحرير فلسطين يتم ببقاء أبنائها والمحافظة على أرضهم، بل وبتشجيع من خرج ومن يعيش فى الخارج للعودة والبناء، وعليه فهذه المصالحة هدفها ألأكبر ليس مصالحة سياسية فقط بل مصالحة من أجل اعادة البناء والتعمير والاستثمار، واعادة ترشيد لكل عناصر القوة، اذا ما نجحنا فى ذلك نكون قادرين على التحدى والاستمرارية، هي مصالحة من أجل بناء نظام سياسي ديمقراطي حقيقي، واعادة بناء بل واسترجاع منظومة القيم الحقيقة لها الشعب، وهذه مسألة ليست سهلة وتحاج الى وقت وجهد ، ورؤية ونوايا صادقة.

ولعلي هنا اشير الى بعض مظاهر المصالحة المجتمعية، وأبدأها أولا بالمصالحة على مستوى المجلس التشريعي، ويفترض أن نواب هذا المجلس هم نواب الشعب، ولذلك السؤال هل هم قادرون على التصالح مع أنفسهم، فى الفترة المتبقية، وأن يرسخوا ويقدموا نموذجا حقيقيا لهذه المصالحة؟ وهل يمكن أن نتصور عودة أعضاء المجلس إلى مقارهم وممارسة عملهم النيابي بما يخدم نوابهم وبما يمهد لإنتخابات قادمة؟ واذا ما نجح المجلس فسيقدم نموذجا وصورة صادقة للمصالحة . ومن المظاهر الأخرى اعادة النظر في دور وسائل التنشئة بكل أشكالها التعليم، والمساجد، والقنوات الفضائية التي لعبت دورا تسميميا كبيرا، ان نعيد لهذه الأدوات دورها بخطاب اعلامي وسياسي تحكمه منظومة قيم واحدة. ومن المظاهر الأخرى عودة مظاهر المصاهرة الإجتماعية بين الأسر والعائلات الفلسطينية حتى تقوى الوشائج والروابط الإجتماعية.

ومن المظاهر المهمة عودة الحياة المدنية ودور مؤسسات المجتمع المدني، وكل هذا من شأنه أن يوسع من مجال الحرية الفردية التي تحكمها حرية المجتمع، وتشجيع سيادة القانون التي تحمي حياة الفرد، ولا ننسى أن المجتمع الفلسطيني مجتمع يلعب الدين فيه دورا هاما، فهو مجتمع يعرف كيف يحافظ على دينه وقيمه، وخصوصا انه مجتمع منفتح على كل الثقافات الأخرى وهذا يعطيه قوة دفع ذاتية تسمح له بالبقاء والقدرة على التحدي. وحدود هذه المصالحة لا تنتهي عند الحدود السياسية والمجتمعية والقيمية، بل أنها سوف تنعكس أيجابا على الوضع الاقتصادي، وعودة الاستثمار الفلسطيني، وبدلا من هروب هذا الاستثمار بسبب الانقسام سيعود الى أرض الوطن لبيني ويعمر، مما يتيح الفرصة الكبيرة لاستيعاب الشباب الذي يبحث عن عمل وهجرة الى الخارج. هذا هو المعنى الحقيقي والواسع للمصالحة الفلسطينية.. هي مصالحة من أجل البناء والتحرير والاستقلال وانهاء الاحتلال، فخيار الانقسام لن يحقق أي من هذه الأهداف المجتمعية والوطنية..!!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة