بدلا من أن يسير الفلسطينيون نحو مزيد من الخطوات الديمقراطية التي إبتدأوها بإنتخابات يناير 2006، ويؤصلون ويؤسسون لنظام ديمقراطي يضمن لهم إدارة شؤونهم بطريقة سلمية ويتيح للجميع أن يساهم في صناعة القرار السياسي، ويشكل أداة وقناة تواصل بين الفلسطينيين في الداخل والخارج، ويوظف كل عناصر القوة المتاحة والممكنه مما يسمح ببناء نسيج سياسي واجتماعي فلسطيني قوي، ويوفر قاعدة إقتصادية تضمن ولو بدرجة بسيطة درجة من الاستقلالية والاعتماد على الذات، بدلا من كل ذلك نشهد مشهدا سياسيا إنقساميا غير مسبوق وصراعا داخليا وتنازعا حول الشرعية السياسية سيوصل الجميع إلى فراغ سياسي ودستوري سيفقد الجميع شرعيتهم السياسية مما قد يتيح دورا أكبر للعسكر تحت كل المسميات، وينسف معه كل الإنجازات الفلسطينية على مدار تاريخه النضالي، وكأن سجل كل الشهداء، ودماء الجرحى التي سالت على الأرض الفلسطينية لتروي شجرة الاستقلال والحرية، ونضالات الأسرى الذين يقبعون في السجون الإسرائيلية والذين ينتظرون لحظة الحرية، ستذهب هباء، إذ يرفع الفلسطينيون سلاح الانقسام فى وجه بعضهم البعض ليقتلعوا بإيديهم شجرة الحرية ويرووها بدم من الحقد والكراهية ويقتلون بذرة الحياة في داخلها، ليفقد الجميع الحماية تحت شجرة الديمقراطية.
ولعل اول خسائر وضحايا الانقسام السياسي الفلسطيني الفشل في اختبار الممارسة الديمقراطية، وقدرة الفلسطينيين على بناء نظام ديمقراطي يؤكدون من خلاله نضجهم السياسي وقدرتهم على ممارسة حقوقهم السياسية وانتزاعهم اعتراف العالم كله بهذه القدرة، ولعل ما لم يدركه الفلسطينيون أن اجهاض وافشال ديمقراطيتهم التي أكدوها في انتخابات يناير 2006 والتي فازت فيها حركة "حماس" لكنهم فشلوا في ممارستها ومن ثم بناء مؤسساتهم الديمقراطية، أن هذه الديمقراطية لا تقل أهمية عن أي وسيلة في انهاء الإحتلال، ولا تقل عن أي خيار آخر، بل يمكن القول ان الخيارات الأخرى سواء المفاوضات وحتى المقاومة لن تتحقق نتائجها وثمارها بدون الخيار الديمقراطي، ولذلك فإن فشل الخيار الديمقراطي فشل لكل الخيارات الفلسطينية الأخرى. وهذا الفشل من شأنه أن يعمق حالة الانقسام السياسي الفلسطيني ويحولهم الى جماعات صغيرة متنافسة ومتصارعة بعيدا عن كل ممارسة ديمقراطية، والبديل لذلك زيادة نفوذ وسيطرة العسكر واللجوء الى أساليب القمع ومصادرة الحريات والحقوق، والمفارقة ضد من؟ ضد المواطن الفلسطيني المطلوب منه انهاء الإحتلال الإسرائيلي. ومن شأن ذلك ايضا التمسك بالحكم والسلطة ولو على حساب التوافق الديمقراطي. ومن المفارقة في هذه المعادلة اللاعقلانية أن الفلسطينيين، بوعي او بدون وعي، يؤكدون مقولة إسرائيل أنها النموذج الديمقراطي الوحيد وسط عالم من التخلف والعنف السياسي، ونؤكد مقولتهم أيضا انه لا يمكن بناء سلام حقيقي مع أناس وشعوب غير ديمقراطية، وهو ما يعطي إسرائيل الغطاء لإستمرار سياسات الإستيطان والتهويد.. والمفارقة الفلسطينية أن الفلسطينيين بانقسامهم وافشالهم ديمقراطيتهم يساهمون أيضا في إستمرار الإحتلال. هذا أحد اهم الدروس التي ينبغى استيعابها من فشل الممارسة الديمقراطية..!! وفي هذا السياق يمكن تفهم الموقف الإسرائيلي من الديمقراطية الفلسطينية، لكن ما لا يمكن للعقل أن يستوعبه أن يقف الفلسطينيون ويعرقلون الإستمرار في بناء هذه الديمقراطية التي قد وفرت ومنحت الجميع شرعيتهم التي ما زالوا يحتمون بها جميعا حتى الآن. وقد أتفهم قرار تأجيل الإنتخابات، وقد اتفهم قرار حركة "حماس" بعدم إجراء الإنتخابات في غزة، إذا كان الهدف من ذلك هو إنهاء الإنقسام السياسي الفلسطيني، هذا هو المبرر الوحيد الذي يمكن أن نقبله لتأجيل الإنتخابات، لأن الهدف من الإنتخابات حل الخلافات بطرق سلمية، وإقتلاع كل جذور وأسباب الخلافات ولكن هذا يحتاج إلى التوافق على إرساء أسس وركائز النظام الديمقراطي الفلسطيني، فما نحتاجه نظاما ديمقراطيا قادرا على إحتضان كل القوى السياسية الفلسطينية، والنظام القادر على إحتضان مواطنيه، وليس تهجيرهم أو تحويلهم الى رعايا ينتمون لتنظيمات وقوى سياسية. ومن خلال هذا النظام الديمقراطي فقط يمكن التوافق حول البرنامج السياسي الوطني.. انها مرحلة البناء الديمقراطي وعلى الفلسطينيين ان يدركوا أن أول الطرق لإنهاء الإحتلال هو ببناء نظام ديمقراطي فلسطيني. وليكن احد أهم دوائر الصراع مع إسرائيل هي الدائرة الديمقراطية، وهي حلقة ليست سهلة وأدواتها ووسائلها عديدة، لكن لكي تنجح هذه الدائرة ينبغي أن ينتصر الفلسطينيون على أنفسهم أولا بإنهاء إنقسامهم وتأكيد قدرتهم على الممارسة الديمقراطية، وهذا أول تحدي علينا جميعا أن نعمل ونجتهد من أجله، وفي هذا السياق ورغم أنني من المناصرين لإحترام الدستورية الإنتخابية، لكنني مع تأجيل الإنتخابات، لفترة زمنية محددة ينتهي خلالها الإنقسام السياسي، لكنني لست مع توظيف التأجيل لتعميق حالة الإنقسام، وعندها على قوى المجتمع وتنظيماته أن تعمل من أجل تأكيد حقها الديمقراطي. هذه هي المعركة الأساسية التي على الجميع أن ينتصر من اجلها. ولعل من المدركات التي على الجميع إدراكها وخصوصا حركتي "فتح" و"حماس" أن بيئة النظام السياسي الفلسطيني متغيرة ومتحركة وتتدخل فيها العديد من المكونات الداخلية والخارجية وان أحد أهم هذه المدركات أولا أن فترة الإنقسام كافية لتؤكد استحالة فرض سيطرة القوة الأحادية المهيمنة والمسيطرة، وبالتالي لا "حماس" ولا "فتح" يمكن أن تنفردا وحدهما في الحكم والسلطة.. وثاني هذه المدركات أن بيئة النظام السياسي لا يمكن التحكم في كل عناصرها كما يريد أي منهما.. وثالث هذه المدركات ان شرعية السياسة الفلسطينية ورغم ان جذورها راسخة لكنها لاشك انها في حاجة الى مشاركة الجميع في إعادة صياغتها.. ورابع هذه المدركات ان حق الحكم مكفول للجميع وأن ما نحتاجه هو نظام توافقي سياسي بعيدا عن ثقافة الهيمنة الحزبية.. واخيرا أن معضلة الحكم لـ"حماس" و"فتح" يمكن أن تحل من خلال الشرعية السياسية التوافقية المتفق عليها جميعا وهذا هو الشرط المسبق للحكم.. فالديمقراطية لا تعني إقصاء قوة لحساب أخرى بقدر ما تعني تداولا حقيقيا للسلطة، وشراكة سياسية من قبل الجميع، ومؤسسات راسخة وقادرة على القيام بوظائفها. ولعلي هنا أُذكر الجميع ان السبب الرئيس لفشل التجربة الديمقراطية الفلسطينية أنها قد فهمت الديمقراطية بطريقة خاطئة، وإنحرافها عن مسارها وعدم إتاحة الفرصة أمامها، لكن بأيد فلسطينية، فمن فاز يريد ان يوظفها لفرض برنامجه فقط، ومن خسر لا يريد أن يفقد سلطته وحكمه.. والسبب الآخر الهام هو غياب الدور الحقيقي للمجلس التشريعي الفلسطيني الذي بدلا من ان يطبق مقولة النائب ممثل للشعب يريد ما يريده الناس، أصبح النائب يمثل حزبه ويريد ما يريده هذا الحزب..!! فقط ومن خلال النظام الديمقراطي ووسيلته الانتخابات يمكن للفلسطينيين أن يجدوا الحل لكل مشاكلهم بما فيها معضلة الإحتلال المزمنة. ويبقى السؤال هل يمكن للفلسطينيين أن ينتصروا على أنفسهم ويجروا إنتخاباتهم الرئاسية والتشريعية ويعيدوا الإعتبار للمواطن الفلسطيني ويقدموا النموذج الديمقراطي الفلسطيني من جديد؟! * استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|