مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
يكشف الخطاب السياسي الإسرائيلي على كل مستوياته طبيعة وأبعاد الأزمة التي تعيشها إسرائيل وهي أزمة ممتدة صاحبت قيام إسرائيل، وما زالت.. فعلى الرغم من قيام إسرائيل كدولة إلا أن هذه الدولة تعاني من أزمات متعددة تقف وراء سلوكها السياسي.. فما زالت أزمة هوية الدولة دون حل: هوية يهودية، أم هوية إسرائيلية، أم هوية صهيونية، أم هوية عبرانية؟ حتى المطالبة بالهوية اليهودية تثير العديد من المشاكل حول من هو اليهودي؟ ويتضح ذلك من خلال مطالبة الفلسطينيين والعرب بالإعتراف بيهودية الدولة، فالهوية لا تطلب من الآخرين بقدر ما هي عناصر هوية تتوافر وتتراكم وتتفاعل بشريا ومكانيا على مدار سنوات متعددة وهذا ما لم تنجح فيه إسرائيل حتى الآن.

وهناك أزمة البحث عن الذات والإنتماء، فإسرائيل تعيش وسط ثقافة وحضارة عربية وإسلامية ووسط إقليم جغرافي غير ثقافتها وغير مكانها، فهي تحاول أن تفصل نفسها عن هذا الحيز الثقافي والحضاري والمكاني وتقدم نفسها على أنها إمتداد للحضارة والديمقراطية الغربية.

وهناك أزمة الدين وعلاقته بالإيدولوجية الصهيونية، فما زالت الصهيونية بكل مقولاتها التقليدية منذ ظهورها هي التي تسيطر وتتحكم في الهوية السياسية لإسرائيل إلا أن هذه الأيدولوجية فشلت في حل مشكلة الهوية، وهنا تبرز جدلية العلاقة ما بين العلماني والديني في إسرائيل، فإسرائيل في مجملها مجتمعا لا دينيا، ومع ذلك يلعب الدين دورا سياسيا لا يلعبه أي دين آخر، وهنا توظيف الصهيونية للدين اليهودي، وليس العكس.

والحديث يدور الآن حول صلاحية الصهيونية بعد أن أدت وظيفتها الأساسية في قيام دولة إسرائيل؟ ولذا بدأت تظهر بعض التيارات السياسية الجديدة مثل ما بعد الصهيونية والمؤرخون الجدد، واليسار الجديد، وقوى السلام، لكن مشكلة كل هذه التيارات انها لم تنجح حتى الآن في التحرر من الصهيونية بثوبها التقليدي وكما أسسها هيرتزل، اضف إلى كل ذلك هذا التنوع داخل الحركةالصهيونية.

وهناك أزمة الحكم نفسه، صحيح أن إسرائيل نظام حكم برلماني وتتوافرفيه العديد من عناصر الديمقراطية ولا خلاف في ذلك، لكن هناك العديد من المظاهر السياسية التي قد تتعارض مع هذا النظام مثل ظاهرة الزعامة الشخصانية وسيطرة حكم الفرد، وظاهرة الإنشقاقات الحزبية التي باتت تهدد مستقبل النظام البرلماني، إلى جانب الدور الذي تلعبه الأحزاب الدينية في كل الإئتلافات الحكومية، فلا يمكن تشكيل أي حكومة إسرائيلية دون مشاركة حزب أو حزبان دينيان، وهذه التركيبة الهشة لكل الإئتلافات الحكومية هي التى تفسر لنا هذا التعدد في الحكومات الإسرائيلية التي وصلت إلى 33 حكومة منذ تأسيس إسرائيل، أي بمعدل حكومتان كل سنة، مع ثلاثة عشر رئيسا للحكومة.. ومن معالم هذه الأزمة أن كثيرا من مكونات هذا الحكم تعود إلى ما قبل قيام إسرائيل. فجذور البرلمانية متجذرة في المجتمع اليهودي في الشتات، ولذ السؤال حول مدى صلاحياتها بعد قيام الدولة. ومن مظاهرة سيطرة حكم الفرد محاولة إنتخاب رئيس الوزراء بطريق مباشر ليقترب النظام أكثر إلى النظام الرئاسي، وقد فشلت هذه التجربة.

وهناك أزمة وجدلية الدستور المكتوب وغير المكتوب ما زالت تهيمن على أزمة نظام الحكم، وهناك جوانب أخرى تتعلق بالحقوق والتمايز السياسي ليس فقط بين الإسرائيليين والعرب في الداخل رغم حقهم وتمثيلهم النيابي، لكن ايضا التمايز ما بين يهود شرقيين ويهود غربيين. والأزمة تمتد أيضا إلى التمايز الإجتماعي والإنقسام الإقتصادي وهوية الدولة الإقتصادية. وإلى جانب ذلك هناك أزمة العلاقة بين المؤسسة المدنية والعسكرية وهيمنة العسكر على القرار السياسي، ولو كانوا بلباس مدني.

ولعل من أخطر الأزمات التي يعاني منها النظام السياسي الإسرائيلي أزمة القيادة، وغياب الزعامات الكارزمية مثل إسحق رابين، والزعامات التاريخية مثل بن جوريون وأشكول وجولدا مائير، ولذلك نجد نتنياهو يحاول أن يسترجع هذه الزعامات، ويحاول أن يقدم نفسه على أنه إمتداد لها.

ومن أهم الأزمات التي تواجه إسرائيل وغير قادرة على التحرر منها أزمة القوة، وعدم القدرة على التحرر من الخوف الذاتي، وعدم الثقة في الآخرين حتى الحلفاء، وهذا يعزى للشخصية اليهودية التي عانت وما زالت من ظاهرة "الجيتو" الذي ساهم في عزلتها وعدم قدرتها على الإندماج مع الآخرين، وهو ما يفسر لنا رفض إسرائيل للتطبيع مع الدول العربية، لأن هذا الإندماج يشكل هاجسا مرعبا قد يقوض الشخصية اليهودية ونقائها، ومن ثم قد ينتهى بذوبانها في مجتمعات أوسع تخشاها إسرائيل. ولذلك تحاول إسرائيل دائما خلق الإحساس بوجود خطر خارجي، والسلام يعني ذهاب هذا الخطر، وبذهابه قد تتفجر كل هذه الأزمات.

ومن الأزمات التي برزت أخيرا إنهيار نظرية التفوق الإسرائيلي، وأسطورة الجيش الذي لا يقهر وخصوصا الحرب الأخيرة على حزب الله. وفي هذا السياق الواسع يمكن رصد العديد من مظاهر هذه الأزمات: إنهيار ظاهرة الأحزاب الكبيرة، تنامي دور الأحزاب الصغيرة، زيادة دور الأحزاب الدينية والإتجاهات اليمنية المتطرفة، زيادة دور التوجهات العنصرية، وزيادة دور المستوطنيين..!!

وأخيرا تعيش إسرائيل أزمة هوية راكدة قابلة للتفجر مع أول حجر سيرمى عليها، وأخشى أن يكون هذا الحجر هو السلام الذي ترفضه إسرائيل.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة