مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
فيما اتجهت أنظار العالم على امتداد الأسبوع المنصرم نحو قمة كوبنهاجن لمناقشة ظاهرة الاحتباس الحراري ومخاطر انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون والتغيرات المناخية، كان الفلسطينيون يتابعون الحدث باهتمام مثل باقي شعوب الأرض، ولكن بفارق إضافيّ آخر يشغل بالهم يمكن أن نسمّيه ظاهرة الاحتباس السياسي.

تتوالى الأحداث تباعاً على الساحة الفلسطينية ويتطلع الفلسطينيون اليوم إلى أحلام وطموحات كثيرة، منها الكبيرة ومنها الصغيرة، لكن غالبيتها العظمى تحوم حول فكرة توحيد وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي في مواجهة التحديات الخارجية الكبرى، المتزايدة والمتعاظمة.

لا يطمح هذا المقال إلى إعطاء إجابات على عنوانه المُصاغ بسؤال بل يطمح إلى طرح المزيد من الأسئلة؛ لأن البديل عن ذلك سيكون من باب توزيع الوصفات والنصائح، وعلى ذكر النصائح يحضرني هنا مثلٌ روسيٌّ جيّد ومفيد، وهو المثل القائل: في بلاد السوفييت ( أي في بلاد المجالس) لا يحبون النصائح .. والعبرة المترافقة مع روح الدعابة والسخرية في هذا المثل تكمن في لعبة الكلمات، فكلمة " سوفييت" باللغة الروسية تحمل معنيين أو صفتين مختلفتين، هما: مجالس ونصائح ومن هنا جاء المثل . وبما أنّ بلادنا كثيرة المجالس والنصائح على اختلافها وتنوّعها، وبما أن الناس في بلادنا يحبّون المجالس والنصائح، فإنني مثلهم، أحبّ الأولى ولكنني أحاول الاحتفاظ بمسافة معقولة عنها، وأحبّ سماع النصائح لكنني أبتعد عن إعطائها قدر الإمكان لذا فسوف أكتفي بطرح الأسئلة التي قد تبدو إشكالية.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه : لماذا لا تريد حركة حماس أن تتحقق المصالحة برغم كل الجهود التي تُبذَل وبرغم كل صولات وجولات الحوار التي باتت مملّة؟ قد يقول الفقهاء كلاماً كثيراً، وقد يسوقون الكثير من الاتهامات والاتهامات المضادة .. لكن لماذا تُصرّ حماس على إغلاق باب المصالحة والإعلان أنها قد وصلت إلى طريق مسدود في هذا الظرف بالذات، وعلى أعتاب الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة؟ في الوقت الذي تتعاظم فيه محنة ونكبة شعبنا في القطاع بسبب العدوان والحصار الجائر والتلوث البيئي وشُح الماء والغذاء والدواء، والاحتباس السياسي المتجلّي بأبشع صوره.. ألا تشكّلُ المصالحة الفلسطينية مخرجاً مُشرّفاً لحماس يمكّنها من ممارسة دورها السياسي ضمن نظام سياسي وطني فلسطيني على قاعدة ديمقراطية جوهرها الانتخابات كوسيلة ديمقراطية تنطلقُ من مبدأ مواجهة التحديات الخارجية الكبرى وتؤدي إلى تخفيف المعاناة عن شعبنا؟؟ أم أنها تعتقد أن إنشاء إمارة إسلامية في غزة، والموافقة على مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة مع هدنة طويلة الأمد، قد يمكّنها من استكمال مشروع ما؟؟ ثم أينَ هي المقاومة في قطاع غزة اليوم؟ وكيف تحولت الصواريخ بقدرة قادر إلى " خيانيّة" بتعريف حماس؟ وهل تحاولُ حركة حماس أن تُجري مقاربة بينَ سياستها ومصالحها كفصيل سياسي ، وبين مصالح الناس الفلسطينيين البسطاء والعاديين في قطاع غزة على وجه الخصوص؟ ألا ترى قيادة حماس أنها تضع نفسها في تصادم تام مع المصلحة الوطنية العليا ومع مصالح شعبنا وخصوصاً في القطاع المحاصر والمعَذَّب؟ لكن، ألا تعطي الأزمة التي تعصف بحركة الإخوان المسلمين في مصر نموذجاً ومؤشراً واضحاً على طبيعة حماس وسلوكها السياسي ؟

المجلس المركزي الفلسطيني أحسن صنعاً بتصديه لمحاولات خلط الأوراق ولادّعاءات فراغ دستوري مزعوم للنيل من الشرعية الوطنية الفلسطينية بوجه عام. وتعامل بروح المسؤولية الوطنية والمصلحة العليا حين أكد على ما ينصّ عليه القانون الأساسي الفلسطيني واعتبر كلاً من ولاية الرئيس وولاية المجلس التشريعي قانونية. لم ينطلق المجلس المركزي من منطلقات فئوية ضيقة بل انطلق من المصلحة الفلسطينية العليا. وهكذا أثبتت منظمة التحرير الفلسطينية مُجدداً، أنها حارسة المشروع الوطني وأنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. لكن ، هل معنى ذلك أن المنظمة وفصائلها الوطنية بخير، وكل شيء على ما يُرام؟

يعلم الجميع أن المنظمة تتكوّن من فصائل وطنية ذات تاريخ وخبرة كفاحية كبيرة، ومن مستقلين وطنيين منضوين تحت لواء المنظمة. لكن من يعلم اليوم ما مدى اهتمام قيادات تلك الفصائل- دون استثناء- بالعمل الشعبي الكفاحي اليومي من خلال النقابات والاتحادات الشعبية والمؤسسات الوطنية الفلسطينية ومن خلال التحركات الشعبية إجمالاً ؟ لماذا لا يرى الناس تلك القيادات بينهم إلا في مناسبات نادرة؟ ما هو حجم الدور الذي تلعبه تلك الفصائل للمساهمة في إنجاز بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس؟ ما مدى اهتمام تلك الفصائل بالشأن الثقافي الفلسطيني، وفعيله كأداة كفاحية في مواجهة الاحتلال ومشاريعه العنصرية؟ أم أنها تخشى المثقفين والثقافة وتعتبرها ترفاً زائداً عن الحاجة واللزوم؟ ألا ترى هذه الفصائل أنها تساهم بشكل غير مباشر في تكريس ثقافة البعد الواحد وملحقاتها وتوابعها وأتباعها؟ وعلى ذكر المستقلين، هل تعلم تلك الفصائل كم هو حجم "جيش" المستقلين الذين خرجوا من تحت عباءتها وهجروها ؟ غالباً وفي معظم الحالات، فإن هذا الجيش المدرّب تدريباً سياسياً وتنظيمياً وثقافياً جيداً باتَ اليوم شبه عاطل عن ممارسة العمل السياسي ، يبحث عن مشاريع فردية غالباً أو عن مشاريع عمل جماعي محدود أو موسمي ضئيل.

الأثر . ألا تستحق هذه المسألة إعادة نظر وصياغة توجهات وطنية من طراز جديد؟؟

سؤال أخير: هل يمكن للفلسطينيين اليوم، وهم يستقبلون أعياد الميلاد والعام الجديد وذكرى انطلاقة ثورتهم المعاصرة، أن يحلموا بتجاوز أزماتهم وإنجاز بناء مؤسسات دولتهم المستقلة، وبتغيّرات إيجابية في المناخ السياسي في العام القادم ؟؟؟ أسئلة برَهْن الاحتباس السياسي..

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة