مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
عبثا نحاول إقناع أصدقائنا الفرنسيين بأن البرنامج النووي الإسرائيلي لا يقل خطورة عن البرنامج النووي الإيراني ، علماً بأن أيا منهم لم يؤكد امتلاك إيران للسلاح النووي من جهة ، ولم ينف امتلاك إسرائيل لهذا السلاح من جهة ثانية ، فالجدل هنا يأخذ منحى "ايديولوجيا" يتعلق بالموقف من البلدين والنظامين والمشروعين.. المسألة هنا تعيدنا إلى مربع "المعايير المزدوجة" من جديد.

من وجهة نظر محدثينا الفرنسيين ، تبدو المقارنة بين إيران وإسرائيل ناقصة لسببين: الأول ، قانوني ويتمثل في اختلاف موقع كلا البلدين من معاهدة عدم الانتشار النووي وموقفه منها ، إسرائيل (إلى جانب الهند والباكستان) لم توقع المعاهدة في البدء ، وعليه فهي غير ملزمة بتنفيذ مقتضياتها ، فيما إيران دولة عضو في المعاهدة ، تخضع لالتزاماتها ومستلزماتها ، وأي خرق لها يرصد ويسجل وتحاسب عليه.

أما السبب الثاني ، فسياسي ، وينحصر أساسا في أمرين اثنين ، أحدهما لجوء بعض قادة إيران لتهديد بإزالة إسرائيل عن الخريطة ، وثانيهما تنامي نزعة الهيمنة التدخلية والتوسعية لإيران في الإقليم ، فيما صورة إسرائيل كما تُرى من باريس ، لا تبدو كذلك على الإطلاق.

والحقيقة أنني لا أدري كيف يمكن لفرنسا والمجتمع الدولي أن يبديا تساهلا مع دول لم توقع المعاهدة أصلا ، برغم مضي 40 عاما على إبرامها ، فيما تُحاسب دول أخرى بقسوة لمجرد ارتكابها خرقا هنا أو انتهاكا هناك ، أو لمجرد الاعتقاد بأنها فعلت ذلك ، لا أدري كيف يمكن محاسبة جندي على تقصيره في حلاقة ذقنه أو التخلف عن طابور الصباح بأشد مما يعاقب به مكلف آخر رفض الخدمة الإلزامية ، ولم يلتحق يوما بصفوف الجيش؟،.

أما عن البعد السياسي للمسألة ، فإن المراقب ليعجب كيف تمر عواصم الغرب مرور الكرام بتصريحات من النوع الذي سمعناه قبل أيام على لسان وزير إسرائيلي يريد أن يعيد سوريا للعصر الحجري ، وبم يختلف هذا التصريح عن تصريحات الرئيس أحمدي نجاد حيال إسرائيل؟.. لا أدري كيف تكون ذاكرة الغرب مثقوبة عندما يتعلق الأمر بتهديدات ليبرمان بإغراق مصر بمياه السد العالي ، وتهديدات جنرالات إسرائيليين بإعادة لبنان وغزة خمسين عاما للوراء إن اندلعت حرب جديدة ، وقبلها استعداد إسرائيل للضغط على "الزر النووي" في حرب أكتوبر عام 1973 ، لا أدري كيف يكون الغرب بهذا التسامح والتجاهل حيال أقوال إسرائيل وأفعالها المجنونة ، في الوقت الذي يضيق فيه ذرعا بكل ما يصدر عن طهران من تصريح أو تلميح؟،.

لا شك أن فرنسا التي تتبنى مواقف متميزة فيما خص برنامجها النووي ، تقوم على الالتزام بالمعاهدة ، والتخلي من جانب واحد عن جزء رئيس من مخزونها النووي ، وتدمير مواقع إجراء التجارب النووية ومنشآت إنتاج المواد الانشطارية ، وبكلفة تخطت الملياري يورو ، لا شك أن فرنسا تتبنى منذ مؤتمر 1995 التوصيات بشأن دعوة جميع الدول بما فيها إسرائيل للانضمام للمعاهدة واحترام مقتضياتها ، وهي كما يحدثك كل من تلتقيه ، تريد شرق أوسط خاليا من أسلحة الدمار الشامل ، بما فيها الأسلحة النووية ، لكنك وأنت تأخذ علما بهذه المواقف ، تجد أن الاهتمام الرئيس ينصرف إلى مكان آخر ، إلى إيران وكوريا الشمالية ، فهنا يكمن التهديد الرئيس كما يحدثك مضيفوك الفرنسيون ، هنا الوردة فلنرقص هنا.

والمؤسف حقاً ، أن عددا من هؤلاء الخبراء والمختصين الذين جابوا منطقتنا طولا وعرضا ، استمعوا من بعض قادة العرب وخبرائهم ، إلى تقديرات مماثلة ، تذهب إلى اعتبار برنامج إيران النووي أشد خطورة على أمن دولهم ومصالحها من برنامج إسرائيل ومخزونها النوويين ، وهذا ما يواجهونك به في مسعى منهم لاحتواء اندفاعتك في نقد "معايير الغرب المزدوجة" ، فلا تجد غير القول أن هؤلاء القادة "منفصلون" عن شعوبهم ، وأن الفجوة التي تفصلهم عنها ، لا تقل عن المسافة بين باريس وعواصمهم.

لا ينتهي الجدل بشأن هذه النوع من المسائل والقضايا الخلافية ، والأرجح أنه سيظل متحكما بعلاقاتنا بدول الشرق والغرب ، يطل برأسه في كل مرة يجري فيها الحديث عن "الشرق الأوسط" ، وإلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة