مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
لقد نجح جورج ميتشل في اجتياز المرحلة الأولى والصعبة في المفاوضات الفلسطينية –الإسرائيلية بإقناع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالعودة الى المفاوضات، وهذه المرحلة ليست سهلة، فهي تأتي بعد قطيعة طويلة بين الطرفين تخللتها فجوات من عدم الثقة والمصداقية في المفاوضات، واخطر ما في هذه المرحلة أن تفقد الرئاسة الفلسطينية قناعتها بالمفاوضات وهو خيارها الإستراتيجي، وساهمت في ذلك سياسات إسرائيل المستمرة في الإستيطان، ومصادرة الأرض، وتهويد القدس الشرقية، بما لا يبقي مجالا لأي مفاوضات جادة، ومن قناعة على ماذا يمكن أن يتفاوض الفلسطينيون.

وهذا يوضح صعوبة المهمة التي قد أوكلت لميتشل، ولا شك أن هذا النجاح يقف ورائه أولا السمات الشخصية والقدرات والخبرة الطويلة لميتشل نفسه، فشخصيته تتسم بالهدوء، والسرية في تحركاته، وقلة تصريحاته التفاؤلية، واتسمت شخصيته بالصبر والمثابرة، وإلمامه بكل عناصر قوة وضعف الموقف التفاوضي، وتعامله مع عناصر الضعف وليس القوة، وتفهمه لعناصر السياسية الأمريكية فقد سبق أن شغل منصب زعيم الأكثرية في مجلس الشيوخ، وترأس مجلس إدارة شركة ديزني، وهنا إجادته لقاعدة المكسب والخسارة، وتفهمه لطبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ودور اللوبى الصهيوني، والأهم من ذلك تفهمه لما يريد الرئيس أوباما نفسه، وهل هو جاد وصادق في وعوده وضماناته وهذه مسألة في غاية الأهمية لنجاح دوره، وأيضا تفهمه للموقف الفلسطيني، ونقاط الضعف فيه، وتأثير الإنقسام السياسي على مسار المفاوضات، وعلى مقدار التنازل الفلسطيني، ويعرف أيضا انه أمام حكومة يمينية متشددة برئاسة نتنياهو لكن في الوقت نفسه عرف وتفهم نقاط الضعف فيها.

ومن العوامل المهمة في نجاحه لا شك الدور الداعم من الإدارة الأمريكية ومن الرئيس أوباما، ومن العوامل التي ساهمت الى حد ولو جزئى التغيير في بعض مظاهر البيئة العربية والإقليمية والدولية الدافعة في إتجاه المفاوضات، فتنامي الدور الإيراني، وتعقد الملف النووي الإيراني وزيادة التخوفات الإسرائيلية والعربية على السواء، وهو ما انعكس في إستمرار التمسك بالمبادرة العربية، وقرار اللجنة العربية للمبادرة العربية الذي منح الرئيس عباس غطاءا شرعيا عربيا للقبول بالمفاوضات، وفي الوقت ذاته فرض هذا ورقة ضغط على إسرائيل لأبداء مرونة أكبر في قضايا الإستيطان في القدس، والإنفتاح في العلاقات الأمريكية الروسية، والدعوة لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، وهي ورقة أخرى تمارس على إسرائيل، بمعنى إذا لم تلتزم إسرائيل بالعملية التفاوضية، فالولايات المتحدة قد تذهب لتأييد وكالة الطاقة الذرية بالسماح لها بتفتيش المنشآت النووية الإسرائيلية.

ومن التحولات التي ساهمت أيضا تفعيل الدور الأوروبي كورقة ضغط إضافية، وهنا تلعب الورقة الإقتصادية بين أوروبا وإسرائيل دورا هاما، فحجم التبادل التجاري يبلغ 25 بليون دولار. لا شك في قدرة ميتشل على تفعيل كل هذه الأوراق من اجل استئناف المفاوضات.

ولكن تبقى مصداقية وفعالية هذا الدور فى مرحلة المفاوضات نفسها، وفي قدرته على الوصول الى مسودة إتفاق مقبولة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وهذا يتوقف على ما هو أكثر مما قد أشرنا إلية، والمعيار الأساس في نجاحه سيتوقف على قدرته في تفعيل الدور الأمريكي نفسه، وعدم التسليم بدور من يدير المفاوضات، أو دور من ينتظر الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على المبادرة. وفي يقيني ومن خلال متابعة تطور كل مراحل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، يمكن القول أن كلا الطرفين لا يملك القدرة الذاتية على المبادرة التي من شأنها ان تحدث إختراقا واضحا في العملية التفاوضية، ففي إسرائيل حكومة يمينية متشدهة قابلة للإنهيار والتفكك في أي لحظة، وحكومة متمسكة بمدركاتها وتصوراتها الأيدولوجية المتشددة ورافضة لأي تنازل لإنجاح المفاوضات وخصوصا في قضايا القدس واللاجئين، وحتى الدولة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه الحالة الفلسطينية تعاني من الإنقسام والضعف، والمعارضة المتنامية والمتشددة ضد المفاوضات. وهذان العاملان قد يكلفان مستقبل ميتشل نفسه، ومصداقية السياسة الأمريكية الفشل الكبير، لذلك يتوقف النجاح الجزئي الذي حققه ميتشل في المدى والدرجة والعمق على المبادرة التي يمكن أن يقوم بها، وكما اعلن ميتشل نفسه انه لا يقبل بدور ساعي البريد الذي يحمل رسالة من هذه الطرف أو ذاك، وهذا يحتاج أولا الى دعم كامل من الرئيس أوباما، وثانيا القيام بدور المبادر والذى يطرح حلولا للقضايا الخلافية وصولا الى نقاط مشتركة، وثالثا ممارسة كل ادوات ووسائل التأثير التي تنفرد بها الولايات المتحده وخصوصا مع الجانب الإسرائيلي، وإيجاد قوى الدفع الذاتية من كلا الطرفين، فالكل يدرك صعوبة هذه المهمة، وأن الجميع أمام قضية مركبة معقده تتداخل فيها العديد من المحددات الإقليمية والدولية، والأهم من ذلك أن تبدي الولايات المتحدة قدرا كبيرا من عدم التحيز والمصداقية في سلوكها السياسي التفاوضي بإعتبارها الراعي الرئيس لهذه المفاوضات. وفي النهاية العبرة بالنتائج، وهذا ما ينتظره الجميع والذين يتطلعون إلى تسوية عادلة ومتوازنة، والى الشعب الفلسطيني الذي يتطلع الى دولته المستقلة مثل غيره من الشعوب، فهل تنجح إدارة الرئيس أوباما وممثله الشخصي ميتشل في الوصول الى هذه الدولة وإنهاء الإحتلال الإسرائيلي؟ هذا هو محك ومعيار النجاح.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة