استوقفني بالأمس ما قرأته في مقالة الصديق أبو النشر والناشرين وصناعة النشر في فلسطين: فتحي البس؛ ما أثار في النفس غصّة، وهو يتحدث عن مساحات الرعاية والتنوير الثقافي ودعم النشر وصناعته من قبل الجهات الرسمية، والتي شهدها بحسرة في معرض الكتاب في كل من فرانكفورت، وإمارة الشارقة والتي تبوّأت بين الدول مقاماً محموداً يشار إليه بالبنان والتميّز في دعم الثقافة والمثقفين، وذلك برعاية الثقافة والإنتاج الثقافي والفكري العربي حتى أصبحت وبحق منارةً للثقافة وسط ظلام دامس وحالة تراجع فكري وسياسي ثقافي، بات يلفّ الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه الفلسطيني والجغرافي.
الأمر الذي يجعل من صرخة ناشرنا المبدع فتحي البس ناقوس إنذار قد لا يكون مبكراً، وإطلاق واثقافتاه مدويةً بلساننا ولسانه عسى أن تلامس أسماع المسؤولين والقائمين على الشأن الثقافي والإعلامي في بلادنا، بدءاً من وزارة الثقافة أولاً، واتحاد الكتّاب أول مكرر الذي ما زال يتحفّز ويتهيّأ بعدما تبوّأ، وربما يتحيّن صافرة البداية للقيام بما يتوجّب عليه القيام به تجاه الثقافة والمثقفين في فلسطيننا!. ولعلّي لا أبالغ أو أجافي الحق والحقيقة إذا ما قلت إن غياب الثقافة عن دورها ومكانتها يعني غياب العقل مثلما غياب الإعلام عن دوره ومكانته يعني غياب اللسان أو انعقاده. وبما أن الثقافة والإعلام هما من أخطر المحاور وأهمها في العملية التنموية الشاملة التي وضعتها حكومتنا نصب عينيها وفي سلم أولوياتها كسبيل منطقي للخلاص الوطني والانعتاق من الاحتلال. يصبح من الصعوبة بمكان ومقام أن أتصور غياب العقل وانعقاد اللسان ونحن الأحوج في هذا الزمان إلى التكامل والتناغم بين العقل واللسان. ذلك لأن لكل سلطة ونظام عقلاً ولساناً. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، ولا بد من الإجابة عنه بجرأة وواقعية بنّاءة يتلخص في: هل يمكن القول إننا نجحنا ككتّاب ومثقفين في توصيل رسالتنا الإعلامية ذات المضمون الإنساني العادل؟ وهل نجحنا في إسناد المفاوض والسياسي الفلسطيني وتشكيل الظهير الداعم لهما كمتمم لعملية واحدة؟ آخذين في الاعتبار جملة ما تحقق من نقلة إعلامية نوعية نسبية في الحلبة الفلسطينية، ولا سيما التلفزيون الفلسطيني. ولكن مهما كان دور الدعم الرسمي للثقافة والإعلام مهماً، فإن دورنا نحن الكتّاب والمثقفين والإعلاميين هو الحاسم والأهم كأفراد ومؤسسات قبل دور الجهات الرسمية لكي نكون جديرين وأهلاً للدعم الرسمي، ونتكامل في تجسيد المشهد الثقافي والإعلامي الذي يليق بنا سلطةً وشعباً وتاريخاً وحضارةً. إن على الماكينة الثقافية والإعلامية دوراً مهماً ودقيقاً لا تتخيّر فيها الأولى عن الثانية، خصوصاً، في قضايا الحسم السياسي والمجتمعي المستعرة في بلادنا، ناهيك عن أهمية ذلك في تبصير الجمهور بحقيقة ما يجري من موقع الانتماء الوطني، لأن في ذلك حماية له من التشويهات والشائعات المغرضة والمتعمّدة سواء من الأعداء والخصوم السياسيين، حيث كلاهما والحالة هذه يصبّ في بوتقة الآخر. فإلى متى سنستمر في كتاباتنا بوصف الحدث وكأننا طرف محايد أو ننفخ في ناره وكأننا أعداء؟! ومن ذا الذي قال إن معيار الوطنية والتميّز يجب أن يكون من خلال السبّ والشتم والتشهير بالسلطة والحكومة؟!. لا يا سادتي، فللكاتب والصحافي والفنان دور واجب بالمنظور الوطني في الدفاع والتصدي والهجوم ودعم المفاوض والسياسي طالما يجمعنا مشروع وطني واحد. فالترويج للمشروع السياسي الوطني والتنوير والتثقيف به وتسويق السياسات والمشاريع المنجزة من قبل الحكومة والمزمعة الإنجاز من قبلنا جميعاً، أمر واجب يتطلب الانحياز بمسؤولية وحسّ وطني لأن في هذا شدّ الأزر والتماسك الوطني في مواجهة التحديات، كما أن الإسهام في معالجة القضايا المجتمعية والسياسية عبر الحوار المفتوح فيها بهدف اقتراح الحلول البنّاءة والتطويرية، لا من أجل التحريض على السلطة والحكومة لحسابات حزبية وسياسية خاصة، أو فئوية ضيقة مسألة مهمة بامتياز. ناهيك عما تضطلع به من أهمية حاسمة مسألة تطوير وتنمية الأداء الإعلامي والثقافي وإيجاد السبل التقنية والفنية القادرة على توصيل ما نقول ونكتب إلى المجتمع الإسرائيلي والرأي العام الدولي، لكي لا نبقى حبيسي ذاتنا الفردية والوطنية نحاور بعضنا ونكتب لبعضنا، كمن يؤذن في الجرّة أو كحوار من أجل الحوار والمناكفة، ونتعوّد قول ما يجب أن يقال لا ما يحب الناس أن يقال. لا أحد يستطيع أن ينكر أو يتنكر للحقيقة القائلة إن للإعلام والثقافة دوراً مهماً على مرّ الزمن في حياة المجتمعات والشعوب، سواء في التنوير أو الترويج وفي الدفاع والهجوم كذلك. ولأجل هذا سخرت كل الطاقات من قبل النظم الحاكمة لتوظيف جبهة الإعلام في خدمة سياساتها والدفاع عن مصالحها. ويمكن للإعلام إذا أحسنا توظيفه أن يبني صروحاً لا عماد لها، وإلاّ فيمكن أن يصبح سلاحاً مرتداً لنحورنا فيهزم السيف والقلم ويهدم بيت العز والكرم، إذا أسأنا توظيفه واستخدامه. فحتى الدواء الذي هو شفاء للناس، يمكن أن يتحول في لحظة إلى سمّ زعاف قاتل إن لم يحسن استخدامه. فهل نجحنا في توظيف ماكينة الإعلام وبنائها على نحو يخدم قضايانا وسياساتنا وثقافتنا، وفي المقدمة من كل ذلك قضيتنا الوطنية والتفاوضية التي تشكل اليوم آخر جبهات صراعنا المستعرة على أشدها مع الجانب الإسرائيلي؟!. نعم، يمكن لإعلامنا أن يلعب اليوم، دوراً فاعلاً ومهماً سواء في التوحد ورصّ الصفوف على أسس وثوابت وطنية لا "أجنداتوية" وفئوية ضيقة، أو في المواجهة الفعلية مع الخصم في الدفاع عن المشروع الوطني ومواجهة الاحتلال ومكوناته والترويج لسياسات السلطة ومنجزاتها بما يخدم ذات الهدف الوطني، وهو أمر مشروع وواجب على كل قلم وأداة من أدوات ووسائل الإعلام الفلسطيني بلا استثناء. إن الانتماء الوطني بكل مضامينه ومكوناته يشكل اليوم، قضية تطال كل شيء فينا وكلاً منا. فانتماؤنا يجب أن يكون وقبل كل شيء للقضية والمصالح الوطنية العليا لشعبنا وثوابتنا أرضاً وشعباً وثقافة وتاريخاً. فعندما تجيّر الأقلام ووسائل الإعلام في خدمة مصالح وطموحات أفراد أو مؤسسات بعينهم على حساب المصلحة الوطنية العامة، يكون في ذلك خروج عن النص الوطني والانتماء الوطني، وهو شكل من أشكال الفساد الفردي والمؤسسي يجب التوقف أمامه بمسؤولية كذات فردية أو مؤسسية. فالإنسان الفلسطيني كائناً من كان لا يمكنه أن يكون مستقلاً بالمعنى المتعارف عليه للاستقلالية، ولا محايداً، بل منحاز في الغالب وبامتياز، وذلك بحكم الظروف الخاصة، والاستثنائية التي ما زال يعانيها ويقاسي في مواجهتها تحت أطول احتلال كولونيالي عنصري في التاريخ، ذلك لأننا جميعاً ننتمي إلى شعب وأرض وقضية عالقة منذ سنين قبل انتمائنا إلى أية فكرة أو حزب أو فصيل، وبالتالي نحن مطالبون دائماً بالانحياز إلى مشروعنا الوطني بكل مكوناته. فالصحافي والإعلامي والمثقف بكافة المستويات والمواقع معنيون أكثر من غيرهم بالانحياز للهمّ الوطني والقضية الوطنية بعيداً عن التجاذبات والانقسامات السياسية والفكرية والفصائلية لأنهم هم الأدوات والأقلام الذين يسهمون في صناعة وتوجيه الرأي العام وحمايته بما يخدم المصلحة الوطنية في الترويج والتصدي والتفاوض وباقي الشؤون المجتمعية والحياتية. ولأن فلسطين تشكل استثناءً بين الشعوب والدول بحكم واقعها والمهام والتحديات التي ما زالت تعترض طريق تحررها الوطني وتعيق مسارات نموها وتطورها الديمقراطي كمجتمع وكيانية تحت الاحتلال، ولا تملك التحكم بمواردها ولا بمكونات سلطاتها وكيانيتها الخالية من السيادة، يكون لزاماً علينا أن نفرّق بين هامش الحريات الديمقراطية عندنا وعند الآخرين. فالاستثناءات والنواقص آنفة الذكر لا بد من أخدها بالاعتبار عند رسم حدود الحريات وتعريفاتها ومقولاتها ومعاييرها كذلك، إذ لا يمكن تطبيق ذات المعايير والمساحات الديمقراطية لحريات الأعلام والرأي والتعبير المعمول بها في المجتمعات المستقرة والمتقدمة على واقعنا المنقوص واللا مكتمل على كف عفريت في مهب الريح، خصوصاً أن السلطة الرابعة في فلسطين تضطلع بمسؤولية عالية الأولوية تتمثل في فعلها ونشاطها النضالي التحرري والديمقراطي مضافاً للدور التقليدي التاريخي التنويري والمعرفي والتوعوي. لكن ظل لحرية الرأي والتعبير والديمقراطية في بلادنا شكلها وخصوصيتها المتميزة، بدءاً بديمقراطية البنادق وصولاً لشواهد التجربة الحالية منذ قيام سلطتنا الوطنية على أرضنا، آخذين في اعتباراتنا عدم تجاهل بعض الأخطاء والتجاوزات المصاحبة للتجربة التي حصلت وتحصل أحياناً لكنها ليست ظاهرة ولا سمة متعمدة بل تبقى في حدود الطبيعي. وكما في كل المجتمعات، فللعبة الديمقراطية مقولاتها وقواعدها وخصوصياتها واستثناءاتها أيضاً، لأنها تبقى في جميع الأحوال تمثل انعكاساً ونتاجاً طبيعياً لمستويات التقدم والتطور والتحرّر المجتمعي الاقتصادي والسياسي، تحت سقف السيادة والاستقلال اللذين يحددان غالباً ملامحها وسماتها ومساحاتها وتخومها التي يتوجب أن تتحدد دائماً بسقوف حماية المصالح الوطنية العليا للشعب أولاً، وقبل كل شيء. ولأن السياسة هي فن الممكنات في المراحل والظروف الحسّاسة والصعبة على وجه الخصوص، فلا بدّ من التحلّي بقدرٍ عالٍ من الموضوعية المسؤولة عند النظر لحدود الحريات الصحافية والإعلامية، ولا بد من إدارة دقيقة وسليمة لجبهة الإعلام في فلسطين على النحو الذي يمكننا من توظيفها برمتها في خدمة المشروع السياسي الفلسطيني، على مساري بناء مؤسسات الدولة تمهيداً لإعلانها ومواجهة التحديات والسياسات العدوانية الاحتلالية الاستيطانية على طريق كنس الاحتلال بكل مكوناته إلى غير رجعة، وكل ذلك من خلال رسم سياسة إعلامية ثقافية وإستراتيجية واضحة المعالم، تحدد ما للحكومة وما عليها بروح التكامل والتوحد الوطني والمسؤولية القائمة على حسن الانتماء والالتفاف حول مشروعنا الموحد. فلنجعل من الثقافة والإعلام مداد القلب والعقل واللسان، فقصة الفلسطيني أولاً هي قصة إنسانْ. * كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - asefsaeed@yahoo.com اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|