مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 
الدول مثل الأفراد قد تتعرض لحالة من القلق والتخوف على مستقبلها ووجودها. وتتباين حالات الخوف من دولة إلى أخرى وفقا لمعطيات القوة المتاحة لديها، ووفقا للتحديات التي تحاط بها، وأيضا لما هو متاح لديها من قدرات لمواجهة ومعالجة الخوف الذي قد يتحول الى حالة مزمنة.

إسرائيل تقدم نموذجا لحالة الخوف والقلق الدائمة التي تعيش فيها، فعلى الرغم من أن إسرائيل دولة قوة متفوقة على محيطها العربي، وتندرج في مراحل متقدمة في سلم القوة بكل أبعاده، إلا أنها تنفرد عن غيرها من الدول حتى الأكثر فقرا في العالم، والدول التي تعاني مشاكل الفقر والبطالة، أنها دولة تعيش في هاجس من الخوف الدائم ممن حولها، ومن نفسها، ومن تحالفاتها، وهذا نتاج طبيعي للظروف التي قد نشأت فيها كدولة، بفعل عامل القوة، وبفعل التحالفات الدولية، وبفعل موازين القوة، وكلها عوامل متغيرة وثابتة في نشوء الدول وزوالها..

وإسرائيل تخاف من أمور كثيرة، وهذا ما يفسر لنا سلوكها السياسي حول العديد من القضايا وخصوصا من استحقاقات السلام الشاملة، فإسرائيل تخاف من أن لا تدوم علاقاتها التحالفية الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهي تدرك ماذا يعني انهيار أو تراجع أو حتى ضعف هذا التحالف، فلعل احد مقومات بقاء إسرائيل هو الحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية والتحالفية مع الدولة العظمى دوليا، وهي الولايات المتحدة، ولذلك تخشى التوتر في علاقاتها ـ وتخاف من تنامي الضغط من قبل الإدارة الأمريكية، أو بتحديد أكثر دقة واقترابا تخاف من وصول رئيس أمريكي قد يؤثر في عمق هذه العلاقات، وهذا قد يفسر لنا تخوفها من الرئيس أوباما على الرغم من تأكيده الالتزام بأمن وبقاء إسرائيل، ومن هنا وقوف اللوبي الصهيوني في وجه أي تحول في سياسات الولايات المتحدة، ومحاولة موازنة قوة الرئيس الأمريكية بقوة مضادة يقوم بها الكونغرس، ولذلك شعرت إسرائيل بارتياح من فوز الجمهوريين بأغلبية مقاعد مجلس النواب الأمريكي الذي يتحكم في مسألة التمويل والحرب في الولايات المتحدة. وهذا العامل قد يجعلها في النهاية تقترب من الرؤية الأمريكية بالنسبة لقضايا المفاوضات كقضية الاستيطان، وإسرائيل تدرك أن تحولات السياسة كبيرة، وأن للولايات المتحدة رؤيتها الأمنية العليا كدولة عظمى وعلى إسرائيل ان لا تقوم بما يضر بهذه المصلحة، لأنه ضرر على بقائها وأمنها.

وتخاف إسرائيل كثيرا من قيام الدولة الفلسطينية، وصدور قرار من مجلس الأمن بقيام هذه الدولة، هذه مسألة ليست بسيطة، وقد تتحكم في التخوف من التحولات في السياسة الأمريكية، لكنها تبقى متحكمة إلى حد كبير في مؤثراتها، أما في الحالة الثانية لا تستطيع إسرائيل أن تحول دون قيام الدولة الفلسطينية، لأنه في هذه الحالة وحتى مع استخدام الولايات المتحدة لحق النقض يمكن الذهاب بعيدا من خلال قانون الإتحاد من أجل السلام وإصدار قرار ملزم من الجمعية، وكل هذا له تداعيات خطيرة على مستقبل إسرائيل، وقد يعرضها لضغوطات وعقوبات اقتصادية وغير اقتصادية، وهذا ما يفسر لماذا تهدد إسرائيل بإجراءات أحادية من جانبها، أيضا لن تحول دون قيام الدولة، هذه هو الخوف الثاني الذي تخشاه إسرائيل.

وما يزيد إسرائيل تخوفا هو تعاطف الرئيس أوباما وتفهمه للظلم الذي وقع على الشعب الفلسطيني، وإدراكه أن قيام الدولة يشكل مخرجا مهما للصراع العربي الإسرائيلي. وإسرائيل تخشى قيام الدولة الفلسطينية لما لها من أانعكاسات على كل الأسس التي قامت عليها إسرائيل. ولا أحد يضمن ماذا ستكون عليه الدولة الفلسطينية في المستقبل. ومن المخاوف التي تخشاها إسرائيل السلام في حد ذاته، فمن الأدبيات في علم إدارة المنازعات الدولية أن القوة والسلام لا يلتقيان، وتعرف إسرائيل أن السلام يعني التخلي عن كل مقولات القوة، وأن هناك استحقاقات كثيرة لا بد من القيام بها كسلطة احتلال، منها إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، واندماجها وسط محيط من الكثافة السكانية العربية والإسلامية، وهذا هو التخوف الرابع الذي تخشاه إسرائيل، فالخوف الرئيس لإسرائيل هو خوف البقاء، وينبع ذلك من خبرتها في أوروبا وما تعرض له اليهود من قتل على يد النازيين، وتخوفها أيضا أن عدد السكان اليهود الذي لا يتجاوز العشرين مليونا، سيكون معرضا لفقدان ذاتيته وهويته وسط الكثافة السكانية العربية والإسلامية. والخوف الخامس الذي تخشاه إسرائيل ان تتكشف صورتها الحقيقية ومقولاتها حول الديمقراطية من خلال العديد من القوانين التي تتخذها وفيها تمييز واضح ضد السكان العرب بداخلها.

هذه هي التخوفات التي تخشاها إسرائيل وهي التي تشكل نقاط ضعف فيها، فهل أدرك الفلسطينيون أهميتها وكيفية التعامل معها؟!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@hotmail.com

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة