مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 

بوفاة المناضل اليساري المغربي ابراهام السرفاتي عن أربعة و ثمانين عاما تكون البلاد العربية قد فقدت ربما آخر الأصوات اليهودية العربية التي تميزت لعقود طويلة بالدفاع عن عدالة القضية الفلسطينية بشكل لا يقل شراسة عن دفاعها عن العدالة الاجتماعية والحريات السياسية ضمن أحزاب يسارية وشيوعية كثيرا ما عانى قياديوها وأنصارها من الملاحقات والسجون والمنافي.

قبل عامين غادرنا أيضا جورج عدة احد وجوه اليسار التونسي عن اثنين وتسعين عاما. كان يعرف نفسه بأنه 'يهودي تونسي معاد للصهيونية' وكان زعيما للحزب الشيوعي التونسي خلال فترة الاستعمار الفرنسي الذي ناضل ضده بقوة.

ورغم أن السرفاتي قضى سبعة عشر عاما في السجن مع كل ما صاحبها من تنكيل وتعذيب وحشي وثماني سنوات من المنفى بفرنسا بسبب تزعمه تنظيما يساريا يدعى 'إلى الأمام'، إلا أنه ظل رافضا بقوة الهجرة إلى إسرائيل. كذلك فعل جورج عدة الذي تعرض للسجن والاعتقال في المعسكرات الفرنسية بين 1935 و1954.

كلاهما اعتبر أن النضال النقابي الوطني والسعي الدؤوب من أجل الإصلاح السياسي وحرية الفكر والتعبير والتعددية السياسية هما الوجه الآخر للنضال من أجل تحرر الشعب الفلسطيني من نير الاستعمار الصهيوني. تكامل عندهما البعدان الوطني والقومي في النضال فحازا احترام دعاة الديمقراطية في الداخل ومناهضي الاستعمار في الخارج.

مثل هذه النماذج تكاد تكون انقرضت. من ناحية لم يعد هناك وجود يهودي عربي مسيس في معظم الأقطار العربية التي كان بعض مواطنيها تاريخيا من اليهود، ومن ناحية أخرى لم يعد في بلادنا العربية حراك سياسي أصلا حتى تبرز فيه وجوه معروفة بغض النظر عن ديانتها.

أكثر من ذلك، بعض الدول العربية التي لديها 'جاليات' يهودية سواء بالداخل أو بالخارج لم تعد ترغب في نماذج من هذا القبيل. إنها تريد لهؤلاء، أو للبارزين منهم بشكل أدق، أن يكونوا لها جسرا في العلاقة مع إسرائيل.

وعوض أن نجد أمثال السرفاتي و عدة صرنا نرى نماذج أخرى قرب دوائر صنع القرار - سواء كمستشارين أو غيرهم - هم إلى موظفي علاقات عامة لهذه الدولة العربية أو تلك مع إسرائيل أقرب منهم إلى أي شيء آخر.

الطريف هنا أنه حتى من بين اليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل، كانت هناك بعض النماذج المناهضة بقوة لكثير من السياسات الإسرائيلية. أحد هؤلاء مثلا لطيف دوري اليهودي العراقي اليساري أيضا الذي كشف مجزرة 'كفر قاسم' عام 1956. دوري لم يكتف بأنه كان من أوائل من تجاسر على الحوار مبكرا مع منظمة التحرير والتقى بقيادتها في تونس وحوكم بسبب ذلك، بل إنه سعى للوقوف مع العراقيين في سنوات الحصار العجاف. كان يجمع التبرعات والأدوية ويحاول تسليمها للسفارة العراقية في القاهرة لكنه لم يفلح في ذلك أبدا.

وبين بعض الرموز اليهودية التي ظلت في بلادها حتى مماتها كابراهام السرفاتي وجورج عدة وبين من هاجروا إلى الدولة العبرية وحاولوا هناك قدر جهدهم التميز عن التوجهات العنصرية المتطرفة للمشروع الصهيوني، توجد بالتأكيد أصوات يهودية من أصول عربية في أوروبا أو غيرها عرفت كيف يمكن أن يكون وفاؤها لجذورها الوطنية وللعدل والحق أقوى من أي وفاء لاعتبارات دينية لا ترى حرجا في استباحة حقوق الآخرين. من هؤلاء مثلا الكاتب والدبلوماسي الفرنسي اليهودي من أصل مصري اريك رولو.

المرارة الكبرى أن هؤلاء، ورغم قلة عددهم، يرحلون عن دنيانا دون أن يتركوا وراءهم أي جيل آخر من اليهود العرب الذين يمكنهم أن يواصلوا مسيرتهم التي إن بدا صوتها خافتا وسط زحام التطرف إلا أنه صوت لا غنى عنه.

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة