مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 

لم تكن الحكومة الإسرائيلية، أية حكومة، لتصمد لوقت طويل، بعد مسلسل الفشل السياسي والأمني الذي كشفت عنه تداعيات عملية إيلات التي وقعت يوم الخميس الماضي، في مدينة إيلات، درّة إسرائيل الأمنية.

الفشل والتقصير اللذان وقعا خلال أيام قليلة، لا يقلان خطورة عن التقصير الذي اتهمت به الحكومة العمالية، التي كانت مسؤولة في إسرائيل خلال حرب أكتوبر العام 1973، التي كانت تنطوي على احتمال تهديد وجود إسرائيل لولا محدودية الأهداف التي ميزت الموقف العربي من تلك الحرب.

عملية إيلات التي لم يتبنّها أي فصيل فلسطيني حتى الآن، ولم تكشف إسرائيل عن هوية مرتكبيها، أو مصيرهم، وبصرف النظر عن مَن يقف وراءها، وهو سؤال سيظل رهناً بالتحقيقات الإسرائيلية، تلك العملية لخّصت إلى حد كبير التحول الجاري في المنطقة العربية، خصوصاً في مصر، وأصدرت (العملية) إشارات واضحة لا تقبل التأويل والجدل بشأن ما ينتظر إسرائيل من تداعيات وتغيير في البيئة المحيطة ليس في صالحها على استمرار عملية التغيير في الحالة العربية.

وكشفت العملية عن ارتباك الاستراتيجيات الاستراتيجية، والحسابات التي تقوم عليها، ما يستدعي مراجعة وبحثاً معمقاً، في دوائر القرار في إسرائيل لتحديد وضعيتها واستراتيجيتها وخياراتها في المرحلة المقبلة.

كان حجم العملية ومكان وقوعها، وتوقيتها، كفيلاً بأن يحرك لدى دوائر القرار الإسرائيلي، بصرف النظر عن طبيعة الحكومة القائمة، رغبة عارمة في شن حرب واسعة، ميدانها المرجح، هو قطاع غزة الذي تحاصره إسرائيل منذ سنوات، وتتهم كل مَن فيه بالإرهاب، غير أن هذه الحكومة رغم تطرفها الشديد، اضطرت إلى الانكفاء وتجرع مرارة الفشل والعجز.

ثمة مَن نجح في شل يد إسرائيل عن ارتكاب عدوان واسع ضد قطاع غزة، كانت حكومة نتنياهو تحضر وتخطط له، ولديها ما يكفي من الدوافع لتحقيق جملة من الأهداف التي باتت معروفة للجميع تقريباً.

لقد حمل التغيير في مصر، في ظل استمرار تداعيات ربيع الثورات العربية، تغييراً جذرياً في موازين القوى وفي الحسابات السياسية للأطراف الفاعلة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، والأطراف الخارجية، بما في ذلك وأساساً الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تزال تكافح وتقاتل بمختلف الوسائل والسبل من أجل احتواء السقوف السياسية للثورات العربية.

لا تحاسب مصر اليوم، بناء على من يتخذ القرار السياسي الرسمي، فالمرحلة الانتقالية بكل معالمها وتداعياتها، وصراعاتها وتوافقاتها، هذه المرحلة لا تزال تتحرك فيها السياسة، وفق معادلة الشارع المصري الذي لا يزال يواصل فعله وحذره، ونشاطاته.

إزاء جريمة إقدام الجيش الإسرائيلي على قتل خمسة ضباط وجنود مصريين على الحدود الإسرائيلية مع سيناء، كانت الحكومة قد وضعت أمام إسرائيل ثلاثة شروط، لم تلبها حكومة نتنياهو حتى الآن، أما الشارع المصري فقد رفع ثمانية شروط صعبة، تطال كل مبدأ وآليات العلاقة بين مصر وإسرائيل.

ولكن، حتى الشروط الثلاثة التي ميزت الموقف المصري، لم تكن شروطاً عادية يمكن لحكومة إسرائيل أن تقبلها في ظروف غير هذه الظروف، ذلك أنها تنطوي على نبرة مختلفة، وعلى استعدادات لرفع سقف تلك الشروط إلى مستويات تؤدي إلى توتير العلاقات بين البلدين نزولاً عند رغبة الشارع المصري من ناحية، ولمقابلة التحدي الإسرائيلي الوقح من ناحية ثانية.

لا بد أن تكون الإدارة الأميركية قد دخلت على خط الأزمة بين إسرائيل ومصر، وبعلاقة كل ذلك مع ما كانت حكومة نتنياهو ترغب بشدة في القيام به، ونقصد عملية عسكرية ضد القطاع، كان نتنياهو قد أمر جيشه القيام بها قبل أن يلعق قراره، ويقبل بالتهدئة بناء على وساطة مصرية. الإدارة الأميركية تدرك أن تطور الأزمة بين مصر وإسرائيل في هذه الظروف، قد ينطوي على نتائج وخيمة لا تقف حدودها عند العلاقات المصرية الإسرائيلية، وإنما تتعداها إلى علاقة إسرائيل بكل شعوب المنطقة والأنظمة القائمة، سواء ما تغير منها، وما بقي على حاله، الأمر الذي سيؤدي حتماً للتخريب على السياسة الأميركية ومصالحها في منطقة مضطربة تجتاحها الرغبة في التغيير.

هذا هو الفارق، وهو فارق كبير بين مصر ودورها بعد الثورة عما كان عليه قبل الثورة، وهو دور يبشر الفلسطينيين وقضيتهم، بمستقبل أفضل، وينذر إسرائيل بمستقبل أسوأ بكثير مما هو عليه الحال. المشكلة في إسرائيل تكمن في غياب المعارضة الحقيقية التي تحمل برنامجاً وأجندة مختلفة، فلقد وقف حزب كاديما الذي يحظى بعدد من المقاعد في الكنيست أكثر مما يحظى به الليكود، وقف هذا الحزب عاجزاً عن قيادة حركة الاحتجاجات الداخلية التي تعبّر عن أزمة حقيقية تعيشها إسرائيل، ومن غير المتوقع أن تنجح حكومة نتنياهو في تجاوزها مهما فعلت.

لقد شلّت تداعيات عملية إيلات يد الحكومة الإسرائيلية التي كانت ترغب بشدة في استغلالها للهروب من الأزمة الداخلية، وبدلاً من أن تتوافر لدى حكومة نتنياهو الفرصة لمعالجة الأزمة الداخلية على خلفية غلاء المعيشة وأسعار العقارات، وتدني الرواتب، بدلاً من ذلك أضافت تداعيات عملية إيلات أزمات أخرى من طبيعة سياسية وأمنية لحكومة نتنياهو، غير أنه لا يتوفر أحد من خارج الحكومة قادر على الاستثمار والإطاحة بالائتلاف الحاكم. بهذا المعنى، فإن قطاع غزة لم يعد لقمة سائغة يمكن لإسرائيل أن تمضغها متى تشاء، وحسابات التغيير في الجوار والمنطقة وفرت لسكان القطاع، حصانة جديدة قوية، تتمثل في مصر المتحولة. وإذا كان على نتنياهو أن يغرق في أزماته الداخلية المتكاثرة والمتفاقمة، وأن يحصد ارتدادات سياساته ومواقفه ضد الفلسطينيين وحقوقهم، فإن على الفلسطينيين أن يستثمروا هذا الوضع، لتعميق أزمة نتنياهو الداخلية والخارجية، وأن يتحضروا جيداً لتحقيق بعض الإنجازات، سواء ما يتصل منها بالمصالحة أو بتحقيق بعض المكاسب السياسية على المستوى الدولي.

وكالة فلسطين برس للانباء

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة