مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


منذ اللحظة الأولى التي اختطفت فيها بعض الفصائل الفلسطينية المسلحة جنديا “إسرائيليا” يوم 25 يونيو/حزيران الماضي في عملية عسكرية نوعية نفذتها هذه الفصائل وهي الأولى من نوعها منذ فترة طويلة، تبدو عملية السلام في المنطقة وقد دخلت في وضع أكثر تعقيدا مما أدى إليه فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية وتشكيلها للحكومة التي عانت ولاتزال منذ ذلك الحين عزلة دولية شبه كاملة وعزلة عربية إلى حد ما أدت إلى حصار مالي ومنع وصول المساعدات وتجويع للشعب الفلسطيني الذي أعطى الأغلبية لحماس في انتخابات هي الأكثر نزاهة وشفافية على مستوى المنطقة العربية بكاملها.

إن أي مراقب سياسي محايد يتابع مجريات الأحداث في المنطقة منذ فوز حماس بالأغلبية في يناير/كانون الثاني الماضي لا يمكنه أن يلقي باللوم عليها في توتير الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وفي تجميد عملية السلام لأسباب واضحة وبينة منها أن عملية السلام كانت مجمدة في الأصل ولم تؤد وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى حلحلتها إلا في حدود بسيطة لا تكاد تذكر بسبب الشروط المجحفة التي أرادت الحكومة “الإسرائيلية” السابقة والإدارة الأمريكية فرضها على الرئيس الجديد محمود عباس ولم يكن بوسعه سوى رفضها، ومنها أن الحكومة “الإسرائيلية” ومعها الحكومات الغربية رفضت الاعتراف بنتائج الانتخابات الفلسطينية، وأخذت في التنديد بها منذ ظهور نتائجها من دون أن تتيح الفرصة لحماس وإعطاءها الوقت الكافي لترتيب أوراقها السياسية بعد فوزها الذي فاجأها هي نفسها قبل أن يفاجئ العالم أجمع.

وهكذا أخذت الضغوط الدولية على حماس تتوالى بطريقة مهينة لكرامة الشعب الفلسطيني قبل أن تكون مهينة لأي طرف سياسي رغم حالة الهدنة التي أعلنتها حماس قبل الانتخابات واستمرت ملتزمة بها حتى وقت قريب، ورغم استمرار الاعتداءات “الإسرائيلية” على قطاع غزة واستهداف الناشطين الفلسطينيين فيه بالاغتيال وكان أبرزهم (جمال أبو سمهدانة) قائد لجان المقاومة الشعبية الذي شكل اغتياله نقطة فاصلة في مسار الهدنة المعلن من حماس وبقية الفصائل، بل وتسبب في حالة حرج بالغة للتيارات السياسية الفلسطينية التي بدت كما لو أنها مستسلمة للاعتداءات “الإسرائيلية” رغم قدرتها على الرد وخاصة حماس التي أخذت الشائعات من خصومها السياسيين تظهرها وكأن وصولها للسلطة كان هدفا أساسيا جعلها تتناسى تاريخها النضالي وتبحث عن سبل للهدنة والتراجع عن مواقفها المعهودة ومبادئها السياسية المعلنة، الأمر الذي سبب لها حرجاً سياسياً بالغاً، وجعل أنصارها في العالم كله يتساءلون عن مدى مصداقية مثل هذه الشائعات في ضوء استمرارها في حالة الهدنة وعدم الرد على الاعتداءات “الإسرائيلية”؟

الأكيد أن حماس لم تكن عاجزة عن الرد لكنها أرادت أن تؤكد أن بإمكانها المضي في أي نوع من أنواع التفاهم والوصول إلى حلول من دون اللجوء إلى معارك كسر العظم والإذلال وإرغامها على قبول حلول ظالمة تسلب الشعب الفلسطيني حقه في بناء حياة كريمة واستقلال كامل لأراضيه، وهو أمر لم تقبله فتح وقادتها فكيف تقبله هي؟ لكنها أي حماس لم تجد تجاوبا دوليا كافيا رغم الاختراقات التي نجحت في تحقيقها من خلال اتصالاتها بكل من روسيا والصين، وجاء الإصرار الغربي على قطع مساعداته ومنع المصارف من تحويل أي مساعدات مالية لتدفع مواقف الأطراف الفلسطينية للتشدد وليس المرونة. وهكذا كانت عملية اقتحام المعسكر “الإسرائيلي” وقتل الجنود “الإسرائيليين” الثلاثة وأسر الرابع يوم 25 يونيو الماضي كنوع من التأكيد على أن المقاومة الفلسطينية لاتزال قادرة على توجيه ضربات موجعة ونوعية للمحتل، ويبدو بالفعل أن الجيش “الإسرائيلي” وقع في حرج كبير بسبب عجزه عن كشف موقع احتجاز الجندي “الإسرائيلي”، رغم اعتقال أكثر من ثلاثين نائبا ووزيرا من أعضاء حركة حماس وضرب البنية الأساسية في غزة وإغلاق منافذ القطاع

لإحداث أزمة غذائية كبيرة وقصف مكتب رئيس الوزراء الفلسطيني في غزة، فيما بدأ الطرفان في وضع شروطهما على بعضهما البعض دون جدوى.

ومع أن الوساطة المصرية تبدو مقبولة من حيث الشكل ومن حيث حرصها على التوازن بين شروط الطرفين والحفاظ على ماء وجهيهما إلا أن الوضع العام الذي وصلت إليه علاقات الطرفين الأساسيين الفلسطيني و”الإسرائيلي” قد لا توفر للمبادرة المصرية فرص النجاح، فيما أدت الأزمة إلى مزيد من التحسن في علاقات الأطراف الفلسطينية خاصة بعد موافقة حماس على مشروع وثيقة الأسرى التي يرغب الرئيس عباس في الاستفتاء عليها أواخر الشهر الحالي رغم طلبه إطلاق الجندي باعتبار أن مثل هذه العمليات لا تنعكس بأي فوائد على القضية، وفوق ذلك فقد طالب إسماعيل هنية رئيس وزراء فلسطين محتجزي الجندي معاملته بالحسنى وتأكيده أنه لم يكن على علم بالعملية قبل وقوعها، وفي العادة فإن الجناح السياسي لا يحاط علماً بالعمليات التي ينفذها الجناح العسكري.

الآن وقد أصبح هناك موقف جديد على الواقع فإنه في ظل الغطرسة “الإسرائيلية” المعهودة لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يمارسه من ردود فعل جنونية في حال المساس بحياة الجندي المحتجز فوق ما قام به بالفعل حتى الآن، وفي ظل العجز العربي عن اتخاذ أي إجراءات رادعة للغطرسة “الإسرائيلية” وفي ظل الدعم الأمريكي للعدوان “الإسرائيلي” فإن الصورة التي يمكن أن تنتهي إليها الأزمة الحالية تظل قاتمة جدا، إذ ستكون انعكاساتها على أوضاع المواطنين الفلسطينيين أكثر سوءا مما وصلت إليه بسبب تدمير محطات الطاقة الكهربائية والحصار الغذائي وضرب الجسور. فإما أن تمضي الأزمة إلى خط اللاعودة أو أن تكون مدخلا لإعادة رسم وتشكيل الأوضاع الفلسطينية الداخلية، فرغم أن الشعب الفلسطيني عانى الكثير إلا أن المطلوب أن يدفع ثمنا باهظا لخياره السياسي الذي نتج عنه وصول حماس إلى السلطة، فهل تؤدي مثل هذه الأزمة إلى إعادة حماس النظر في خياراتها وأدواتها السياسية لكي تكون لنضالها نتائج ملموسة على الأرض الفلسطينية؟ -الخليج الاماراتية 7/7/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة