مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


"قوة المثال".. هذا هو أهم ما في "الحرب السادسة".. "الأولى" في أهميتها الاستراتيجية والتاريخية. هذا المثال، الذي هو "حزب الله"، هو الذي يتضافر كل المتضررين منه، علنا وسرا، ومهما اختلفوا وتباينوا في أمور أخرى، على تحطيمه، وتحويله، بقوة الحديد والنار، وبقوى أخرى، إلى نقيضه، فالشيخ أسامة بن لادن، مع قاعدته، يظل أفضل لهم، ولمصالحهم وأهدافهم، ولوجودهم برمته، من السيد حسن نصر الله، مع حزبه. شبابنا، الآن، الناقم الساخط، الكاره حتى لنفسه بسبب أن كل شيء يحبه ويعتز به في الحياة قد مات ويموت، والذي جعلوه يرى العدم خيرا من الوجود، ما عاد يستهويه مثال بن لادن وقاعدته، وإنَّما مثال نصر الله وحزبه. شبابنا الآن أصبح قادرا على تمييز "الإرهاب" من "المقاومة"، فلو أنَّ استطلاعا للرأي أجري لرأينا تحوُّلا كبيرا في الإعجاب عن بن لادن إلى نصر الله، وكأن "الحرب السادسة" قد قالت لشبابنا: "إنَّ المقاومة التي ترون هي خير وأبقى من الإرهاب". إنَّ تغليب الميل لدى شبابنا إلى المقاومة، أي إلى هذا النمط المجدي من الصراع القومي، على الميل إلى الإرهاب، قوىً وفكراً، هو الوجه الأول من أوجه القوة في ذلك المثال.

الوجه الثاني، هو "التسامي القومي"، أي التسامي عن كل ما هو دون الانتماء القومي العربي، فـ "حزب الله" الشيعي ما عاد يُنْظَر إليه على أنه حزب للطائفة الشيعية في لبنان، فالسنة من العرب ينظرون إليه على أنه "قوة إسلامية وعربية قومية" عرفت كيف تكون قوة معادية لإسرائيل، وكيف تبادل الولايات المتحدة عداء بعداء. لقد ثبُت وتأكَّد أنَّ واقع الهزيمة القومية هو مبعث كل عصبية مُدمِّرة للانتماء القومي العربي، وأنَّ كل تخطٍّ لهذا الواقع يمكن ويجب أن يكون مبعث تخطٍّ لكل عصبية من ذاك النمط، فلتعطوا شعوبنا نصرا، ولو صغيرا، على عدوهم القومي، ففيه، وبه، يكبر ويعظم الشعور بالانتماء القومي، ويصغر ويضمر كل شعور بالانتماء إلى "الجماعة دون القومية". تذكَّروا عبد الناصر قبل الهزيمة الحزيرانية وبعدها، فقبلها كان مبعثا لمدٍّ في الشعور بالانتماء القومي العربي لدى العرب من المحيط إلى الخليج، وبعدها صار مبعثا لجزْرٍ في ذاك الشعور، فشرع العربي يبحث عن ذاته وهويته في القبيلة السياسية والدينية والثقافية.

الوجه الثالث، هو "الفضيحة التاريخية"، فإسرائيل التي لا تُقهر إنَّما هي "إسرائيل النفسية" وليس "إسرائيل الواقعية". إنها إسرائيل التي في داخلنا تقيم. أمَّا إسرائيل التي في خارج نفوسنا تقيم فهزمها ممكن واقعيا. هل يمكن هزم إسرائيل؟ هذا هو السؤال الفاسد. أمَّا السؤال السليم فهو هل "نجرؤ على الانتصار على إسرائيل؟ أقول "نجرؤ"؛ لأن الذي يملك كل الأسباب والشروط الواقعية للقفز بالمظلة من الطائرة لن يقفز إذا لم "يجرؤ" على القفز!

كم مرَّة دخلنا الحرب.. وكم مرَّة خرجنا منها خروجا لا نراه في لبنان الآن. في آخر مرَّة، دخلها "الرئيس" بجيشه الجرَّار، وبشعبه الذي يؤيِّده بأحيائه وأمواته، فإذا بالجيش "يتبخَّر"، وإذا بالشعب "ينتظر"!

كلهم، حتى أصغرهم، يملكون من السلاح ما لا يملك "حزب الله" منه إلا جزءا ضئيلا؛ ولكنهم لا يملكون الشروط السياسية والاجتماعية للقتال بحسب أسلوبه الذي هو خير أسلوب للانتصار، مستقبلا، على إسرائيل، عبر منعها من الانتصار، حاضرا، علينا. إنَّ المصلحة الفئوية الضيِّقة في عدم امتلاك تلك الشروط هي وحدها ما يُفسِّر عجز سورية عن الأخذ بمثال "حزب الله" في قتال إسرائيل، وهي التي لو أخذت به، مع شروطه السياسية والاجتماعية، لفُتِحَت أبواب جهنم على إسرائيل. والشروط ذاتها لو امتلكتها مصر لما قالت، في ذروة الحرب الإسرائيلية في لبنان، إنَّ دخولها الحرب (من أجل لبنان، أو من أجل غيره) هو المستحيل بعينه. إنَّهما مثلَّثان يحضاننا على المقارنة بينهما: "المثلَّث الحزيراني" في "الحرب الثالثة"، و"مثلَّث مارون الراس ـ عيترون ـ بنت جبيل" في "الحرب السادسة"! - مفتاح 27/7/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة