لنقف عند وجهين من وجوه الأزمة الذاتية في العمل الوطني الفلسطيني: مثّل الوجه الأول من ذينك الوجهين الانتقال السياسي غير المحسوب إلى فكرة المرحلية في العمل الوطني الفلسطيني. أتى ذلك الانتقال في امتداد جدل سياسي داخلي أطلقه حدثان كبيران هزت نتائجهما السياسية الأوضاع في المنطقة، وكان لهما كبير تداعيات على أوضاع الثورة، هما: اقتلاع الثورة الفلسطينية من الأردن وعجلون، في العام ،1970 إلى فقدانها قاعدة ارتكاز (كانت لها في الضفة الشرقية لنهر الأردن) في مواجهة العدو، وفي التواصل مع قواها في الداخل: في الضفة الغربية المحتلة. وكان من الطبيعي عندها أن تلمع في وعي الثورة فكرة نقل قاعدة الارتكاز تلك إلى الداخل، أي إلى الضفة الغربية، ولكن هذه المرة من خلال صيغة قيام سلطة وطنية في أجزاء من ذلك الداخل وتصبح قاعدة لاستكمال عملية التحرير. أما حرب أكتوبر/ تشرين الأول، والنصر العربي النسبي الذي تحقق فيها، فأوحت نتائجها بفرحة لحل سياسي يقود إلى جلاء “إسرائيل” عن الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو/ حزيران 1967. وكان على الثورة أن تسارع إلى قطف ثمار ذلك فلسطينياً حتى لا تعود الضفة الغربية إلى الأردن وقطاع غزة إلى مصر. قد يقال إن الثورة وجدت في جنوب لبنان قاعدة ارتكاز بديلة بعد فقدانها الأردن. وهذا صحيح، لكن لبنان ما كان ليعوض لها عن الحاجة إلى قيام قاعدة في الداخل بعد أن تعلمت درساً من تجربتها في الأردن هو الثمن الفادح الذي عليها أن تدفعه دائماً من العمل خارج حدود فلسطين. وقد يقال إن النتائج العسكرية لحرب أكتوبر 1973 كانت متواضعة عربياً، ولم تحدث تعديلاً جدياً في موازين القوة بين العرب و”إسرائيل” إلى حد تترجم فيه نفسها على مائدة التفاوض، وأن المفاوضات التي جرت عقب الحرب انتهت إلى اتفاقات فك الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية، ولم تقدم أية إمكانية لحل سياسي يستفيد منه الشعب الفلسطيني. وهذا صحيح، لكن فكرة التسوية كانت قد بدأت حينها في التداول، وبدأ الاتحاد السوفييتي يدفع بها من أجل تطبيق القرارين 242 و،338 لتبدأ في سياقها فكرة المؤتمر الدولي. لمعت حينها فكرة المرحلية لدى بعض فصائل الثورة (خاصة “فتح” و”الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”). وكانت الأخيرة (“الجبهة الديمقرطية”) قد طرحت برنامجاً من عشر نقاط يدافع عن فكرة المرحلية في العمل الوطني، ويسند دفاعه عنها إلى اكراهات ميزان القوى، وإلى الممكنات الواقعية التي يفتحها الوضعان العربي والدولي. ثم لم تلبث هذه الموضوعات السياسية التي طرحتها الجبهة في صيف وفي خريف العام 1973 أن تحولت إلى برنامج سياسي للثورة تكرس منذ العام 1974 بعد إقراره في “المجلس الوطني” باسم “البرنامج المرحلي” لمنظمة التحرير، وتمحور حول فكرة قيام سلطة وطنية على أي شبر محرر من الوطن. ثم أتت الأحداث والتطورات التي أعقبت وأتت في ركاب إبرام “معاهدة كامب ديفيد” بين مصر و”إسرائيل” (1979)، ثم اجتياح لبنان وحصار بيروت (1982)، تذهب بتلك المرحلية إلى نهاياتها، فيتحول هدف إقامة سلطة وطنية على أي شبر محرر إلى هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المناطق المحتلة في العام 1967. وهذا التحول في معنى المرحلية هو بالذات ما دفعنا إلى وصف ذلك الانتقال في الوعي السياسي الفلسطيني، إلى فكرة المرحلية بالانتقال غير المحسوب. ولقد أتى ثمن هذه المرحلية في العمل الوطني الفلسطيني، على النحو الذي أدركت به وانتهت إليه، باهظاً جداً على مستقبل المشروع الوطني برمته. إذ قادت في جملة ما قادت إليه إلى الانتقال من فكرة التحرير إلى فكرة الاستقلال الجزئي، من فكرة الوطن إلى فكرة الدولة! ثم لم نلبث أن اكتشفنا أن الاستقلال لم يتحقق، وأن الدولة لم تقم، وأن المعروض اليوم ليس أكثر من شبه حكم ذاتي طويل الأمد. أما الوجه الثاني وهو شديد الاتصال بالأول فيتمثل في انتقال خيار الثورة من الكفاح المسلح إلى التسوية في امتداد رسوخ خيار الحل السياسي المرحلي للمسألة الوطنية الفلسطينية في سياساتها واستراتيجيتها. ومثلما تدرج برنامج الثورة من تحرير كامل فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية عليها إلى برنامج استقلال بعض فلسطين وإقامة دولة مستقلة عليها، كذلك تدرجت أساليب الثورة من القتال إلى التسوية. في مرحلة أولى كان التشديد قوياً على أن طريق تحرير الوطن يمر عبر ممارسة الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لنيل الحقوق الوطنية. وفي مرحلة ثانية، بدأ الحديث عن الحق في استعمال الوسائل كافة لتحرير الوطن وعلى رأسها الكفاح المسلح، أما في مرحلة ثالثة، فارتفع التعيين وارتفعت عبارات الأولوية لتبقى الصيغة عامة: استعمال الوسائل كافة (أي السياسية والقتالية). ثم لم نلبث في مرحلة رابعة راهنة أن شهدنا تشديداً حصرياً على الوسائل السياسية والمفاوضات كسبيل وحيد لنيل الحقوق! والأسوأ من ذلك أن ذلك التشديد الحصري على السياسة والتفاوض يجري بالتلازم مع ادانة المقاومة وعملياتها! يرادف هذا التعقيب لوسائل الثورة تعقيب آخر لرهاناتها السياسية. راهنت في المرحلة الأولى على قواها الذاتية وعلى الحركات الوطنية والتحررية العربية والعالمية. وراهنت في الثانية على قواها وعلى “المعسكر الاشتراكي” و”الأنظمة الوطنية” العربية. وراهنت في الثالثة على النظام الرسمي العربي والأمم المتحدة. وتراهن في المرحلة الرابعة منذ “مؤتمر مدريد” في العام 1991 على الولايات المتحدة الأمريكية. لقد راودت التسوية وأوهامها مخيالها السياسي منذ ثلث قرن. لكنها قطعت في وعيها شوطاً من الحساب السياسي التراجعي كانت تنخفض فيه في كل طور من أطواره معدلات التوقع والطموح لديها. وهكذا، فمن قبول مبدأ تسوية القضية الفلسطينية، مع مسائل الصراع العربي “الإسرائيلي” الأخرى، في إطار مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة، إلى الاعتراف بقرارات “الشرعية الدولية” كافة والاصرار على تطبيقها جميعاً، إلى الاعتراف بالقرارين 242 و338 كأساس للتسوية، إلى “اعلان الاستقلال” (في الدورة ال 18 للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر: نوفمبر/ تشرين الثاني 1988) على مقتضى القرار 242.. الخ. ومن القبول بصيغة المؤتمر الدولي الذي ترعاه الأمم المتحدة، إلى القبول بصيغة مؤتمر اقليمي (“مؤتمر مدريد”) يرعاه “الراعيان” الأمريكي والروسي؛ ومن القبول برعاية الداعيين إلى القبول ب “رعاية” “الراعي” الأمريكي حصراً. ومن القبول بمفاوضات تقوم على مقتضيات القرار ،242 إلى القبول بمفاوضات تقوم على مبدأ “الأرض مقابل السلام”. ومن القبول بمرجعية القرارات الدولية إلى القبول “بمرجعية” مائدة التفاوض. و”أخيراً” من القبول بدولة فلسطينية على أراضي الضفة والقطاع والقدس إلى القبول بحكم ذاتي انتقالي لخمس سنوات بلغ اليوم ثلاثة عشر عاماً من عمره! أما أطر التسوية، فبدأت تنحدر تدريجياً إلى قعر لا قرار له وينخفض مع انحدارها سقف المطالب الوطنية. وهكذا، فمن “مؤتمر مدريد” إطاراً للتسوية إلى حل منفرد في اطار ثنائي غير متكافىء (“اتفاق أوسلو”). ومن “أوسلو” إلى “طابا” و”القاهرة” و”شرم الشيخ” و”واي ريفر” و”اتفاق الخليل”.. الخ. ومن “أوسلو” إلى “تقرير ميتشل” و”خطة جورج تينت” إلى “خريطة الطريق”، إلى “خطة شارون” لفك الارتباط في غزة، إلى “خطة أولمرت” لتحديد حدود “إسرائيل” من جانب واحد. وما خفي أعظم. لقد قدمت فكرتا المرحلية والتسوية مساهمة كبيرة في إصابة المشروع الوطني الفلسطيني في الصميم، وفي أخذه بعيداً عن مقدماته السياسية. وكان ذلك بسب سوء تقدير وقعت فيه الثورة لكيفية إدارة العمل الوطني. - الخليج الاماراتية 29/7/2006 - اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|