مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


في المشهد الأكبر والأهم من مشاهد الصراع الضاري الدائر بالحديد والنار بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، وفي جنوبه على وجه الخصوص، نرى في وضوح العلاقة الجدلية بين "الوحشية" و"المقاومة"، فكلما عنفت "المقاومة" واشتدت، أظهرت إسرائيل وآلتها الحربية مزيدا من "الوحشية" في القتل والتدمير؛ وكلما اشتدت هذه "الوحشية" وعنفت، أظهر "حزب الله" مزيدا من "المقاومة".

بعضنا يُفضِّل أن يرى "الوحشية الإسرائيلية" ونتائجها فحسب، أي من دون أن يرى، في الوقت نفسه، النصف الممتلئ من كأس الماء، حتى يصبح في مقدوره تبرير موقف سلبي وقفه، أو يريد أن يقفه، من المقاومة البطولية التي يبديها "حزب الله". وبعضنا يُفضِّل الرؤية الجزئية، أو النصفية" المعاكِسة.

ومع أننا نميِّز هذا الفريق من ذاك، في النيَّات والدوافع والأهداف، فإننا نفضِّل "الموضوعية" في النظر والفهم.. والموقف، على أن تظل "الموضوعية" جزءا لا يتجزأ من انحيازنا التام إلى المقاومة البطولية التي يبديها حزب الله" في مواجهة عدونا القومي الأول وهو إسرائيل المتحالفة مع الولايات المتحدة، أو الولايات المتحدة المتحالفة مع إسرائيل.

لقد أظهر "حزب الله" من قوة وصلابة وذكاء المقاومة، في وجهيها العسكري القتالي والسياسي، ما دفع إسرائيل إلى إظهار مزيد من الوحشية الحربية الكامنة فيها. ولا شك في أنَّ العالم، وعالمنا العربي منه على وجه الخصوص، قد ساهما كثيرا في تحرير تلك الوحشية الحبيسة من كثير من القيود.

وفي هذا الطور الجديد والأعلى من الوحشية الحربية الإسرائيلية والذي بدأ بمجزرة قانا، وبموقف مجلس الأمن الدولي منها، سنرى الأرض في جنوب لبنان، شبه المفرغَة من سكانها، وقد أمعنت فيها آلة الحرب الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية حَرْقا وتدميرا.

هُم، أي الإسرائيليون، تأكَّدوا الآن أنهم في عجز شبه مطلق عن قصم ظهر "حزب الله"، عسكريا وسياسيا وشعبيا، عبر الحرب الجوية، وغيرها من أشكال الحرب عن بُعْد، أو عبر "شيء من الحرب البرية".

هذا العجز شدَّد لديهم الميل إلى مزيد من الوحشية الحربية، فارتكبوا مجزرة قانا؛ ثمَّ أعلنوا وقفا مؤقتا (48 ساعة) للضربات الجوية للمدنيين في بعض المناطق الجنوبية؛ ثمَّ وقف مجلس الأمن الدولي من المجزرة موقفا فهمه المدنيون اللبنانيون في الجنوب على أنه تشجيع لإسرائيل على المضي قدما في حربها عليهم، وفي ارتكابها الجرائم في حقهم.

ترتَّب على كل ذلك مزيد من إفراغ المناطق الحدودية الجنوبية من سكانها حتى يصبح ممكنا وسهلا توسُّع إسرائيل في حربها البرية التي هي الآن، أو من الآن وصاعدا، تعدل الحرق والتدمير الكاملين للمناطق الجنوبية.

لقد أعدوا العدة لحرب برية (مع ضربات جوية وبحرية) يتحول بها الجنوب إلى مسرح لجرائم حرب، يجب أن تنتهي، بحسب توقُّعهم، إلى قصم ظهر "حزب الله"، وإبعاد مقاتليه إلى ما بعد شمال الليطاني، ومنح القوة الدولية، التي تسعى الولايات المتحدة في تأليفها والتي ليست سوى "تدويل" للاحتلال الإسرائيلي، ما تحتاج إليه من أرض، تنتشر فيها، وتعمل انطلاقا منها.

وبدعوى منع السلاح من الوصول إلى "حزب الله" من سورية، أو من إيران عبر الأراضي السورية، سيشمل هذا الاحتلال، أيضا، حدود لبنان مع سورية، وسنرى كثيرا من مظاهره في مطار بيروت والموانئ اللبنانية.

أما الجيش اللبناني، الذي سيجيء به إلى ما بين نهر الليطاني و"الخط الأزرق" هذا "الجيش الدولي"، الذي جاء به الجيش الإسرائيلي، فسيتوفَّرون على "تطويره" بما يجعله نسخة، عسكرية وسياسية، من "الجيش الدولي"، الذي من جنوب لبنان سيشرع يخلق "الشرق الأوسط الجديد".

وفي مناخ كهذا، تُنْقَل السلطة الفعلية في لبنان إلى قوى الرابع عشر من أيار، وأشباهها ومشتقاتها الجديدة، فنرى "الدائم" من "وقف إطلاق النار"، ومن "الحل"، يُتَرْجَم بلبنان جديد أسوأ من "لبنان 17 أيار"، فالتدمير الحربي الإسرائيلي يأتي لصنَّاع "الشرق الأوسط الجديد" بما يحتاجون إليه من نفوذ سياسي ـ عسكري في لبنان، وعلى المستوى الإقليمي؛ أمَّا تمويل إعادة بناء ما دمَّرته آلة الحرب الإسرائيلية فيأتيهم بما يعزِّز ويوسِّع هذه النفوذ.

ولدرء كل تلك المخاطر، ما ظهر منها وما استتر، ليس من خيار سوى خيار "المَنْع".. مَنْع أي حل يمكن أن يُتَرْجَم بتفريغ الجنوب من الوجود العسكري لـ "حزب الله"، أو بتجريد هذا الحزب من سلاحه، فَلْيَظل الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا إذا ما كان إنهاؤه مشروطا بإنهاء الوجود العسكري لـ "حزب الله". ومَنْ يرى غير ذلك إنما هو كل مَنْ له عين لا ترى! - مفتاح 1/8/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة