ولما كان الجليل يضم القطاع الأكبر من عرب الأرض المحتلة العام ،1948 وحيث اضطر حزب الله إلى قصف شمالي فلسطين بالصواريخ ردا على حرب الأرض المحروقة التي تقوم بها آلة الحرب الصهيونية في لبنان، فإنه يغدو مهماً رصد انعكاس ذلك على مشاعر عرب الجليل ومؤشرات استجابتهم لتحديات الصراع الراهن، ومحاولة قراءة الآثار المحتملة لذلك في القوى والتوجهات السياسية الاجتماعية لديهم. وكان أحد الصواريخ اللبنانية قد سقط على منزل أسرة في حي الصفافرة بمدينة الناصرة فأودى بحياة ثلاثة من أفرادها بينهم طفلان، وقد اقتصر تعليق الأم على أن قالت: قضاء وقدر. وفي مقابلة السيد حسن نصر الله التي بثتها فضائية “الجزيرة” مساء 20/7 تقدم بالتعزية لأسرة الضحايا، واعتذر منها، وأعلن اعتبارهم شهداء المقاومة وفلسطين. وقد أرجع أحد مواطني الحي إصابة الأسرة لعدم توفر الملاجىء وصفارات الانذار في المدن والبلدات والقرى والأحياء العربية، بينما ذكر مواطن آخر أن أحد الطفلين ظل يتنفس قرابة نصف ساعة، وتوفي قبل وصول سيارة الإسعاف بدقائق. والشهداء الثلاثة، وإن كان سبب استشهادهم المباشر سقوط صاروخ المقاومة على منزلهم، إلا أن المسؤولية التاريخية والأخلاقية إنما يتحملها بصورة رئيسية اولمرت وأركان حكومته وقيادة جيشه، برفضهم مبادرة حزب الله بتبادل الأسرى التي أعلنها أمينه العام لحظة زف نبأ أسر جنديين لمبادلتهما بالأسرى العرب، كما كان قد وعد بذلك وأقرته القوى السياسية اللبنانية في جلسات الحوار الوطني اللبناني. وكذلك يتحمل المسؤولية الأولى قادة الفكر والعمل الصهيوني الذين أصلوا العنصرية في الفكر والثقافة والقوانين والانظمة الصهيونية. وبينما امتلك السيد حسن نصرالله شجاعة الاعتذار عن خطأ غير مقصود لم يصدر عن أي مفكر أو سياسي صهيوني الاعتذار عن خطيئة رفض المبادرة الإنسانية، أو عن تبعات التمييز العنصري في حماية عرب الأرض المحتلة العام 1948. وفي التمايز الكيفي في الموقف من شهداء الناصرة مؤشر على تميز الثقافة العربية الإسلامية المؤسسة على الالتزام بالعدل والمساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم ومذاهبهم. وبين ثقافة لحمتها تعاليم التلمود وسداها الفكر الصهيوني، بحيث اتسمت بعنصرية مركبة. فهي لا تعتبر العربي من “الغوييم” الأغراب فقط، وإنما تعتبرهم أيضا عنصراً مرشحاً للتطهير العرقي والطرد القسري من أرض آبائه وأجداده، وقتله بالتالي مباح. وكانت هيئة الإذاعة البريطانية قد أجرت حوارا بين عربيين من حيفا حول رد فعلهما تجاه ما تعرضت له مدينتهمامن قصف، فاتفقا على القول إنهما بقدر قلقهما على سلامة الأهل بمقدار سعادتهما بالمستوى الذي بلغته المقاومة العربية من كفاءة في الرد على العدوانية الصهيونية. ورداً على سؤال احدهما: أليس في ذلك عدم وفاء لدولة أنت احد مواطنيها؟ أجاب: ما دامت مواطنتي منقوصة فولائي منقوص. وبسؤال الثاني عن شعوره تجاه ما قد يتعرض له جيرانه ومعارفه اليهود، أجاب بأنه يتعاطف مع السكان اليهود وليس مع الحكومة “الإسرائيلية”. وفي تقديري أن المجتمع العربي في فلسطين المحتلة سنة 1948 مرشح للتأثر بأربعة عوامل متفاعلة جدليا: الأول، المشاركة الوجدانية مع مواطني الضفة والقطاع بسبب حصار التجويع المفروض عليهم بقرار أمريكي صهيوني والمنفذ بالاستكانة العربية. والثاني، تقدير اعتماد الحوار الديمقراطي الذي توج بإقرار وثيقة الوفاق الوطني دون تفريط بالثوابت خاصة حق العودة. والثالث، الإعجاب بالإبداع المقاوم كما تجلى بعمليتي “تبديد الوهم” و”الوعد الصادق”. والرابع، انكشاف العنصرية الصهيونية في التمييز ضد المواطنين العرب حتى في إجراءات الأمن. والاحتمال الأرجح أن تكون الحركة الإسلامية بزعامة رائد صلاح هي الأكثر استفادة من النقلة النوعية المتوقعة في الوعي والحراك السياسي لنخب وجمهور المجتمع العربي. ومن المحتمل أن يكون ثاني المستفيدين القوميون الديمقراطيون، وبخاصة الحركة التي يقودها د. عزمي بشارة، الذي كان له حضوره المتميز إعلامياً في فضح الأسلوب الغبي الذي تدير به حكومة اولمرت الأزمة، فيما سيشهد خيار “الأسرلة” التماهي بالتجمع الصهيوني انحساراً ملحوظاً. وقراءة تجربة المجتمع العربي في فلسطين المحتلة توضح أن التحديات التي تجسدها الممارسات العنصرية الصهيونية ولدت استجابة واضحة، تمثلت على نحو خاص بارتفاع نسبتهم من 11% سنة 1949 إلى نحو 20% اليوم، برغم كل الهجرات اليهودية، وشبه اليهودية، كما شهد المجتمع العربي نمواً طردياً في وعيه وحراكه السياسي، واعتزازه بانتمائه الوطني والقومي، وتجاوبه مع أحداث الضفة والقطاع، مبرهنا بذلك على عمق المكون الحضاري الذي يختزنه، وعن مستوى استجابته لتحديات العنصرية الصهيونية، ومدللاً على أن الصهيونية أبرز خمائر التغيير في الواقع العربي. - الخليج الاماراتية 4/8/2006 - اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|