مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


نشرت الصحف المحلية تصريحات منسوبة لمصدر رفيع، تناولت المشهد الإقليمي في ضوء تداعيات الحرب الإسرائيلية الهمجية على لبنان، وحسنا فعلت صحافتنا (أو طلب إليها أن تفعل) حين جهّلت أو "رفّعت" الفاعل / المصرح، لأن ما ورد في تلك التصريحات ينهض شاهدا على "مأزق انعدام الخيارات، صغيرها وكبيرها"، وهو مأزق عربي بامتياز، ولا يخص الأردن وحده.

عملية السلام لم تمت، هكذا قال "المصدر الرفيع"، ملوحا بالعودة إلى الأمم المتحدة بعد أن فقد الراعي الأمريكي دوره كـ"وسيط نزيه" بين الأطراف، ومبشرا بتفعيل المبادرة العربية بعد أن ثبت عقم المقاربات المتدرجة والمرحلية والانتقالية وفشلها في الوصول إلى السلام.

لم نكن ننتظر أن ينعي "المصدر الرفيع" عملية السلام كما فعل الأمين العام للجامعة العربية، لا لقناعته بطول بقاء هذه العملية وفاعليتها، بل لأسباب أخرى، أهمها أنه سيكون مضطرا للإجابة على السؤال التالي مباشرة: ما العمل بعد فشل السلام كخيار استراتيجي وحيد للأمة؟...وهو السؤال الذي يجهد القادة العرب في تفاديه وعدم مواجهته ؟ ولم يجرؤ على الإجابة عليه سوى رئيس واحد، زعيم أكبر دولة عربية، عندما قالها بالفم الملآن، ومن موقع الأزمة والمأزق: لن نحارب نيابة عن أحد أو دفاعا عنه، ولن ننجر أو نتورط، مقامرا بذلك بكل ما واجهه من غضب وانتقادات من شعبه أولا.

مأزق الخيارات والبدائل، أو بالأحرى مأزق انعدامها، تجلى أيضا في حديث "المصدر الرفيع" عن تفعيل المبادرة العربية، والتبشير بتحرك عربي قادم لا محالة بعد أن تضع الحرب أوزارها وتصمت المدافع...ولا ندري أي جديد جاء به "المصدر الرفيع"، فهذه المبادرة ترحل من قمة إلى أخرى وللقمة الخامسة على التوالي، مشفوعة بالعبارات الإنشائية المؤكدة على التفعيل والتنشيط والتحريك، من دون أن تتفعل المبادرة أو تنشط، ولا أدري ما الجديد الذي يدفع المصدر المذكور لإبداء هذا التفاؤل، وما الأوراق الذي سيستند إليها التحرك العربي المتجدد في مسعاه لتفعيل المبادرة، كما لا أدري أية قراءة للمشهدين الأمريكي والإسرائيلي تلك التي توحي بمثل هذا التفاؤل، سيما وأن واحد من أهم، إن لم يكن أهم دروس العدوان الأخير على لبنان، يظهر بما لا يدع مج الا للشك، بأن إسرائيل غير قابلة بالسلام وليست مستعدة له، وأن واشنطن لا تقيم وزنا لأحد في المنطقة بمن في ذلك حلفائها، عندما يتعلق الأمر بتفوق إسرائيل وغطرستها وصورتها الردعية.

على ماذا نستند في "تجريب المجرّب"، هل قرر العرب فجأة استنفاذ أوراق القوة التي بأيديهم في سياق "خيار السلام الاستراتيجي"، أليس العجز العربي" بأبشع صوره، هو الدرس الثاني المستخلص من تجربة العدوان والمقاومة على مدى الشهر الفائت؟...هل يمكن أن تحظى "قمة مكة" في حال انعقادها، بفرص وحظوظ أفضل من القمم الخمس المتعاقبة منذ بيروت وحتى الخرطوم مرورا بشرم الشيخ وتونس والجزائر؟...هل العرب متفقون على "ترتيب منسق" للأولويات والتحديات التي تجابههم؟

إن أخشى ما نخشاه، أن يعيد النظام العربي ترتيب الأولويات والتحديات التي تجابه الأمة وتهدد أمنها القومي، كأن يقال مثلا، بأن إيران ومحورها أو هلالها، وليس إسرائيل، هي الخطر الرئيس الذي يستوجب التضامن والتعبئة والتحشيد، أو أن يقال دعونا "نأخذ بعين الاعتبار احتياجات واشنطن للتعبئة والتحشيد ضد طهران" في سياقات التمهيد لحرب الخليج الرابعة، حتى نتمكن لاحقا من قبض الثمن في فلسطين والجولان ومزارع شبعا، تماما مثلما حصل في حفر الباطن أو في الائتلاف المضمر والمعلن عشية الحرب على العراق واحتلال بغداد، لننتهي في "آخر النهار" إلى ما انتهينا إليه في عملية مدريد – أوسلو – وادي عربة بعد حرب الخليج الثانية، أو إلى ما انتهت إليه رؤيا بوش وخريطة الطرق بعد حرب الخليج الثالثة.

ويبلغ مأزق انعدام الخيارات عندما يتحدث المصدر الرفيع" عن أحجية استدعاء السفير من تل أبيب، فاستدعاء السفير مشكلة، وإبقاؤه مشكلة، ووفقا لنظرية أهون الشرين وقع الاختيار على "رفض العزلة"، تماما مثلما فعل مصدر رفيع مماثل في القاهرة، وتقريبا بنفس الجمل والمفردات.

مأزق النظام العربي، القديم المتجدد، يتجلى في انعدام الخيارات بعد أن سقط خيار "السلام الاستراتيجي" وفي "الاعتمادية" التامة على الولايات المتحدة، بدءا بنظرية (99.9 بالمائة من أوراق الحل في يد أمريكا)، فكيف سيتصرف هذا النظام بعد أن داس أولمرت بقدميه الهمجيتين خيار السلام مستمسكا بأحاديته وعدوانية الفاشية، وبعد أن انتدبت إدارة بوش، كلا من جون بولتون وكوندوليزا رايس "للدوام" في غرفة العمليات العسكرية والسياسية المشتركة، الأمريكية الإسرائيلية ضد لبنان شعبا وكيانا، دولة ومقاومة.؟

* مدير مركز القدس للدراسات السياسية

- مفتاح 14/8/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة