مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


أثير وما يزال نقاش في إطار التيار الوطني الديمقراطي الفلسطيني، ومن حوله وفي إطار العديد من المثقفين الديمقراطيين والفئات الاجتماعية ذات الميول والاتجاهات الفكرية التقدمية قضية تتصل بتوحيد ما أمكن من قوى التيار الوطني الديمقراطي العريض والموجود واقعياً وبكثافة وثقل نوعي في المجتمع الفلسطيني، لكن ثقله وتأثيره وفعله في الحياة السياسية والمجتمعية الفلسطينية كان ولا يزال محدوداً ولا يتناسب أو يعكس وجوده الواقعي ولا مع تاريخه الطويل في إطار الحركة الوطنية المعاصرة. وإذا ما كان المجال لا يتسع الآن وفي هذه العجالة التي نحاول فيها طرح الموضوع لإثارة النقاش الذي قد بدء ببعض المقالات والردود عليها قبل فترة وجيزة ، فإن هذه المحاولة تأتي أيضا في سياق تعميق النقاش ليس إلا حول أهمية وضرورة بناء تجمع ديمقراطي فلسطيني، في ضوء التطورات التي حدثت بالمجتمع والحياة السياسية الفلسطينية بعد الانتخابات التشريعية الثانية والانتكاسة الكبيرة التي مني بها هذا التيار في مواجهة تيار الإسلام السياسي وتعمق حالة الثنائية السياسية والانقسام والاستقطاب السياسي بين حركتي فتح وحماس في المجتمع والحياة السياسية الفلسطينية ، هذا النقاش الدائر الآن يمكن أن يشكل محاولة لإعادة بناء وتجديد التيار الوطني الديمقراطي الذي عاني طويلاً من التشتت والشرذمة، وان كنا الآن لسنا بصدد مناقشة الأسباب العديدة التي ساهمت سابقاً في انقسام وتفتت هذا التيار، وهو أمر على أية حال ضروري ويجب مواجهته بالنقد والتحليل الصارم لاستخلاص الدروس والعبر منه.

فإن ما قصدناه بعدم اتساع المجال، هو في الواقع لإفساح المجال نحو ملامسة الأهمية التاريخية لبناء تجمع ديمقراطي فلسطيني يعيد الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني برنامج م.ت.ف ومشروع السلام الفلسطيني ووثيقة إعلان الاستقلال أو بمعنى أدق ليستنهض الوطنية الفلسطينية كمشروع نهضوي ليس بمعناه السياسي التحرري فحسب بمعناه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ، وليلعب دوراً متميزاً في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية لإعادة التوازن للحياة السياسية والمجتمعية الفلسطينية، بين التيار الوطني العام بمختلف تلاوينه الاجتماعية والطبقية والسياسية وامتداداته التحالفيه في إطار م.ت.ف. ، وبين التيار الأصولي الديني وتعبيراته ونهجه وبرنامجه وأطروحاته من جهة أخرى. وهو بهذا المعنى، أي التجمع الديمقراطي ليس قضية مفتعلة أو طارئة تطرح على أجنده الحياة السياسية كما يحلو للبعض أن يصور الأمر على هواه وكما يشتهي لاعتبارات معروفة ومفهومة، بقدر ما هي حاجة موضوعية وتاريخية بات المجتمع الفلسطيني والحياة السياسية الفلسطينية اليوم وقبل غداً أحوج ما يكون إليها، خصوصاً بعد الأزمة العاصفة التي ما تزال تعصف بالوضع الفلسطيني أثر تداعيات العزلة السياسية والحصار الاقتصادي للمناطق الفلسطينية وكذلك تداعيات الحرب على لبنان والحلول الإقليمية السياسية المرتقبة، ومحاولة فرض أجنده أمريكية إسرائيلية جديدة تعيد ترتيب الأولويات الإقليمية بما في ذلك أجندة الحل السياسي وبما يقطع الطريق أمام مشروع الحركة الوطنية الفلسطينية في الحرية وتحقيق الاستقلال الوطني وبناء الدولة المستقلة.

هذا التشكيل الديمقراطي الذي ندعو له يندرج في إطار توحيد الجهود وتكثيفها لاستكمال إنجاز المهام الوطنية التحررية ، ومواجهة المهام الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى ، والذي لم يعد ممكناً وفي ظل احتدام الصراع الدائر مع الاحتلال الإسرائيلي حل واحدة على حساب الأخرى ، أو وضع الأولى في تناقض مع الثانية ، بل على العكس من ذلك أثبتت تجربة السنوات الماضية ، ومنذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية إن أحد أهم شروط النجاح في استكمال المهام الوطنية التحررية ، تكمن في مدى قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على موائمة مشروعها الديمقراطي الاجتماعي الاقتصادي مع المشروع التحرري ، والذي دون ريب دللت العديد من المؤشرات ودون الخوض في التفاصيل حول الأسباب الموضوعية والذاتية على عدم نجاح التجربة السابقة وعدم نجاحها في حل الأمرين معاً أو أي منهما .

ومن هنا فإن تداخل المهام الوطنية الديمقراطية والاجتماعية الاقتصادية بهذا الشكل غير المسبوق في تاريخ نضالنا الوطني يطرح على الديمقراطيين الفلسطينيين مسؤولية التصدي لهذه المهام، ليس من واقع التأهيل النظري والتاريخي وباعتبارهم حامل موضوعي لهذه المهام، بقدر ما أن يكون التصدي لهذه المهام من منطلقات ومفاهيم تجديدية تصيغ رؤى جديدة وتستخلص الدروس والعبر من التجربة الماضية أولاً، ومن تجارب ناضجة وملموسة عربية ودولية مازالت قائمة وحققت العديد من المكاسب والإنجازات. وبهذا الإطار فإن استحضار تجارب الماضي ومحاولة إسقاطها على الواقع الجديد، أو ترميمها وإصلاحها ومحاولة تقديمها وتسويقها بصورة جديدة، هذه المحاولات لا يمكن أن تصلح لا كإطار ولا كمرجعية يمكن الاستناد عليها، لأنها بكل بساطة سوف تعيد إنتاج التجربة السابقة ذاتها، والتي بدورها ستولد الأزمات ذاتها التي قادت إلى الانقسام والتفتت، وفي ظل غياب تراث تاريخي في بناء وتشكيل تيارات وحركات ديمقراطية واسعة في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن مهمة البحث والتدقيق في هذا التراث لن تقود إلا إلي تجارب من نمط الجبهات الوطنية، أو في أحسن الأحوال تحالفات سياسية حول موقف سياسي معين يتشكل هذا التحالف، وينحل في حدود حل هذه التناقضات السياسية والذي على الأغلب يكون في إطار مرحلة تاريخية سياسية معينة.

لذلك فإن مهمة الاجتهاد والبحث والتدقيق قد تكون مفيدة وهامة وضرورية لاشتقاق أفضل السبل والأشكال والأساليب لتجارب عريضة ذات مضامين ديمقراطية حقيقية، تقع تجربة حزب التجمع الوحدوي المصري في المقدمة منها ، وكذلك ما رشح عن تشكيل إطار ديمقراطي موسع من قوى وشخصيات ديمقراطية في تونس ، أو في المغرب الذي يضم أربع أحزاب بالإضافة إلى شخصيات ديمقراطية ومؤسسات مجتمع مدني ونقابات مهنية تشارك في الحكومة الآن مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية . وفي نفس الإطار فإن تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي التي تحمل من غنى التجربة وعمقها ما يدفعنا أيضاً إلى استخلاص ما أمكن من جوانبها، لكن دون الوقوع في فخ الإسقاط غير الواقعي على واقعنا وقضايانا، وعدم أدراك الخصوصية التي يتميز بها نضالنا الوطني التحرري الديمقراطي في المرحلة الراهنة، وشروطه ومتطلباته التي تختلف عن أية تجارب أخرى، أو مهام وطنية ديمقراطية اجتماعية اقتصادية تصدت لها تلك القوى الديمقراطية في هذه البلدان ونجحت في حلها، أو هي في طريقها لحلها.

بيد أن محاولات الاستشراف هذه لن تكون ذات معنى عملي ملموس وجدي، ما لم يقم الديمقراطيون الفلسطينيون ببناء تجربتهم الجديدة والخاصة، وتقديم إسهامهم ليس من واقع خصوصية وتطور نضالهم والمهام الوطنية والاجتماعية والديمقراطية المطروحة عليهم والتي يتعين عليهم مواجهتها وحلها، وإنما من واقع تجربتهم التي تملي عليهم إجتراح تلك الرؤية التوحيدية التي يجب أن تتواصل وتتصاعد كخيط ناظم لهذه المهمة في سياق العملية الكفاحية التحررية الوطنية من جهة، وفي إطار من المراجعة النقدية المعمقة والصارمة والمتواصلة في آن واحد، وذلك بهدف تصويب وتصحيح مسار هذه العملية المعقدة، والتي لا ينشأ تعقيدها من طبيعة المرحلة النضالية التي يخوضها الشعب الفلسطيني، ولا من المهام الصعبة والمتداخلة فيها فحسب، وإنما من طبيعة نشأة وتكوين الحركة السياسية الفلسطينية وخصوصاً القوى والاتجاهات الديمقراطية منها، والتي ما زالت بفعل هذه النشأة والتكوين تحمل العديد من الاجتهادات والتباينات الفكرية والسياسية والتنظيمية، وهو أمر بالقدر الذي يعكس التعددية الفكرية والتنظيمية في المجتمع والحياة السياسية الفلسطينية، فإنه يحمل من جانب آخر قدراً كبيراً من التماثل والتشيؤ عبر أطر حولت العامل التاريخي المكون لها كأحد ممكنات استمرارها والمحافظة على بقائها.

ومع الإدراك المسبق لحساسية هذا الأمر فإن بناء التجمع الديمقراطي المنشود وباعتباره تجمعا ديمقراطية بالأفعال وليس بالأقوال، فلا بد أن يقوم على أساس من التعددية الفكرية والسياسية، ويتيح المجال بنفس الوقت في إطاره لقيام المنابر لهذه الأطر للتعبير عن نفسها، وكما أنه في الوقت الذي يجدر فيه مراعاة حساسية القوى والأحزاب من منطلق واقعي وتاريخي، وكذلك الحال فإن مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة والشخصيات الاجتماعية والديمقراطية الأخرى، ينبغي أن تجد في هذا الإطار التعددي ما يبدد مخاوفها مما يشاع قصداً وعن سوء نية عن محاولات للهيمنة أو التفرد والاستئثار، أو ممن يحلو للبعض أن يسميها وعن سوء نية أيضاً، الإتكاء على هذه القوى المجتمعية الجديدة لإعادة تجديد الحياة وضخ دماء جديدة فيها وذلك كمحاولة لتجديد نفسها وأحياء دورها، وفي واقع الأمر فإن لا محاولات الهيمنة وإن كان من الممكن أن تنجح ولفترة زمنية قصيرة، ولا الإتكاء على هذه الأطر الجديدة من الممكن أن يعيد تجديد الحياة لهذه القوى ، وبنفس الوقت فإنه لا يمكن أيضاً لهذه القوى المجتمعية منفردة رغم المحاولات العديدة التي بذلها بعضها ومازال من أن تشكل بديلاً لهذه القوى رغم أنها وليدة قوى يسارية على الأغلب.

لذلك فإن بناء تجمعاً ديمقراطياً حقيقياً يوفر مناخاً ديمقراطياً من حيث تمتعه بآليات ديمقراطية تمنع الهيمنة أو النبذ ويوفر الإمكانية للتعايش داخله على أسس الديمقراطية والتعددية، سيكون جذاباً بل سيكون مقنعا لكل هذه الفئات والاتجاهات المعبرة عن واقع الحراك المجتمعي الحاصل في مجتمعنا، ويدفعها للانخراط في بناء هذه التجربة على أسس جديدة ومتينة وتحمل في الوقت نفسه أفاق التطور لصيغ أرقى في المستقبل، مما يعني بنفس الوقت توفر معايير تقييمه لمدى نجاح التجربة في كل مرحلة من مراحل بنائها وتطورها.

ولن يكون كافياً لهذا لإطار التجمع، أن يتمتع بآليات عمل داخلية ديمقراطية لكي يكون ديمقراطياً، بل أن معيار ديمقراطية هذا التجمع فعلاً تتحدد بكيفية العلاقة التي سيقيمها مع الجمهور ، فإذا ما كانت على أساس المشاركة الواسعة في اتخاذ وصنع القرار ، أو صيغ من الرقابة الشعبية، وبالتوازي مع الرقابة والمحاسبة الداخلية المؤسسية ، فلن يستطيع هذا التجمع أن يشق طريقاً جديداً ، ولن يصوغ علاقة جديدة مع جمهور امتلك وراكم من الخبرات والتجارب الكثير ، ولن يجديه نفعاً التعاطي معه بطريقة استخداميه أو في أحسن الأحوال تقديم بعض الرشاوى التخديرية لبعض الفئات الطفيلية المتكسبة منه،لأن الجمهور خبر التعاطي مع مثل هكذا حالات أولاً ، وثانياً لن تستطيع حركة ديمقراطية حقيقة من حيث المبدأ قبول هذا المنطق ليس لأنها لا تستطيع مجاراة ومنافسة القوى والتيارات الأخرى المهيمنة في هذا المسلك التخريبي في جوهره ، وإنما لاعتبارات مبدئية تتصل بمنهجها وبرؤيتها لكيفية بناء وصياغة علاقاتها مع الجماهير . إن تجمعا من هذا الطراز لا يعيد الاعتبار لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والمجتمعية في موقع التأثير وصنع القرار في هيئاتها ومؤسساتها، وليس من موقع الجمهور المصفق أو الناخب، لن يستطيع أن يحمل لقب تجمع ديمقراطي بجدارة، بل إن ما يجب أن يميزه فعلاً هو مقدار قوننة هذه المشاركة وعلى أساس من التمييز الإيجابي للمرأة ، وفي كل مواقع صنع واتخاذ القرار وهذا يجب أن يكون التزاماً ينبغي أن يترجم بسياسات وبرامج تهدف إلي تصحيح خطأ تاريخي مجحف وواقع وليس إشهارا دعاوياً. وأخيراً إذا لم يطرح هذا التجمع نفسه، باعتبارها حركة موحدة لشعب موحد داخل الوطن وفي الشتات والمهاجر فإنها سوف يسقط في أول امتحان سياسي له وهو ما يجب تجنبه فعلاً وعدم الوقوع فيه، وهو أساساً لم يغب عن الشخصيات والتيارات والاتجاهات المتحاورة والمكونة لأطراف التجمع المزمع الإعلان عنه.

إن محاولتنا إثارة بعض هذه القضايا ليس للترويج لهذه الفكرة المهمة والحيوية، بقدر ما هو محاولة لإثارة نقاش موضوعي ومعمق وجدي حولها من موقع الاختلاف أو الاتفاق معها، انطلاقنا برأينا من راهنيتها أولاً، وأهميتها التاريخية لنضال شعبنا ثانياً، وما طرحته الحياة والتجربة من مهام مازالت قيد النقاش ولم تحل بعد ثالثاً، وما يمكن أن نستخلصه من دروس وعبر من تلك التجربة التي ما تزال طازجة رابعاً، وهي في الوقت ذاته أي هذه المحاولة ليست افتعالاً لنقاش أو ترفاً فكرياً يمارسه بعض المثقفين في أوقات فراغهم كرياضة ذهنية كما قد يصورها البعض من ضيقي الأفق ويعتبرون أن هذا النقاش يأتي لا في مكانه ولا زمانه.

إن هذا النقاش كما أشرنا في البداية هو فعلاً محاولة جدية لشق طريق جديدة وانتهاج خيارات أخرى مستقلة تعبر عن امتلاك هذا التيار لرؤية برنامجيه مختلفة ومتميزة، والسؤال هل سيمتلك الديمقراطيون الفلسطينيون الجرأة على مواجهة الواقع والتصدي للإشكاليات التي يطرحها بروح نقدية عالية ؟ تتسم بإدراك عميق للمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم ؟ وهل سيكونون على قدر هذه المهمة التاريخية ؟، أم سيفوتون الفرصة عليهم ويتركوا الميدان فارغاً لتملئه قوى واتجاهات مجتمعية أخرى تسعى منذ أمد بعيد لبسط هيمنتها على المجتمع . هذا ما لا نستطيع الإجابة عليه بثقة الآن، فلنترك للحياة والتجربة أن تقدم تلك الإجابة مع اكبر قدر ممكن من إسهامنا فيها إن امتلكنا الجرأة والإرادة فعلاً. - مفتاح 16/8/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة