شكلت عملية «الوهم المتبدد» البطولية التي نفذتها «حماس» بالتعاون مع آخرين (لجان المقاومة وجيش الاسلام) فاصلة أو استراحة بين أزمتين، ولعلها أزمة واحدة تعيشها الحركة وحكومتها تتمثل في طبيعة الوضع السياسي والأمني الذي تتحرك خلاله، والقائم على سلطة يتحكم الاحتلال بكامل تفاصيلها وعلى مختلف الأصعدة من جهة، وعلى القرار الفتحاوي والعربي والدولي بإفشال الحكومة لاعتبارات كثيرة تختلف بين هذا الطرف وذاك من جهة أخرى. أخرجت عملية «الوهم المتبدد» حركة «حماس» وحكومتها لبعض الوقت، أولاً من سؤال الجمع بين المقاومة والسلطة، وثانياً من سؤال الرواتب وتدبيرها، وجاءت حرب لبنان بعد عملية «الوعد الصادق» لتمنح الحكومة فرصة أخرى، لكن ذلك لم يدم طويلاً، وها هي «نقابة الموظفين الحكوميين» تبدأ مسلسل فعاليات جديدة للضغط على الحكومة للمطالبة بالرواتب (هل يوجد في أي دولة في العالم شيء اسمه نقابة الموظفين الحكوميين؟). على أن معالم الأزمة التي تعيشها «حماس» في ظل حكومتها العتيدة تبدت أكثر خلال حرب لبنان، إذ واصل خطاب الحكومة «اعتداله» المثير لغضب القواعد والشارع، لكأن شيئاً لا يحدث في الجوار، خلافاً للمتحدثين باسم الحركة في الداخل والخارج ممن انفعلوا بالحدث اللبناني، وتبدى ذلك أكثر حين انجلى المشهد عن انتصار لـ «حزب الله»، وأقله فشل اسرائيلي واضح، لكن ذلك لم يؤثر في مسار الحدث الفلسطيني، اللهم باستثناء دعوة خجولة من طرف رئيس الوزراء اسماعيل هنية للتفكير جدياً في حل السلطة. لكن مأزق التعاطي البائس مع الحرب في لبنان كان أكثر وضوحاً في جبهة السلطة التي ما زالت عملياً بيد حركة «فتح» (الأمن والمعابر والإعلام، والأصل أن تضاف الرواتب؟)، إذ واصل الرئيس الفلسطيني ركضه خلف آثار الجندي الأسير، ولم يتوقف عن مطالبته الفصائل بتجديد التهدئة، تلك الكلمة التي أصبحت الأكثر مرارة في حلوق الفلسطينيين تبعاً لسوء دلالاتها (الموت المجاني من دون رد)، وصولاً الى طموح عريض يتمثل في العودة الى مسار تفاوضي حصل الرئيس على اذن به من الفصائل من خلال ما عرف بوثيقة الأسرى التي استدرجت «حماس» للتوقيع عليها بعد تعديلات تنجيها من تهم الاعتراف بدولة الاحتلال، لكنها لا تغير في حقيقة ان الخطاب الفتحاوي هو الذي يصبغها من الألف الى الياء. الآن ولما كانت فكرة حكومة التكنوقراط التي يطلبها الرئيس الفلسطيني مرفوضة من «حماس» لكونها تعني إعادة كل شيء الى «فتح» عملياً في ظل غياب نواب «حماس» في السجن ووجود غالبية فتحاوية في المجلس التشريعي بناء على ذلك، ولما كانت فكرة حل السلطة مرفوضة عند حركة «فتح» وقيادة السلطة، فيما لا تملك «حماس» حتى لو تبنتها القدرة على تنفيذها، فإن المتاح هو حديث حكومة الوحدة الوطنية التي نصت عليها «وثيقة الأسرى»، وهي حكومة لا يعرف متى ستشكل وكيف في ظل اشتراط «حماس»، وربما أملها في الإفراج عن النواب والوزراء المعتقلين، فضلاً عن اسئلة التوزيع، توزيع الحقائب على الفصائل، لا سيما أن فتح لن تقبل مشاركة هامشية، بل تريد مشاركة فاعلة تضيفها الى تحكمها بالسلطة عمليا. ليس من المستبعد بالطبع الإفراج عن الوزراء والنواب (ليس جميعهم بالطبع) كجزء من صفقة التبادل مقابل الجندي الاسرائيلي الأسير، هذا إذا لم يستغل الاسرائيليون الوقت في الوصول اليه وتحريره، لا سيما أن جهات كثيرة تبدو معنية بنتيجة من هذا النوع تحرم «حماس» فرصة النجاح في تحرير بعض الأسرى مقابل الجندي. اذن فالمسار المتاح اليوم هو حكومة الوحدة، لكن الأزمة التي تواجه «حماس» هنا ليست هامشية لسبب بسيط هو ان الحكومة المذكورة، بحسب الرغبة الفتحاوية والمصرية، هي حكومة تهدئة ومفاوضات، وليست حكومة مقاومة تبعاً للظرف الجديد الذي استجد في لبنان، في حين يتذكر الفلسطينيون ان انتصار ايار (مايو) عام 2000 في لبنان قد ساهم بشكل فاعل في اطلاق انتفاضة الأقصى بعد ذلك بأربعة شهور، وإن كان العنوان الأساسي هو فشل التسوية في قمة كامب ديفيد 2، تموز (يوليو) من ذات العام، مع العلم بأن ما عرض على الفلسطينيين في تلك القمة ورفضوه لن يعرض عليهم بحال في ختام المفاوضات الجديدة. صحيح ان الفشل الاسرائيلي في لبنان قد جمّد عملياً خطة «كاديما» للانفصال عن الضفة الغربية، أقله الى حين من الوقت، فيما أطلق دعوات لاستيعاب «حماس» والتفاوض مع الفلسطينيين من أجل التفرغ لايران وسورية، لكن الأكيد هو ان أي مفاوضات جديدة لن تتجاوز في خطها العام ما يعرف بخريطة الطريق، مع العلم بأن البند الأول في الخريطة هو تفكيك البنية التحتية للارهاب، أي لقوى المقاومة، فيما البند الثاني هو الدولة الموقتة التي لا تختلف في تفاصيلها عن خطة الفصل في الضفة. وتبقى مفاوضات الوضع النهائي في المرحلة الثالثة. في ضوء ذلك كله لا يبدو الوضع الفلسطيني بقيادته العاجزة عن المضي في مسار تعلم تداعياته (فقدان الامتيازات وتالياً مصير أحمد ياسين والرنتيسي أو مصير عرفات)، وبرضوخه لمرجعية عربية خائفة، لا يبدو معنياً بتفاصيل ما جرى في لبنان وتداعياته والفشل الأميركي في افغانستان والعراق، ولا يفكر في استغلال ذلك من أجل حل السلطة وتوريط الاحتلال بحرمانه من «الاحتلال الديلوكس» الذي يتمتع به منذ ربيع العام 2002، والذي أراحه من صورة الاحتلال سياسياً. «حماس» في هذا المشهد ليست في وضع جيد بالتأكيد، وهي تغامر بجبل شاهق من التضحيات الرائعة في لعبة سياسية بائسة تعمل لمصلحة الاحتلال ولا بد من الانقلاب عليها وفضحها. ويبقى الأمل فيمن صنعوا ملحمة «الوهم المتبدد» وبوسعهم أن يصنعوا مثلها، لا سيما أن القناعة بلا جدوى الاستجداء السياسي لا تزال متوافرة في الشارع، فيما توافرت أكثر بعد انتصار المقاومة في لبنان. دار الحياة (22/08/2006). اقرأ المزيد...
بقلم: ريما كتانة نزال
تاريخ النشر: 2018/7/23
بقلم: جهاد حرب
تاريخ النشر: 2018/5/12
بقلم: وكالة معا الاخبارية
تاريخ النشر: 2018/5/2
|