مفتاح
 
مفتاحك إلى فلسطين
 
 
 
 


.. كان غارقاً في أفكاره وهو يلتهم ترويقة الصباح الـمكونة من بصل كثير وفول قليل، تتخللها رشفات متقطعة من شاي أسود دبق.. قال أبو الفهود القائد العراقي في صفوف الـمقاومة الفلسطينية: أردنا أن نقوم "بثورة في الثورة" بدءاً بالتمرد على "البترودولار" الذي هدد بإجهاض ثورتنا، لكننا فشلنا في تأمين أحذية وخبز للـمقاتلين بإمكانياتنا الخاصة. الشعب الذي يدعمنا هو الـمخيمات التي تعيش في حالة فقر مدقع وتحتاج إلى مساعدتنا. وأضاف: إما أن نجوع وإما أن يفسدنا الدعم، بعد أسابيع صار رسماً على جدران مخيم الرشيدية في الجنوب اللبناني بهيئة شهيد.

ظل الاستقلال الـمالي يدغدغ طموح الكثيرين، ففي أوج تدفق الدعم بلا حدود إلى صناديق فصائل الـمقاومة جميعاً، لـم يستثمر ذلك الدعم الوفير في دورة إنتاج متطورة قادرة على الصمود في اللحظات الصعبة، وعندما تبدأ فصول الضغط والحصار، كان الدعم بشروط مقدوراً عليه ولا يمس الـمضمون أثناء صعود الـمقاومة، ولكن عندما يتفاقم الخلاف السياسي وتظهر التناقضات بين برنامج الـمانحين العرب وبرنامج الـمقاومة، فمن الـمنطقي أن يصبح الدعم مشروطاً.

بعد 30 سنة من التفرغ في إطار فصائل الـمنظمة والسلطة وجدت نفسي شهراً تلو آخر بلا راتب كما هو حال 160 ألف موظف وأكثر من 80 ألف عامل. شخصياً بدأت الاستعداد لـما هو أسوأ، كاحتمال انقطاع الراتب لـمدة طويلة، أو انقطاع الراتب بشكل دائم ونهائي في حالة الانهيار. هيأت نفسي لاحتمال أن أُلقى على قارعة الطريق كما هو حال العامل الأميركي في ريبورتاج الزميل بسام الكعبي الذي فقد عمله ومنزله وسيارته وانتقل للعيش مع عائلته في العراء داخل "كارافان". شحذت نفسي بـ"ميكانيزم" الـمقاومة والصمود والبحث عن عمل بعد نهاية الدوام في عملي الحكومي. غير أن سوق العمل في مجال الكتابة يخضع لنظام الكوتا وأحياناً للواسطة والـموقف والأمزجة وكل هذا غير معلن ما يجعل الـمحاولة متعثرة رغم التكرار.

أشعر بالإهانة بعد أن تحولت مع شعبي برمته إلى رهينة. كم هو صعب إحساس الـمرء بأنه رهينة تحت رحمة شروط قبولها سيئ ورفضها سيئ! القيادة السياسية الـمحنكة في العادة تتفادى محاولات حشرها في زاوية قاتلة كهذه، وتجري الحساب الـمسبق للاحتمالات وتتخذ الـمواقف التي لا توصلها إلى حالة العجز من وحي الـمصلحة العامة بعيداً عن الحساب الحزبي الضيق. لـماذا وصلنا إلى مرحلة الاعتماد الكامل على الدعم الخارجي من حبة الدواء إلى ورش "العصف الفكري" في صالات الخمس نجوم. كم هو صعب أن يستيقظ الـمرء على إفلاس مادي فردي وجماعي ورسمي! لـماذا وصلنا إلى إفلاس رسمي؟ لـماذا لـم نستعدّ لـمثل هذا اليوم الأسود؟ أين الاحتياط الذي تحدث عنه مسؤول سابق، وقال في اجتماعه مع الإعلاميين: "إن الحكومة اضطرت إلى اقتطاع عشرة ملايين دولار من الاحتياطي لاستكمال مشاريع جارية في إشارة إلى أن السلطة مستعدة للأزمة".

ما هو دور الصندوق القومي التابع للـمنظمة؟ وما مصير استثماراته السابقة واللاحقة؟ أين الرأسمال الفلسطيني الكبير من أزمة طاحنة بهذا الـمستوى؟ البعض يتحدث عن احتمال إغلاق فروع البنوك لأن الاقتصاد يحتضر وما عاد "لهط" الأرباح ممكناً. والبعض نقل استثماراته إلى مكان آمن! أين أموال الصناديق الإسلامية الحزبية والصديقة التي اشتهرت بقوتها وبالحفاظ على تدفق الأموال رغم القيود. لقد شاهد الـمواطن بأم عينيه تدفق الأموال في الدعاية الانتخابية واحتفالات الجلاء، ولـم يلحظ حركتها أثناء الأزمة الـمستفحلة حتى نحو أُسر الشهداء والـمعتقلين!

كيف يمكن ترجمة مشروعنا الوطني ونحن نفتقد القدرة على تأمين الحد الأدنى من الـمقومات الـمادية؟ ألا توجد علاقة بين التمسك بالأهداف والبرامج وبين تأمين أبسط الـمقومات! الـمقاومة كما تقول تجربة حزب الله تحتاج إلى مقومات، فقبل أن تتوقف الـمدافع كان الحزب مستعداً لكل التبعات الـمترتبة على مقاومته فشرع في بناء كل منزل مدمر ولـم يترك الـمنكوبين في العراء. الانتفاضة والـمعركة السياسية ورفض الإملاء تحتاج إلى مقومات. إن كعب إخيل مقاومتنا هو الريعية وتنفيعاتها وثقافتها الـمثبطة للهمم. لـماذا اعتمدنا سياسة مالية رسمية وغير رسمية، حكومية وغير حكومية غير منتجة منذ انطلاق الـمقاومة وحتى الآن؟ سياسة ترتكز إلى عامل انتظار الـمساعدة وطلب الدعم. لقد حولتنا هذه السياسة إلى رهينة لأصحاب الـمال في الداخل والخارج، وتحت رحمة الـمانحين وشروطهم وإملاءاتهم، وهذا شيء خطير ويهدد بأوخم العواقب.

ينتابني كما ينتاب آخرين إحساس بالعقاب من الاحتلال والعالـم الحر من جهة، وعقاب من حكومة "حماس" و "م.ت.ف" وأصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين من الجهة الأخرى. وما يهم كيف نتعامل مع العقوبات ونستخلص الدرس.

الحصار الشامل غير الـمسبوق وضعنا كشعب وكحركة سياسية أمام تحديات مصيرية، فقد نخرج أكثر قوة ونمضي في الطريق إلى الحرية والاستقلال، أو يحدث الانهيار "لا سمح الله". وهذا يعتمد على حالة الجدل العميقة في صفوف الشعب، التي بدأت تطرح أسئلة لـم نعتد على سماعها. كيف يمكن التعاطي مع الـمتغيرات الكونية والإقليمية الجديدة؟ كيف نتوحد كشعب في الداخل والخارج على أهداف مشتركة وضمن استراتيجية وأجندة فلسطينية لها أولوياتها؟ كيف نقاوم وننتفض ونصمد؟ وكيف يتم وضع رأس الـمال الفلسطيني في خدمة الاستراتيجية؟ وبعد ذلك يسهل متابعة الـمسيرة إلى نهاية ظافرة.

Mohanned_t@yahoo.com - الأيام 29/8/2006 -

 
 
اقرأ المزيد...
 
Footer
اتصل بنا
العنوان البريدي:
صندوق بريد 69647
القدس
عمارة الريماوي، الطابق الثالث
شارع ايميل توما 14
حي المصايف، رام الله
الرمز البريدي P6058131

فلسطين
972-2-298 9490/1
972-2-298 9492
info@miftah.org  
 
للانضمام الى القائمة البريدية
* تشير الى انها مطلوبة